ثالثا : فاذا استوى لنا فيما نستقبل من بدايات هذا القرن هذا اللون من التفكير ، وهذا الضرب من السلوك واذا استطعنا فى عمل فكري دائب وفي سلوك عمل نقى يضع المثل الاعلى نصب عينيه لا يفكر فى ذات أو شخص أو اسرة ، ولا تشده مصالح زائلة ومنافع موقوتة ومظاهر خادعة اذ استوى لنا ذلك فاستبعدنا مثل هذه التناقضات الداخلية في المجتمعات العربية الاسلامية واستطعنا ازاحتها ونفيها ، وجدنا أنفسنا في حاجة الى ان نأخذ وجودنا السياسي ومجتمعاتنا وادراتنا بجملة من القيم التي تمثل خلاصة ما انتهت اليه البشرية في تجاربها كلها على مدى العصور وعلى اختلاف المواقع ، كما تمثل خلاصة ما في تجاربنا الاصلاحية مما اجتمع عليه مفرونا وروادنا .
وفى رأس هذه القيم التى نجد الحاجة الى تبيتها فى طلاقة وصراحة وتواد قيمتان كبيرتان :
القيمة الاولى هي : قيمة الشورى. والقيمة الثانية هي : قيمة العلم .
فاما قيمة الشورى فهى القيمة التي تخالط انظمة الحكم والادارة كلها ، وهي التي تتخذ على ألسنة الفلاسفة والمصلحين وفى مفاهيم الجماعات وفي حلقات تطور الانسانية بالناس الفاظا مختلفة .. واذا نحن اخذنا بلغة العصر الحاضر قلنا : إنها الديمقراطية .. ولكننا نؤثر التعبير التراثي في هذا ...
وليس لهذه الشورى شكل واحد ثابت لا يقبل التغيير ، ولكن لها مفهوما ثانيا لا يقبل جوهره التغيير ولقد كان من روائع القرآن الكريم فى ذلك انه
حين أقر المبدأ وأمرهم شورى بينهم - وشاورهم في الامر لم يتناول من قريب أو بعيد الشكل .. ترك هذا الشكل حرا تكيفا مع الظروف والبيئات والتطور. الانساني ، حتى يكون له في كل جماعة الشكل الذى يثمر عندها ، لان مثل هذه التطبيقات الاجتماعية للمبادىء الكبرى لابد لها من ان تتلون بالالوان المحلية وان تصطبغ بها.
ان الشورى ليست قيمة من قيم السياسة او الحكم وان كانت تداخلهما اتم المداخلة ولكنها في جوهرها قيمة انسانية غالية وحضورها استدعاء طبيعي لقيم اخرى هي الاساس في حياة الشعوب والجماعات بل وفى نظام الكون كالعدل والمساواة والحرية انها هي التي تجعل العدالة دافعا وتجعل المساواة مقبولة وتجعل الحرية عاقلة .. وعن طريق الشورى تتحقق ذات الفرد وتتفتح حياته ويكون من اليسير السهل ان يسمو بها ويهذب انانيته وغرائز ونزعات التسلط أو التحكم أو تملك العابث الشائن التي تساوره.
والشورى لا تحقق ذاتية الفرد فحسب ولكنها كذلك تحقق ذاتية الجماعة حين تساعدها على ان تستشعر وجودها الفاعل وتحس كيانها الاصيل الذي يشارك صياغة المجتمع وتكوينه .. والذى يجعل من هذا المجتمع مجال حوار فيما بين الافراد بعضهم بعضا وفيما بين الجماعات .
ان للشورى سحرها العجيب وعملها الجدلى..... فهي تثبت وتمحو في آن واحد تثبت الجانب الانساني من حياة الانسان ، وتمحو الجانب الوحشي تحقق له ذاته وتتيح فرصة تحقيق الذات للآخرين ، وتقلب هذه الخصومات الابدية الى تعاون ابدى .. تلك هي جدلية الشورى التى لم يكن منها بد في المجتمعات الراقية كلها والتي ليست منها بد في كل المجتمعات الانسانية التي تريد ان تكون .
