الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

حديث وصراحة

Share

كلام عن الحضارة

الحضارة الحديثة نتاج عالمى شامل :

قد يكون من المغالاة القول بأن الحضارة الانسانية قديمها وحديثها ليست من نتاج جنس معين ينفرد بها عن الأجناس الاخرى ، لكنه على أى حال قول يقرب من الحقيقة ذا عرفنا أنها حصيلة تطور تاريخى بشرى تضافرت فى الاسهام فيه عقول مختلفة تفاوتت نسب مجهوداتها فى بنائه وتركيبه ، ولعل (( ويل ديورانت )) فى كتابه (( قصة الحضارة )) أمعن فى المغالاة حين قال ما مفاده : (( لا يوجد حجر يرمز الى حضارة تاريخية الا وتجد الاغريق أصحابه )) .

صحيح ان للاغريق حضارة عظيمة لا ينكر أثرها فى الحضارة الانسانية ، لكننا لا نستطيع اغفال حضارات أمم أخرى لا تقل عن ابداع الاغريق ، فالرومان والعرب والهنود أمم أسهمت نظريا وعمليا فى الحضارة الانسانية بقدر ما تهيأ لها من مشاركة . . والمصريون والباببليون والفينيقيون وهى هجرات عربية قديمة قدموا للانسانية نبعا دافقا وعطاء حضاريا لا يقل عما قدمه الاغريق بل يمكن القول بأن الاغريق أخذوا من المصريين . . ألم يكن (( ارسطو )) تلميذا ل (( فيثاغورث )) ؟ .

انها حضارات تفاعلت مع بعضها عبر الزمن السحيق وكونت روافد متساندة فى تلاحم عضوى فريد . . فالاغريق تفاعلوا مع حضارة المصريين والرومان تفاعلوا مع حضارة الاغريق والعرب هم الآخرون تفاعلوا معها وترجموها بعد أن هذبوها وشرحوا غوامضها وما التبس منها ، ثم أضافوا ما أمكنهم اضافته ، حسب                                                 بيئتهم وواقعهم السياسى والفكرى . .

وما دامت الحضارات القديمة التى سادت ثم بادت ليست الا نتاجا تاريخيا متمازجا ومتسلسلا ، فان هذا التمازج فى الحضارة الانسانية الحديثة قائم وشامخ . . أليس كثير من النظريات الحديثة فى العلوم التقنية له قواعد وامتداد بالنظريات التى تبلورت فى عهد الامبراطوريات الحضارية القديمة ؟ أليست هجرة العقول العلمية من البلدان المتناثرة عبر العالم الى

البلدان الصناعية الكبرى دليلا على وجود المساهمة والمشاركة فى التحضر الانسانى الحديث ؟

ان العقول الدقيقة والأيدى الماهرة التى ساهمت فى التحضير لكشف أسرار الفضاء ليست أمريكية بحتة بل هى ليست من السلالات التى هاجرت من أسبانيا وسويسرا الى الولايات المتحدة الامريكية فحسب ، بل أن فيها عقولا هاجرت من مختلف الاجناس والبيئات ، منها ما هو آسيوى ومنها ما هو عربى وأوروبى وأمريكى . كما أن الذين يسهمون اليوم فى صناعة شرق أوروبا واليابان ليسوا من السلالات الصفر فحسب ، بل فيهم خليط من أجناس متناثرة من الغرب والشمال والجنوب . .

ان ذلك التمازج الحضارى لا يبدو فى عالم الصناعة وحده بل هو ماثل فى عالم الفلسفة والسياسة والاقتصاد ، فالفلسفة (( الكونفوشية )) و (( الهندوسية )) لهما شبه بتعاليم بوذا وفلسفة الهندى (( غاندى )) عن استقلال الهند وحكمه ، تشابه ولو نظريا أفكار الامريكى توماس جيفرسون عن حكم الشعب الامريكى . . وأفكار الباكستانى محمد اقبال متفاعلة ومتأثرة بالافكار المتأججة من أوروبا حينذاك من حيث فلسفته عن الشخصية المتميزة للشعب الباكستانى العظيم .

وما التجاوب السريع الذى يحدث اليوم فى كل بلد من المعمورة للتحضر الانسانى الا رد فعل وتعانق مع التطور التقنى فى عالم تسخير الطاقة لراحة الانسان وخميرة من خمائر التقبل والتفاعل مع الحضارة الحديثة فى صورها المختلفة .

أثر الحضارة الحديثة فى الانسان المعاصر :

انسان اليوم يعيش فى مجتمع صناعى

تشحنه القوة ويسوده الانفعال والاضطراب لم يكيفه الانسان بقدر ما تكيف فيه بالاسلوب المفروض عليه . . الروحانيات التى كان لها الشموخ والتقديس تعصرها الماديات وتطوقها الاجتهادات والشكوك . . العلاقات الأسرية تنفصم عراها واحدة تلو الاخرى حتى كادت تفقد وجودها تماما . . العلاقات الانسانية هى الاخرى مزحومة بالتعامل المادى ، وما بقى منها لا يتم الا نتيجة لتداخلات المنافع وتبادل المصالح . . هذا المجتمع الصناعى الذى استعر أواره صبغ انسانه بمادية مرهقة صورت له الحياة على أنها (( تعامل مادى )) ميزانه الاخذ والعطاء بالتساوي أو بالاحرى ترجيح كفة الاخذ على العطاء بعيدا عن تعاطف الانسانية وآلامها حتى فقد كثيرا من احساسه وشعوره بل وواجباته فكاد يكون شبيها بالآلة تدور على نفسها فى شكل رتيب ومتكرر . .

