الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

حرب الجزائر :، مرحلة هامة لتحقيق حرية البشر

Share

إنه لا يسعنا إلا أن نعترف - ونحن أمام هذه العواصف السياسية والتيارات الفكرية - بأن الحرية يعبث بها من حين إلى حين فى أنحاء الدنيا جميعا و بإن الحق يعلوه الباطل في الشرق والغرب وبأن العدل قد يلتجيء إلى الاحتجاب حتى في أبعد البلدان تقدما وأمتنها ديمقراطية . وفي هذا الحين نفسه إذ تعلم كل دولة أن فيما تأتى من أمر قد يكون الباطل وقد يكون الحق ، قد يكون العدل وقد يكون الجور ، قد تكون المساواة وقد تكون العنصرية منتصبة ، في هذا الحين نفسه تهتم أكثر البلدان اهتماما يكاد يكون محرجا ملحاحا بحرب الجزائر وثورتها . فكأن كل بلاد تجذب هذه الثورة إليها وتود لو تجعل منها وسيلة خفية لغاية بعيدة أو رمزا من الرموز الساحرة الفتانة . إني لست من رجال السياسة وإن عزمي ليس أن أتحدث عن المرامي السياسة ولا أن أعلق على المواقف المختلفة من حرب الجزائر إنما همي - وقد دخلت حرب الجزائر في مرحلتها الحاسمة - أن أضعها موضعها من تطور الحياة البشرية والحقوق الإنسانية وأن أظهر هل ينبغي لها أن تقوم بحذاء أكبر انتصارات البشرية من يوم أن ثار العبيد على أسيادهم إلى نزول الديانات السماوية بالحق والإصلاح إلى الثورة الفرنسية إلى استقلال أمريكا إلى الثورة الماركسية بروسيا والصين لم تزل البشرية منذ ذلك اليوم الذى وقف فيه رجل في وجه رجل مثله يهينه لم تزل البشرية منذ ذلك اليوم تتخبط فى وضعها ، تطفو وترسب ، تتقدم وتتأخر ، تنتصر فيها الإنسانية أو تطغى الحيوانية فيها طغيانا مبينا .

وهذه حرب الجزائر بين أيدينا إنما نراها حربا بين منطقين مختلفين وفكرين متباينين وعهدين متفاوتين كل ذلك بقطع النظر عن الأسباب الاقتصادية والتشعبات السياسية . فهي حرب بين المحقور المنبوذ المظلوم وبين المستبد الساهي المغتر بقوته . والمحقور المنبوذ المظلوم قد يكون فى عين التاريخ جزائريا وقد يكون تونسيا أو هنديا أو صينيا أو زنجيا فالمنزلة واحدة هى منزلة قسم من البشر كتب عليهم أهل أروبا أن يكونوا لهم عبيدا . والظاهرة واحدة هي ظاهرة الاستعمار وظاهرة الاستعمار ظاهرة تاريخية علمية مثل ظاهرة الرق أو الاقطاعية أو الرأسمالية أو الاشتراكية وهي لم تمح من العالم ولا اضمحلت بمجرد استقلال بعض البلدان كما أن الاقطاعية لم تنقطع من العالم بانتصاب الراسمالية ولا بانتصار الاشتراكية ، وكما أن الرق مازال

مزدهرا فى بعض بلاد الله والله يعلم أن الإنسانية جمعاء قد ألغته ونفته , وكما أن العنصرية مازالت حية ترزق والتفرقة بين البيض والسود مازالت محترمة معززة .

ولقد مرت الجزائر منذ الاحتلال الفرنسي وفى اتصالها مع فرنسا بمراحل شتى أهمها ثلاث : مرحلة السكوت والجهل ثم مرحلة الحوار ثم مرحلة الثورة .

ولقد مرت الجزائر منذ الاحتلال الفرنسى وفى اتصالها مع فرنسا بمراحل الغالب والمغلوب فاستقر الحق حق الأقوى والأنشط وساد النظام نظام الأسياد لا يهتمون بمواليهم والرعاة لا يعبؤون بانعامهم فنبذ كل فريق الفريق الآخر وراء ظهره وجعلا يتحادثان كطائرين بينهما زجاج نافذة . فلم يجعل الغالب مغلوبه بمنزلة العدو ووضعه أسفل من ذلك ولم يفكر المغلوب إلا نادرا في المدافعة عن حقوقه . وكان الفرنسي يأخذ ويغتصب كل ما لم يكن الجزائرى يهتم به أو يحرسه بصفة جدية .