وحين نعرض صفحات من حركات الاصلاح والنهضة التي كانت في الوطن العربي والعالم الاسلامى يستبين لنا امر يشبه ان يكون له اطراد القانون .. ذلك ان الانسان العربي والمسلم كان يحس بحاجته الى التخلص من حالات
الانحطاط التي آل اليها وكان يرفض هذا الواقع ويتطلع الى تغييره .. وبذلك ينهض أمراء ووزراء وسلاطين وحكام ولكنهم كانوا يغفلون عن هذه الحقيقة الكبرى حقيقة الشورى فى الحكم ينسون انها هى روح الاصلاح وروح النهضة وعلى كثرة ما كان من حركات الاصلاح فان هذه الحركات لم تفشل الا حين غابت الشورى عن اصحابها .. كانت مصر تتخذ طريقها الى الشورى ولكن زين للخديوى اسماعيل ان مجلس الشورى قد يحد من سلطته فلم يشجع اعضاءه على ممارسة حقوقهم
وكانت الدولة العثمانية في طريقها الى الشورى والدستور ولكن خوف السلطان عبد الحميد والسلطان عبد العزيز قبله من هذه الشورى اصاب النهضة في الصميم
لعل ابرز الزعماء المفكرين دفاعا عن الشورى وتثبيتا لها في اذهان الناس وفي حياة الجماعات هو جمال الدين الافغاني .. كان للخصومات التي واجهها هذا المفكر الكبير انه لم يستطع ان يحمل الذين كانت بيدهم الامور على هذه الشورى وان يدفعهم اليها .. حاول ذلك في مصر خلال السنوات الثماني التي قضاها فيها ، حاول ذلك قبل في الافغان ، وحاول ذلك بعد في تركيا .. وكلما اقترب سلطان او خديوى من الاقتناع بالشورى رده عنها جاهل او متآمر دخيل او مواطن .. ولذلك انتكست هذه الحركات فلم يكن لها على الامل الكبير الذي كان معلقا بها من ثمرة .
ولم يحارب احد من دعاة النهضة والاصلاح كما حورب الذين دعوا الى الشورى وأصروا على دعوتهم .. وتنهض سيره الافغاني مثلا حيا فقد انتهى به الامر الى الموت كما تنهض سيرة خير الدين باشا التونسي في تونس فقد انتهى غريبا أو كالغريب رغم جسامة الخدمات التي أداها الى وطنه لانه كان حريصا على هذه الشورى ، اخذا بها وتطبيقا عريضا لها .
واما قيمة العلم فهى القيمة الخالدة التي خالطت الحضارات السابقة والتي تمازج حضارة اليوم . منها تتحرك الحضارة واليها تتوجه وبها تنقاد وفي سبيلها تعمل وعلى هدى منها تمضى .. ما كان هناك فى حياة الجماعات الانسانية دعوة خيرة الا كانت مقترنة بالعلم ، ولا تذكر الجماعات والافراد والشعوب الا بما تكون قد مارست من علم او قدمت في ميادينه .
وليس العلم شرطا من شروط النهضات بل هو النهضة نفسها .. واذا كانت الشورى في شطر الحياة الانسانية الاجتماعية فان العلم هو شطرها الثاني ...