ولعمرى لقد أثر ذلك الخط فى الحياة على الانسان فى سلوكه . . فى انفعالاته ، من اتجاهاته السياسية والاجتماعية غالط نفسه وخدعها حين تعصب للرفق بالحيوان وأقام له الجمعيات ، ونسي أن الانسان نفسه فى الكون الارضى أحوج ما يكون الى تلك الرعاية قبل أن يكون الحيوان جديرا بها . . المدفع الذى تقدمه مصانع السلاح والكلمة التى تنشرها مكاتب النشر ، والصورة التى تخرجها مؤسسات الاعلام هى وسائل الى غايات ومقدمات لنتائج لا تخدم الغرض الانسانى بقدر خدمتها للممول الذى لا يتأثر اذا كان هذا السلاح يفتك بالابرياء ولا يتحرج من الكلمة أو الصورة حين تضلل وتمسخ الحقيقة ما دام ذلك يؤدى الى مبتغاه . فاذا كان السلاح أنفق بسخاء فى معسكرات الانفصال فى

بيافرا - مثلا - فلا يهم أن يظل الناس هناك عراة ويموتوا جياعا . . ولا يهم أن تتجزأ وقتها نيجيريا . واذا كان للتبشير هو الآخر سوق فيها ، فلا يهم أن يتجرد الكهنوتى من روحانيته ، ليغرق فى بحر من التحريض على الانفصال والقتال , ويهرب السلاح الى المنشقين تحت لباس الدين . واذا كان لمولى وسائل الاعلام مصالح مرتقبة ومتوقعة من بيافرا فان أوجوكو سيظل بطلا من أبطال التحرير وقل ذلك بالنسبة لقضايا كثيرة فى العالم المعاصر فى طليعتها قضية العرب الفلسطينيين فى وطنهم الغالى . .

فئات كثيرة فى المجتمع الحديث تكاد تكون هى الاغلبية الساحقة لا تفهم من الحياة الا أرقاما حسابية مادية شرسة كان من نتائجها أن أوجدت فى المجتمع الحديث قلقا نفسيا مكبوتا يقذف حممه اللامبالية ، ويؤجج لهبه العارم بين حين وآخر ، يصور الحياة للجيل الحاضر سوداء قاتمة ، ويشيح بوجهه عن الرؤية الحقيقية لها ، فتولد من ذلك سوء فى التركيب النفسانى ، ومرض من الاحساس الداخلى حتى أصبحت الحياة فى عدة مجتمعات جحيما لا يطاق . . انفلاتا فى السلوك . . تقلبا فى الأمزجة . . اختلالا فى الانضباط الاجتماعى . . تمرغا فى الوحل الخلقى . . عمليات اغتيال وانتحار ، وعصابات سطو وانتشال . . ان كل ذلك يعبر عن قلق نفسى مكبوت هو بالتالى يعبر عن واقع مريض بهذه السلبية اللامبالية . .

البيتلز ، والهيبيون ، وفرق الأتوستودوب وتجار الماريغوانا وأصنافها . . كل تلك أدوات فتاكة ومعاول هادمة فى جدار الحضارة الحديثة لتجعل منها جدارا مهترئا يؤول الى الانهيار . ولو فى المستقبل البعيد

ترى أتستعمل الانسانية علاج تلك الامراض لتحفظ حضارتها من السقوط والضياع ؟

كلمات شتى :

أينما وجدت الحقيقة وجد الباطل لكنهما ليستا متلازمين بقدر تضادهما ، ولا بقدر تفاوتهما فى الغاية والهدف . فالحقيقة موجودة والباطل هو الآخر موجود فى عالم الكائنات الحية ، انسانية أو حيوانية ولكليهما عشاق ورواد . . القوى قد يتجبر على الضعيف ، وهذا بدوره قد يتقوى على من هو أضعف منه . . الحمامة تخيف صغار الطيور ، ولكن النسر العنيف يبطش بها متى وجدها . .

ان الحقيقة بدون قوة تسندها تفقد معناها فى أى زمان ومكان . . فبالقوة وحدها قد تصبح الحقيقة هى الباطل , والباطل هو الحقيقة . . ومن أجل ذلك يكون المؤمن القوى خيرا وأزكى من المؤمن الضعيف .

ان الحقيقة تصرع الباطل وتتغلب عليه اذا تهيأت لها ظروف القتال المناسبة ، ولكنها تظل مصروعة اذا فقدت تلك الظروف مهما تكن قوتها الذاتية . .

يقول الرئيس الامريكى توماس جيفرسون فى معنى ذلك :

لا يخيف الحقيقة تنازعها مع الباطل وتكن يقلقها تدخل الانسان المتعسف الذى يسعى لتجريدها من أسلحتها الطبعية .

ان الاخطاء قد لا تكون خطرة حينما يسمح للحقيقة بمناقضتها ، بحرية ، ان انتصار الحقيقة يرتبط كلية بالقوة والقوة ترتبط بالظروف الملائمة ، وما عدا ذلك يجعل الحقيقة مهما عظمت خواء . ( الرياض ) ( عبد الرحمن بن حسن النفيسة )

اشترك في نشرتنا البريدية