ويمر الزمان فيتطور الوضع ويستقر نوع من " ميكانيكية " الانتصاب فنرى بعد الصورة الأولى : صورة الجزائري المنكمش والفرنسى يبنى ويشيد صورة ثانية : صورة الفرنسى اللطيف يقود أخاه الجزائري المتخلف فى طريق التمدن والازدهار ولكن يجب ان نرجع البصر كرتين أو ثلاثا حتى نرى ما في يدي الجزائري ورجليه من قيود ، ويستقر فى هذه المرحلة كل ما يصنعه الفرنسى رمزا للتقدم والاصلاح ويصبح هو عين الحق . فيكون من جهة كل ما تستطيع ان تتصوره من أليم الاحتقار وقبيح الظلم وواسع الاغتصاب ويكون من جهة اخرى تنظيم الادارة والمؤسسات ونشر المبادىء الديمقراطية وبناء المدارس والمستشفيات . هذه شنشنة نعرفها من قديم ظاهرها العدل والمساواة وباطنها الجور والتفرقة . كلمة حق اريد بها باطل ، مثل عليا ومبادئ سامية واطارات تكاد تكون ديمقراطية ثم الى جانب كل ذلك ( او وراء كل ذلك ) قتل ونزع وسلب وتحطيم وسفك للدماء . ويستقر الامر للادارة الفرنسية بالجزائر ويتم فتجد نفسها وحدها في هذه البلاد الواسعة فتفعل ماتشاء وتقارن انجازاتها بما كان - أو لم يكن - قبلها فتعجب بنفسها وترتاح الى امرها وتؤمن صادق الايمان بان كل ما تفعله انما هو في صالح الشعب الجزائرى المسكين . وهكذا اصبح رائد هذه المرحلة تغطية الاحتلال والظلم والانتزاع بالبناء والمؤسسات والنشاط والانجازات فقتل الفرنسى باسم التمدن وسرق وسلب كما قتل اخوه الاسباني وسرق وسلب في امريكا باسم المسيح عليه السلام .

وعن هذا الظاهر المزيف والباطن الحقيقى نشأ تباين بين المنطق الجزائرى والمنطق الفرنسي فنظر الرجل الى ما انجزه معتقدا انه الحق من ربه وانه الخير كل الخير ونظر الآخر الى حاله فاذا هو حطام واطمار . ويتعجب الفرنسى ويقول : الم نغدق عليكم الخيرات الم نخرجكم من الضعف والجهل والفقر

والمرض الى ضوء الحياة والمدنية ؟ وفى كل ذلك يفضل الجزائرى حريته مع الفقر على الرقى فى العبودية .

ويستمر الحوار فينشأ للجزائرى عن ذلك وعى بشخصيته وذاتيته ويعلم انه هو كما يريد ان يكون لا كما يشرط عليه الفرنسى ان يكون . فيدافع عن نفسه ويناقش ويجادل فيحدث الفرنسي عندئذ سلاحا هائلا جديدا يستخرجه من علم النفس واذا نظرية تبرز ملتجئة الى التفرقة بين طبيعة الاروبي وطبيعة الجزائرى بين مزاج المسلم ومزاج غير المسلم . إن علماء الطب وعلماء النفس مجمعون كلهم انه لافرق بين الجزائرى وبين الفرنسى لامن ناحية التركيب ولا من ناحية الانفعال ولكن فرنسا تحدث فى مدارسها وكلياتها وادبها وصحافتها ، فى الاوساط الفنية والسياسية والاقتصادية وفي الرأي العام الاروبى ( واكاد اقول العالمى ) تحدث فرنسا نظرية تفسر كل شئ والبقية بعلم النفس ، فتقول : " الم تر كيف ينفعلون وكيف يتحدثون وكيف يعيشون ؟ انهم ليسوا مثلنا " وتقد للجزائرى مركب نقص يلتصق به التصاقا : فهو ليس كسائر البشر وانه لا يحسن احد سياسته وترويضه سوى الفرنسي ، فدعوه له وثقوا بمدنية الفرنسى وارتاحوا ، انه صاحب ثورة 1789 ! واني لا استحي ان اضرب مثلا على سبيل التقريب والمبالغة ؛ فلئن تحدث صديقان فرنسي وجزائرى واتفقا - ولو على الضلال - لارتاح الفرنسى لذلك وعد صاحبه في زمرة العقلاء المتمدنين الذين يعرفون الحياة . وان لم يتفقا - ولو كان الحق بجانب الجزائرى - علم الفرنسى انه لم يبق له حجة يحتج بها ولابرهان يستدل به وقال : الله يشهد ( واروبا تشهد ) ان صاحبي كذوب منافق جاحد لا يشكر النعمة ولا يرى بالمعروف ، فهو متاخر لا امل في انقاذه ولافائدة في محاولة تعليمه واخراجه من ظلمات افريقيا الى نور اروبا . ويلتفت الفرنسي الى الملا مستفهما فاذا الملا يعززه واذا القوم يرون رايه واذا العلماء ( وخصوصا ما بين 1830 و 1930 ) يستخرجون من بطون التاريخ ومتون اللغة واحشاء علم النفس وخزائن علم الاقتصاد من الدراسات ما يغطي كل خلل في الجزائر وفساد ويرضى جميع العقول المصبوبة في قالب ديكارطي ولا يجد الجزائرى امام هذا الاجماع الرهيب بدا من ان يقر بنقصه الابدى وان يقتنع بانه متأخر بالطبع وان يشكر الله والفرنسى على ما اوتى من خير .