ولم يكن في دعوة من الدعوات على مدى التاريخ مثل الذي كان في دعوتنا العربية الاسلامية من حض على العلم وترغيب فيه وتوجيه اليه .. فقد اقترن .. العلم والعمل عل نحو مثير و تلازمت كلمتان في حياة الشعوب وما فيها العلم والعمل على نحو مثير تجاورتا على نحو ما تلازمتا وتجاورتا فى الحضارة العربية الاسلامية ولقد استخدمت فيها الكلمة وكل الكلمات التي تتناغم معها وتلتقى بها من مثل النظر والبصر والتفكير والتدبر والبرهان والدليل والعقل واللب والبصيرة .. واستعملت للتوجيه ذلك كل ادوات التخفيض اللغوية حتى كان و طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة »
وبحق وبعمق كانت ملاحظة السيد جمال الدين الافغاني في رده على رينان وكان القي محاضرة في السوربون نفى فيها قدرة المسلمين على العلم فكان من رده جمال الدين ان الاسلام ) اوجب تعليم سائر الامة وتنوير عقولها بالمعارف والعلوم ، وفرض تنصيب المعلم ليؤدى عمل التعليم واقامة المؤدب الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر فقال : « ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وقال « فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون .. »
واذا كانت المجتمعات الاسلامية والشعوب العربية شهدت حملة من رجال الاصلاح ودعاه النهضة منهم من استبدت به الدعوة الى الاصلاحات السياسية ومنهم من استبدت به الدعوة الى الاصلاحات العلمية ، فان أول الذي تحقق من خير في ذلك انما كان عن طريق العلم والدعوة اليه واشاعة ذلك لان العلم يستدعى على نحو طبيعي الاصلاحات الاخرى ويساعد عليها والمجتمع الغربي لا يخجل من شيء ولا يرعوى عن شيء كما يرعوى عن مواجهة الشعوب المتعلمة وقد فرضت اليابان وجودها عن طريق اكتسابها للمعرفة وتحصيلها للعلوم .. على حين فقدت شعوب أخرى واعداؤها اضعاف اعداء اليابان ، ذلك لانها لم تستطع ان تحقق هذا التطور العلمى وان تمكن نفسها من الكفاءة العلمية واليوم وكذلك في الامس يمسك العلم بقيادة كل شيء ويتحكم في كل شيء واليه والى مسلماته وقدراته ترجع كثرة من الاشياء وتتحدد جهة من المواقف ولعل الدعاة
الى نشر العلم فى المجتمعات الاسلامية والعربية كانوا أحد نظرا من اخوانهم الدعاة الى الاصلاح السياسي وان كان الدعاة الى الاصلاح السياسي اشد جرأة واحمى انفا واحد طبعا واجهر صوتا واقدر على اكتساب الجماهير واثارتها .
لقد كان من ابرز الدعاة للاستباق الى العلم والتزود به واعتباره سبيل النهضة مصلحان كبيران احدهما في الشرق الاسلامى هو احمد خان « الهند ، والآخر في الغرب الاسلامي هو محمد عبده « مصر » وكان لهما منطقهما وحججهما في مجابهة السياسة والاستعاذة منها وكان من المتوقع ان تقود دعوتهما دعوة من جاراهما في ذلك وتابعهما - مثل السيد أمير على فى الهند وعلى باشا مبارك في مصر الى أطيب النتائج وان يمضى التعليم الى أبعد غاياته.. ولكن الذي حدث لم يكن في مستوى الجهود المبذولة ولا في مستوى الامال المعقودة .. فما الذي اخر بهذه الدعوة في البلاد الاسلامية اذا قيس الامر بما استطاعت اليابان ان تحققه في نهضتها العلمية.
العقبات في هذه المرة لم تكن من غموض الهدف لانه هدف واضح بين ولم تكن من الاختلاف حوله فلم يكن هنالك من يخالف فيه .. ولكنه كان من هذه القوى الاجنبية التي كانت تحيط بالاسلام والمسلمين والتي كانت تترصد حياتهم وتتابع خطاهم ، تريد ان تفسد عليهم هذه الخطى
كانت في العوائق التي وضعها أمثال قلوب وكرومر في سياسة التعليم في مصر ، وكانت في سياسة التجهيل التي فرضت في شمال افريقية . وكانت في الفتن التي اثيرت فى الهنديين المسلمين والهندوس . لأن المسلمين في الهند كانت لهم قضية هي قضية سياسية ، الى جانب قضية التعليم ، عبر عنها واحد من اكبر زعماء النهضة الذين التزموا جانب التعليم ، دون الجانب السياسي ، ولكنه اضطر آخر الامر الى ان يتجاوز نحو القضية السياسية وان يقول في احدى خطبه وأكد ذلك أن المسلمين في الهند لهم حقوق سياسية واضحة أمام الحكومة وأمام الهندوس فما لم تجب هذه المطالب اخشى ان تنقلب مطالبهم الى عصبية حادة ان مطالبهم حق ، وهم لا يطلبون غير ما فيه العدالة ، انهم يطالبون بتمثيلهم السياسى تمثيلا يتفق وعددهم واهميتهم وتاريخهم تمثيلا عادلا ، ان المسلمين يأبون ان يمتاز عليهم الهندوس في أى حق من الحقوق السياسية ، فاذا سوى بين الجميع فالمسلمون يرحبون بالاصلاح ...
