وادن فقد تبدأ الرواية المأساة . فليهنأ النظارة هواة مصارعة العبيد ومهارشة الثيران . المشهد امتع ما يكون اثارة للاعصاب الترفة والاذواق الرفيعة . ان هو الا فصل واحد لحظات معدودات ويطوى عمل السنين والدهور. هؤلاء الصبيان يمرحون امامك ضاحكى الثغور ، أظرف من الفراش وابهج من الطيور كل الصبيان فى جميع اقطار الارض . أى شىء يتمنى لهم العاقل ويرجوه ؟! أليس الافضل ان يموتوا على بكرة ابيهم ، ان يلقوا حتفهم اليوم ، الساعة, بدلا من ان يمثل بهم ويشوهوا ويفجعوا فى وداعة طفولتهم ونضرة صباهم، واطفالنا بالمدارس وطلابنا " وجاحظنا " وتمجيده للكتاب وحثه على نشر العلم ونقاش التلاميذ حول هذا الرأى او ذاك في جو مفعم باللذة ، والنشاط ؟! لم ولمن يسعى هؤلاء جميعا ؟ لكأنه السخف والغفلة والسذاجة . علماء بيزنطة يتحاورون حول جنس الملائكة وجحافل الترك محدقة بالمدينة تستعد للفتك بملكهم والقضاء عليهم وان اشد العجز عجز القوى الجبار ، مهما فعل ، عن اتقاء الحرب ودفع البلاء وتلافى الضرر . ولهو من سخرية الاوضاع وشذوذ منطق الاحوال ان تتكافأ القوي المتفاوتة ويستوى أذن كل من الضعيف والقوى الاقوى.
أية قوة ، أى عقل وأية حكمة تستطيع أن تغني في مثل هذه الحال . انه العجز امره وافظعه وابشعه ان تجد نفسك والبشر جميعا أمام واقع كالقضاء حتميه وجبرا وقهرا ، وأن تقع فى الحيرة الضنك فلا تدرى ما تصنع ولا ماذا تفكر وماذا تحس ؟ حتى الاحساس يفلت زمامه منك ! أتنقلب شاعرا ترثى الارض ومن عليها ؟ أتصرخ ؟ أم تحتج ؟ أو تنصح وتحذر؟ أم تلتمس لنفسك نفقا فى الارض أو معتزلا فى الصحراء ؟ ام تعرض عن كل ذلك وتنغمس فى نعيمك المألوف وطربك وسماعك وتقبل على حياتك متذوقا اياها خمرة نواسية مزة ، غيبوبة رائعة ممزوجة باصداء من انآشيد شاعرك الخيام ؟ !
لقد أسقط فى يدك وتعددت السبل أمامك فاجمع وفرق ، وأقبل وأدبر كل ذلك سواء . ومن أعجب الأمور أننا ندعى اليوم هكذا ، فجأة ، للنظر من جديد في قيم وأحكام ومفاهيم صاغتها جهود آلاف السنين ونضطر بين عشية وضحاها الى تصحيح عقولنا وتعديل آرائنا ، أستغفر الله ! بل هو غسل لعقولنا وتنظيف لها من سموم الاوهام وجراثيم الغباء والبلادة أنقول ان الانسان طفل كبير لا أكثر . قوى أداة وازداد شوكة وعدة ولكنه فى مثل نزق الطفل تصرفا ! يبنى ويهدم ويجد فى الهدم نظير بل أضعاف ما يجد من لذة فى البناء !؟
أيصح اعتباره كائنا غير مسؤول كما هو الطفل سواء بسواء ؟ أنقول انه معتوه سفيه لا يسأل عما يفعل ولا يؤخذ بما اقترف والذنب ليس ذنبه ، انه ذنب هؤلاء الذين عظموه ومجدوه ومنحوه بغرورهم وغبائهم ما ليس له من صفات المثالة والنبل والمروءة ! ؟ ونتجني مع ذلك على ابليس ونظلمه ظلما . هاهو الانسان ليس كمثله مارد ولا كمثله عملاق مدمرا للحياة ومكدرا للنور وباعثا للخراب انه استطاع - يا للنصر المبين ! - ان يتحدى الرب ويفسد ما خلقه الله . . أن يعقم الارض وأرحام النساء ويكشط الجلود ، أن يعمى ويصم ، أن يفصم وحدة الكون . . . عبقرية الهدم ليس لها من حدود!!
ولكن ستنتصر الحياة ! لانه ينبغى أن تنتصر الحياة لان هذه المعركة معركة الحق والباطل وما كان الحق - ولو هزم - لينحنى ويسفل!! وانه لمن الحياة أن تموت من اجل الحياة ولأن تمحى من الوجود خير من البقاء طعمة مسخرة للوحوش ولأن الوجود ، قبل كل شئ ، معنى وهدف وغاية لا مجرد حظ من العيش والمتعة لا مجرد حضور وشهود على وجه الارض ! ولأن الانسان الحق لا يعرف ، فى مثل هذه الحال ، الا احد امرين : لا شئ أو كل شئ!!