عاشت فرنسا الرسمية وفرنسا الفكرية والراى العام على ذلك اكثر من مائة سنة مطمئنة البال مرتاحة الضمير فان سئل احدهم عن الجزائرى علم انه شخص غريب منحرف الشكل منحرف المزاج ، ميالا الى الكذب والروغان , لايرهب الا النظام والسلاح ، قد يلتجئ الى السرقة ، لا تنفعه التربية ولا يؤثر فيه التمدن وهو عجيب الانفعالات سريع الغضب كثير التشكى والمطالب لا يرضية شىء محتال كسول ليس من المعقول ولا المقبول ان يرتقي احسنهم الى درجة اقل فرنسى او ايطالى او اسبانى .

وعاشت اروبا وامريكا على هذه النظرية اكثر من مائة سنة فى راحة ضمير ورضى ليس كمثله رضى عن فرنسا وعن سياستها فى الجزائر واقيم دون الجزائر سور من حديد شرافاته الازدراء والاحتقار واسدل ستار من سكوت .

وبينما الامم فى راحتها تنعم وفرنسا فى غفلتها تعوم اذا بالثورة الجزائرية تندلع وتصرخ : ان كذب القوم وانهم جهلوا اوتجاهلوا حقيقة الشعب الجزائرى وبهت الناس لانهم ما كانوا يؤمنون بالتقاء ممكن بين غضب الشباب الجزائرى وبين سخط المفكرين والمثقفين منهم . ولقد احتار اول الامر التقدميون الفرنسيون انفسهم وسئموا ثورة هذه البلاد التى كان ينبغى لها ان تبقى دائما ساكنة متأدبة . فالثورة فى حد ذاتها انتصار كبير : انتصار باندلاعها وبتكذيبها لجميع ماشيده قادة فرنسا وعلماؤها ومفكروها . فالرجل البرئ يستطيع اذا كان شهما ان يصرخ في وجه حكامه الاقوياء : " كلا انكم كاذبون ! " وان لا يعبأ بمهزلة محاكمته واقناعه بماليس فيه . فهو كالذى يصرخ على ضعفه من اعماق السجن الى آذان القضاة فى ازيائهم الرهيبة المحترمة وفي وقارهم وهيبتهم : " كلا ان كل ما تلفقون وتشيدون انما هو افتراء وبهتان !" فالضعيف اقوى من القوى قوة اذا كان يعتمد الحق . والمتهم ابرأ من قضاته براءة اذا كانوا يعتمدون الباطل والرياء . وصرخة المغلوب الذي لا ينحني للسياط ولا يرضى بالظلم مرحلة في سبيل اظهار الحق - مهما ضعف صداها

ولصرخة الجزائر اهمية كبرى تتعدى حدود الجزائر وثورتها مدى ابعد من الاهداف الوطنية . وانى لا احسبها ثورة لاخراج الاجنبى من ارض الوطن فقط وللتحرر من الفرنسي الذى يستغل البلاد ظلما وعدوانا فقط بل هي ايضا ثورة على الظلم والكذب ، على العنصرية والتفرقة ، على النفاق والمخادعة , على كل نظرية علمية تريد ان تجعل من الامم طبقات دائمة التباين اساسها اختلاف في الذكاء والمؤهلات . وهي ايضا ثورة على زعمهم تفسير كل شى بالاساليب النفسانية والتحليلات البسيكولوجية ومركب النقص .