وهكذا تضاعفت العقبات بأوجه الداعين الى النهضة العلمية .. غلبت عليهم قضايا الاصلاح السياسي لانها قضايا حادة حارة فصرفوا اليها ولذلك لم يتح لهم ما كان مقدرا من النجاح وتحقيق النهضة عن هذا الطريق .
وكذلك يبدو أن العرب والمسلمين لم يربحوا هذه الجولة العلمية على النحو الذي كان يجب ان يكون .. ولا تزال اعداد الاميين تفوق اعداد المتعلمين ، ولا تزال مفاهيم العلم بينهم مفاهيم غامضة أو ناقصة ولا تزال روح العلم بموضوعيته وتألقه غائبة عنهم ... ولا يزال التفكير العلمى بعيدا عن ان يكون أصيلا في أسلوب تفكيرهم وفي تناولهم للاشياء .. ورغم كل الذي قاله المفكرون والمصلحون والشعراء والادباء خلال عصور النهضة كما في الحض على العلم والمناداة به .. ولو جمع هذا الذي قيل في ذلك في اللغات العربية والاسلامية لفات الاحصاء وتعذر على الجميع لان الدعوة الى العلم لم تكن هم المصلحين وحركات الاصلاح ولكنها كانت هما شائعا فلم يكن هناك خطيب او شاعر او كاتب او مدرس او زعيم الا دعا للعلم وحث عليه
ان بعض مظاهر الحياة العلمية في وطننا العربي واقطارنا الاسلامية قد تبدو مرضية ولكن اخشى ان تقنع بها ونحن لا نزال في بداية الطريق .. ولكن اخشى كذلك ان يكون القدر الذي تحقق لنا من العمل لا يزيد عن القدر الذي تحقق لبنى الانسان جميعا واننا لا نزال حيث كنا بالقياس الى النمو العلمي الخارق الذي حققته الشعوب الأخرى .
ومن هنا تتجدد لاعيننا صورة الازمة التى وجد المصلحون المتقدمون انفسهم فيها : صورة الاولويات فى حركات النهضة والاهتمام بالتخطيط البعيد لها.
ان هذا التخطيط لا يمكن ان يقوم على اساس اقلیمی او قطری .. فتنوع المعارف والعلوم وارتباطها بالعمل والآلة وتشابك ما بينهما ، والحرص الذي تبديه بعض الدول للاحتفاظ بما عندها من علم ايا كانت دوافع هذا الحرص والنوادي العلمية المغلقة والتكاليف المادية الفخمة لتحقيق البرامج التعليمة ذلك كله أضحى يقتضى العرب والمسلمين في فاتحة قرن جديد يعلقون عليه الامال اضحى يقتضى تخطيطا دقيقا وتنظيما مشتركا وتعاونا • اضحى يقتضى كذلك لغة علمية مشتركة هي عنصر اساسى من عناصر التعاون على بلوغ هذه الغايات الجادة (1) .
في فاتحة هذا القسم الاخير من البحث : انهما قيمتان يجب ان تستقطبا اهتماماتنا السياسية والعلمية كلها : قيمة الشورى ، وقيمة العلم .. انهما القيمتان الاساسيتان اللتان يجب ان ندق بهما ابواب قرن جديد هو هذا القرن الخامس عشر وان نلح عليهما وان نستبعد كل ما يتناقض معهما في اي جزئية من جزئيات الحياة .. وما بين هاتين القيمتين متصل متكامل وهو اتصال وجود وتكاتل واضح . والاخلال باحداهما هو اخلال بالاخرى .. لان القيمة العلمية تتعلق اكثر ما تتعلق بالافراد ، وقيمة الشورى تتعلق اكثر ما تتعلق بالجماعة .. ونهضة المجتمعات والشعوب انما تقوم على هذا التوازن والتكامل بين الفرد وبين الجماعة .. وتجارب الانسانية كلها تؤكد هذا التوازن .. ولهذا لابد من شيوع كل ما تتفتح عنه الشورى من عدالة وحرية في الجماعة ، حتى تتفتح الذات الانسانية فى الفرد ، وحتى يكون له من مجتمعه هذا الوازع الذي يدفعه ولا يعوقه او ينميه ولا يحد منه ويطلقه ولا يقيده
وليس تأصيل هاتين القيمتين بالامر اليسير .. انه لابد فيهما من هذا الذي سماه الرسول الكريم عقب انتصاره في بدر : الجهاد الاكبر .. وهو جهاد يقتضى كثيرا من التضحيات والمكابدات ولن تكون شيئا بجانب ما تحققه من تجديد شباب الحضارة الاسلامية وعودة الروح اليها حتى يستطيع ان تلحق بالركب الحضاري المعاصر قبل أن تصبح الهوة عسيرة على الاجتياز والمدى عسيرا على التجاوز .
