ظاهرة النظريات الاجتماعية ظاهرة النظريات الاجتماعية سمة من سمات المجتمع الحديث . وكل نظرية تطرح مفهومها تنطلق - حسب اعتقاد واضعيها - من قاعدة التجديد فى مفهوم الانسان لواقعه وأسس حياته المختلفة. ومن النظريات الكثير الذى آمن به قوم على اطلاقه معتقدين أن فيه معنى من معانى الانطلاق الحضارى للانسان ومع أنه قد لا يكون لدى المعتقدين دليل عملى على سلامة ذلك الاعتقاد ورغم أن الرؤية قد تكون غير واضحة فهم ينساقون بشكل عجيب . . فما العلة فى ذلك ؟
ان واضعى تلك النظريات لا سيما تلك التى تلاقى نجاحا لا يطرحونها الا حين يتحسسون واقع من طرحت له . يدخلون عليه حين يكون حببس فكر يعتقد انه لم يصل به الى غاية يتوخاها أو حين يكون فى حالة لا يستطيع فيها ان يصل الى غايته رغم سلامة واقعه الفكرى واعتقاده ففى ذلك الجو المغلق عليه الا من النظرية المطروحة يتقبل كل شئ بطواعية تلقائية وانفعال أعمى .
والنظريات على وجه العموم غالبا ما تكون عينية على أسس نظرية مجردة تحتمل الخطأ والصواب فهى حين تنجح فى التطبيق يعزوه اصحابها الى صحتها فى ذاتها وملاءمتها وهى حين تفشل يعزونه الى اسباب وتعليلات - وكما قلنا - ان النظريات التى ندعي انها تحمل فى طياتها نوعا من (( تقريب الطموح للانسان )) لا تطرح عبثا أو لمجرد الاستهواء والتسلية ولكنها أو بالاحرى أصحابها يتحسسون الواقع الذى تنطرح فيه أولا . . يتحسون من هذا الواقع آلامه وآماله ، سيئاته وحسناته ، وبالتالى نفسيات أهله وقابليتهم لنوع النظرية وهذا التحسس ومعرفته عامل هام فى نجاح النظرية فما يتقبله سكان الترويج وفنلندا وسكان أمريكا الشمالية مثلا غير ما يتقبله سكان الادغال فى أفريقية أو سكان أمريكا الجنوبية فلكل واقع اجتماعى نفسيات وظروف ولكل قوم نزعات تختلف فى عقلانيتها وسلوكها من هنا نعرف ان كثيرا من النظريات المفترضة لا تلائم ولا توائم سكان بلد من البلدان وما ذاك الا لان الواقع الاجتماعى فيه لا يتقبل مثل هذا الا بعد مرور فترة مرحلية تسمى (( التدرج )) وهنا يثور جدل بين فريقين .
أحدهما يعتقد ان فى مرحلة التدرج منافاة ومجافاة لواقع التطور الانسانى وان الاعتقاد بان الانسان غير قابل للتطور الا بعد مرحلة تهيئة وتحضير قول تناقضه معطيات الانسان متى ما أتيح له ان يعمل ويفعل وأن الذى يتعلم ويخطئ خير من الذى لا يتعلم خوفا من الخطأ لان ذلك سيؤول به حتما الى عدم المعرفة تماما .
أما الفريق الآخر فيعتقد أن طبيعة الاشياء ترفض القفز وان الانسان حين يريد تسلق
جبل يصعد اليه من السفح ليبلغ القمة ، وان الوليد لا يتعلم القراءة الا حين تكون عنده ملكة الالمام بالمعرفة .. هى حجج لكل منها دلالته وتأثيره . وفى نظرى ان الاخذ بكل قول على اطلاقه غير مقبول . فصحيح ان الانسان لا يصعد الجبل الا من السفح ليصل الى القمة لكن أليس من الصالح أن تكون خطاه طويلة حتى يستطيع الوصول بسرعة ؟. ان التدرج فى الصعود مطلوب بل هى طبيعة الاشياء ولكن حين تكون الخطا وئيدة يصعب الوصول الا بعد وقت عسير يستنزف المجهود وقد تفوت فرصة الوصول . . ان الانسان بطبيعته المألوفة فى الوقت الحاضر لا يستطيع ان يحلق بجناحين فى الفضاء ليقطع المسافات الطويلة فى ثوان معدودات ولكن ذلك لا يعنى ان يماشى السلحفاة .. مطلوب منه ان يمشى على الطريق بانتظام ولكن بقدر ما يمكن من السرعة والانفعال . .