فلئن كانت الثورة الفرنسية ( 1789 ) ثورة الشعب على الملوك والاقطاعيين الذين كانوا يستغلونه ولئن قررت هذه الثورة حقوق الانسان والمواطن فهى لم تنف الاستغلال من العالم ولا طبقت مبادئها فى كل رقعة من الارض وطئتها اقدام الفرنسيس ، ولقد كان رجال الثورة انفسهم اول من عبث بحقوق الانسان والمواطن وكثيرا ما كان هذا المبدأ صحيحا فى فرنسا باطلا خارج الحدود .

ولئن كانت الثورة الماركسية ثورة العامل على صاحب راس فلقد بقيت - على ما لها من بعيد الاثر فى كل بلاد - فى حدود الاتحاد السوفياتى ولم تستطع ان تسهر على احترام الحريات البشرية لافى سياستها الداخلية دائما ولا في سياستها الخارجية دائما حتى انا رايناها تعين دولا قد اضطهدت

الشيوعية اضطهادا فظيعا ، ذلك ان الاعتبارات السياسية والديبلوماسية ثم واقع كل بلاد منعت الثورة البورجوازية ومنعت الثورة الماركسية من ان تكون جامعتين صالحتين لكل مكان ولكل زمان وجعلت منهما مراحل فى سبيل الحرية البشرية مثل استقلال الولايات المتحدة والغاء الرق والاصلاحات الدينية .

ولذا وجب ثورة ثالثة . ان الحريات التى اكتسبها الشعب الفرنسى والاصلاحات التى انجزها الشعب الروسى انما هى حرياتهم واصلاحاتهم اكتسبوها بكفاحهم وصبرهم فبقى لنا ان نكتسب حرياتنا واصلاحاتنا بكفاحنا وصبرنا . نعم ان تقدمهم فى طريق الحرية يعيننا على الصبر والكفاح وان انتصاراتهم فى الميدان الاجتماعي توسع لنا الآفاق وتوضح لنا المطالب وتعزز موقفنا ولكنها لا تعطينا ما نطلب ولا تلبى رغبتنا .

فكانه بقى بعد الثورة البورجوازية التى يمثلها الراسماليون الديمقراطيون الآن وبعد الثورة العمالية التى يمثلها الاشتراكيون الشرقيون اليوم فكانه بقى لنا ان نثور ثورتنا . كانه بقى للمهضومين على كل حال ، للمغلوبين بعد كل حرب ، للمضطهدين فى اى نظام ، لهذه البشرية الوسطى ، ذات المنزلة بين المنزلتين ، للمستعمرين بالفتح ، للعرب ، للزنج ، للمتخلفين للمستضعفين فى آسيا وافريقيا وامريكا ، كانه بقى لهم ان يثوروا ثورتهم بدورهم .

ولعل هذه الثورة - ثورة المتأخرين - تتجسم في ثورة الجزائر ، اقول " لعل " كما نقول " لعل الله يرحمنا " املا يشبه اليقين وترجيا يشبه الدعاء لان معنى هذه الثورة لا يتم باستقلال الجزائر فقط وانتمائها الى احدى الكتلتين ( فيكون انضمام فردى والتحاق فردى فى دون ابتكار ) بل بانتصار الحريات وانتصار العدل . فكم من دولة مستقلة هى متأخرة فى طريق العدل والفكر والانسانية والرفاهية ، والجزائر غير مستقلة مغلوبة على امرها ولكنها تجد نفسها من خلال ثورتها - فى مقدمة الشعوب المتعطشة الى الحرية المتعطشة الى المساواة المتعطشة الى العدل ما امكن العدل . فينبغي ان يكون انتصار الجزائر لافي استقلالها فقط ( فهذا شرط واجب غير كاف ) بل في انتصار المبادىء الانسانية وانتشارها . انه لا يوجد الآن على وجه الارض - والظلم يبرز كالنجم الثاقب في هذه التربة او تلك - الا بلد واحد يستشهد الناس فيه كل يوم لافهام الناس ، ويموت الشباب فيه كل يوم لاقناع شباب العالم بان الحرية والعدل والشهامة والانسانية اعز شىء وانها لازمة قبل الخبز انه ما بقى على وجه الارض رجل يؤلمه الظلم ولو حالت بينك وبينه البحار

فالظلم يهددك وانه ما بقى على وجه الارض رجل يستغل رجلا آخر فهو يستغله باسمك وبحمايتك .