خاتمة
. وبعد فقد بدأت هذا البحث ببعض المقدمات والحدود التي أردت ان تكون ضوابط للبحث وتحديدا لبعض آفاقه واستبعادا لما قد يخالطه وتفتيحا لما يجب ان يخالطه وحرصت فى هذه المقدمات على ان انفى صفة الماضوية عنه ، وان ادل على ان الحديث فيه عن قرن مضى ، انما هو في صميم الحديث عن قرن نستقبله وفي صميم التمهيد له.
ثم مضيت في القسم الاول فوضعت الملامح العامة لحركات الاصلاح والنهضة تعددها وكثرتها وشمولها المكانى وتنوعها ، وتباين طبيعة القائمين عليها .
وبنيت البحث بعد على ان هذه الحركات كانت تهدف الى تحقيق التقدم الحضارى ولاننا لم نحقق هذا التقدم فقد أوقفت القسم الثاني من البحث على الحديث عن العوائق التى وقفت في طريق هذه الحركات الاصلاحية وحالت
بينها وبين تحقيق غاياتها على النحو الذى كنا نرجو وقد وجدت ان هذه الحقائق تتلاقي في مجموعتين :
1-عوائق خارجية تختلف في البداية في الصدمة النفسية التى كانت مع المواجهات الحضارية الاولى ثم تمثلت بعد ذلك فى طائفة من العوامل والمسالك التى اتخذها الاستعمار لتعويق هذه النهضات
ب - عوائق داخلية : فصلت الحديث عنها وعن آثارها فى هذا التعويق
: وانتهيت بعد هذا العرض الذي كان الى استخلاص الذي يجب ان يكون فأثبت فى القسم الثالث ابرز ما نحتاج اليه حتى نستدرك ما فاتنا من حركة النهضة ، من استبعاد التناقضات التى ذهبت بجهودنا ووجودنا ومن تخلية هذا الوجود منها . . ثم تخليته بعد ذلك بقيمتين اساسيتين لابد من استعمالهما دائما احداهما قيمة الشورى والاخرى قيمة العلم ، تتعاونان على تحقيق التوازن والرقى فى حياة الفرد والجماعة .
وواضح من هذا كله انى نقلت الخطى فى هذا البحث من التحليل الى التركيب ولكن قصرت الحديث على مرحلة التركيب ، وتركت مرحلة التحليل الذي يتناول جزئيات الحركات وتفاصيلها لتغيب وراء الافكار التى انتهيت اليها وتكون بمثابة الخلفيات لها .
وواضح كذلك انى لم أتحدث عن حركة بعينها وانى تجنبت الوقوف عند بلد ذاته وانى حين انتهيت الى دراسة العوائق والى الحديث عما نستبعده أو نستصحبه ، اى عما نحتاج اليه فى مجتمعاتنا من تخلية وتجلية لم يكن يرتسم فى ذهنى مجتمع محدد بقدر ما كان يمور امامي المجتمع الاسلامي في جملة بعيدا عن كل حد جغرافي أو فى صورة اقليمية.
ولا ازال اومن كما قدمت وأدعو الى دراسة هذه الحركات بدقة وتفصيل وموضوعية واراه امرا لابد منه ولا غنى عنه في رسم صورة المستقبل للجماعة الاسلامية والعربية في أى قطر من أقطارها سواء فى ذلك الاقطار التى تجاوزت هذه المراحل ودخلت حركتها الاجتماعية فى مراحل جديدة أو الاقطار التى لا تزال فيها أو قريبة منها .
- انتهى البحث