وأخص بالاشارة ظاهرة الرفض ولماذا انتشرت فى العصر الحديث انها قديمة قدم الانسان نفسه ووجودها صعودا وهبوطا مرتبط بمنعطفات الزمن وتقلباته وتعليل انتشارها فى هذا العصر يعود فى اعتقادى الى ان هناك قلقا نفسيا يعيشه الانسان الحديث ، قلقا من واقعه ولو كان حسنا ، قلقا من كل شئ وفى كل مكان يقذف حمما لاهبة ولا مبالية لا يفكر الا بعد أن يعمل وقد لا تفكر مطلقا فيما عمل . . ذلك الانسان يريد أن يرفض كل شئ حتى ذاته وانسانيته معتقدا ان في الرفض نجاته وخلاصه وما كانت هذه الظاهرة لتبرز فى شكلها العارم واكتساحها المطلق لو لم يكن هناك قلق نفسى دفين واذا كانت هذه الظاهرة تعنى فى فلسفتها النظرية أن
يقفز الانسان الى واقع أحسن من واقعه فنعما هى . فاذا كان الرفض يعنى نبذ وسائل التعليم القديمة ووسائل التطبيب القديمة الى ما هو أفضل وأحدث فذاك مطلوب ومرغوب واذا كان الرفض يعنى اطراح ونبذ ايديولوجيات الفكرية التى تعزل الانسان عن واقع روحى متطور وقومية متميزة فذاك أعلى درجات الرغبة فى الرفض بل ان تلك المعطيات تتطلب من انسانها ان يرفض تبديلها بصلابة وعناد .
وبالاجمال فان هذه الظاهرة اذا كانت تعنى فى اطلاقها عزل الانسان عن مفاهيمه الخيرة وموروثاته المتطورة فهى معنى من معانى الانتكاس الحضارى وشرارة ستكون مقدمة لنار يصعب اطفاء لهيبها ، ويحترق الانسان بسببها فى النهاية . أما اذا كانت تعنى أن ينتقل الأنسان الى طور جيوى متطور قوامه الاخلاص للانسان نفسه واطاره العقلانية الواعية فذاله هدف من أهدافه وغاية يطمع فى الوصول إليها كل انسان عظيم . .
كلمات شتى : مسكين ذلك المجنون الذى يعيش فى متاهات خيالاته وأوهامه . . ومسكين هو حين يصهر تفكيره سائلا حارا ليحرق به نفسه وذاته يعيش منقبضا قابعا فى زاوية منفردة لا تبصره الاعين ولا يبصرها . . يعتزل الناس لانهم فى نظره بهاليل ومغفلون لا يفكرون مثل تفكيره ولا يعرفون مثل ما يعرف فهم فى نظره حمقاء . . أغبياء . . ساذجون ، لا يعرفون الحقيقة التى يعرفها ولا يبصرون بالعين التى يبصر بها ..
بنيانهم فى الحياة ردىء كنسيج العنكبوت، وكلامهم غير مفهوم يتخبطون فى كل شئ وتمر الايام وهو يرقبهم يأمل أن يتغيروا ويتركوا واقعهم التعيس الى واقعه الجميل كما يحلو له أن يعيش فيه ثم تسفر الحقيقة ويجد المجنون أن زاويته المنفردة وخيالاته هما رفيقاه فقط والناس هم الناس لم يتغيروا ولم يتحولوا إلى مجانين وفي النهاية يسقط المجنون صريعا وهو موقن أن الناس هم الذين صرعوه . . هى عقلية المجانين لهم نعيم يعيشون فيه غير نعيم الناس . . مجانين وبؤساء ومساكين .. ولكنهم على أى حال نفر يوجدون من كل زمان ومكان يبدأون وينتهون وهم لا يعرفون كيف انتهوا وكيف بدأوا .. انهم مجانين وتلك ارادة الخالق العظيم .
من قواعد التشريع : (( ولا تزر وازرة وزر اخرى )) هذه الآية الكريمة قاعدة من قواعد التشريع تؤكد انه لا يتحمل الوزر من لم يفعله وتدل بوضوح بأن لا يطال العفاب الا من استحقه بفعل ارتكبه وهى بالنالى نحارب العادة اللاانسابية التى كانت تشمل - بتشديد الميم وكسرها - العقوبة لكل من يمت الى الجانى بصلة . . وجاءت القوانين الحديثة تعلن فى قاعدة قوية بأن العقوبة شخصية لا تطال الا من أتى محظورا او امتنع عن أداء واجب . .
ان التشريع أساس لوجود الدول وأساس لتطورها وهو مقياس الرقى وعلامة الحضارة وعظمة التشريع تدل على عظمة المشرع . وفى هذه الآية ما يدل على عظمة المشرع العظيم .
( الطائف )