ولكن ستار السكوت قد انشق الآن وقد اندلعت حرب الجزائر منذ ست سنين وقد تجاسر المفكرون بفرنسا فخاطبوا الراى العام جهارا منذ بضعة اشهر فكان التقاء بين مثقفى الجزائر وشبابها الغضوب اندلعت بعده الثورة ثم كان التقاء بين قادة الجزائر ومفكرى فرنسا نأمل ان تنتصر بعده الثورة . وموقف رجال الفكر بفرنسا لاعظم حدث منذ زمان بعيد يتصل بالعراك الدائم بين الملك والفيلسوف ، بين رجل الحكم ورجل الحكمة ، بين دبشليم وبيدبا ويحمل الحكومة الفرنسية ان تعمل ما من الله عليها به من عقل لاصلاح امرها لا باجتهاد فى الاضطهاد ومهارة فى القمع والقهر بل بان تجد حلا ايجابيا لمشكلها . لقد نام الشعب الفرنسى اغفاءة رجع فيها الى سذاجة القرون الوسطى فاتكل على القوى الوهمية وظن انه يكفى الكهنة سجعهم والسحرة رقيتهم والخطباء عصاهم وفصاحتهم ليطفئوا نار الجزائر ثم افاق الشعب من اغفاءته ، ايقظه رجال الفكر منه فكان مهرجان الفكر الصادق تجاه بهلوانيات لم يعد يلتفت اليها احد وجعجعة ماهرة لاينصت اليها احد . وكان لرجال الفكر بفرنسا شجاعة لا مثيل لها نرى اطوارها يوميا فى الصحف فراينا الكتاب والشعراء والفنانين والممثلين يقفون المواقف وراينا الموظفين وان عزلوا لا يقوسون الظهر ويجادلون ويقولون للحكومة : اخطأت ان اخطأت واصبت ان اصابت ويرون ان تلك هى الخدمة الحق وان فى ذلك خدمة للحق .

فمهما عبنا فرنسا الرسمية بمواقفها الاستعمارية الظالمة وجب علينا ان نعجب بمواقف المفكرين فيها وبشجاعتهم وخصوصا ان مثل هذه المواقف قليل نادر فى تاريخ الشعوب الاخرى .

وموقفنا - نحن المنتمين الى الفكر بتونس - بالاضافة الى القضية الجزائرية ليس موقفا عاطفيا ( اخواننا الجزائريون ! الجزائر الشقيقة الخ .. ) ولاسياسيا فقط ( مشاكل اقتصادية وعسكرية ، لاجئون الخ . ) بل هو اكثر من هذا وذاك موقف فكرى فلسفى نرى فيه مدافعة عن الحريات الفردية والحقوق البشرية واقترب من المثل العليا التى تدعو الى المساواة والعدالة .

وهكذا يتضح لنا عندما ننظر الى الثورة الجزائرية من الناحية الفكرية الاخلاقية فحسب - انه لم يكن عسيرا على رجال الفكر بفرنسا ان يشاركوا فى انتصاب الاستعمار واستقرار التفاوت بين الناس ظنا منهم ان التعاون ممكن مع الاستبداد ، وانه لم يكن عجيبا ان يقف رجال الفكر الآن موقف الشجاعة والحق

يقينا منهم ان اعداء الشعب الجزائرى انما هم اعداؤهم واعداء الانسانية .

وهكذا يتضح للانسانية الوسطى ذات المنزلة بين المنزلتين ، هذه الانسانية الحائرة فى امرها المهددة فى عيشها المسيرة فى حلها وعقدها - ان كل ما سبق من الثورات لازم ولكنه غير كاف وانه ينبغى لها ان تفرض نفسها وتسمع صوتها ما امكنها ذلك وما تركها الآخرون .

ان المراحل المتتابعة التى قطعها الشعب الجزائرى المكافح هى بعينها المراحل المتتابعة التى قطعتها البشرية فى طلبها للعدالة والحرية والمساواة . فحرب الجزائر هى حرب كل مغلوب على امره وحرب كل آدمى متعطش للسلم , لا للسلم فى حد ذاتها بل للسلم مع العدالة والحرية والمساواة والرفاهية . ثم ان الكفاح سيدوم بعد حرب الجزائر ويستمر مادام على وجه الارض رجل يستغل رجلا آخر او يضطهده او يظلمه مهما كان الداعى ومهما كانت الاسباب عليا او سفلى ، سياسية او اقتصادية او عنصرية او اجتماعية .

اشترك في نشرتنا البريدية