الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

حركة العلم والادب ، في الجزائر

Share

فأما الدور الذي يليه فامامه هو الأستاذ الجليل الشيخ عبد الحميد بن باديس قسنطيني ، عريق في المجد ، مجد العلم والرياسة . اخذبها عن الشيخ حمدان الونيسى . واتم معلوماته بجامع الزيتونة وحصل على شهادته بنوعيها نوع العلوم ونوع التجويد . وعلم بها على طريقته ونظامه ، فجمع به بين التحصيل والتمثيل

ثم رجع الى قسنطينة فعكف على التعليم ، مع دؤوب على المطالعة وعناية بصناعة التدريس فاكتسب فقها فى معارفه الدينية واللسانية ، وسعة بذكائه وعلمه ، وأختص بطريقة فى التدريس تجمع بين فصاحة التعبير ، ومنطقية الترتيب ، الى حذق في شرح غوامض العبارات وتجلية دقائق المعاني . ولا اجد من اشبهه به في فقه اللغة واسرار الدين وفي صناعة التدريس الا الاعلام العهد الاندلسي

انتصب في قسنطينة مدرسا متبرعا بعلمه ، واشتهر علمه ، فهرع اليه الطلبة من الآفاق البعيدة . وعادت قسنطينة نزخر بملتمس العلم اكثر مما بلغته في العهد المجاوى اذ حصات فيها فترة بعد انتقال المجاوي الى الجزائر وقبل عودة ابن باديس . وكانت فترة بين حركتين ادركهما الناس جميعا ، فقارنوا بينهما وسمعنا من عامتهم تفضيل هذا الدور لأول عهدهم به . ومن هنا جعلنا نحن هذين الرجلين علمين لهذين الدورين من حركة التعليم .

انقطع ابن باديس للتعليم عشر سنوات هزت الوطن هزة مبشرة . ثم شفع تعليمه المسجدى بتهذيب الشعب عن طريق الصحافة . فكان عمله الصحافى اوسع صدي وأعمق اثرا . وقد كانت الصحافة . قبله مثل الخطابة الجمعية ، من جمع فيها بين فصاحة اللسان وغناء السجع فقدادي واجبه . اما التأثر والتأثير المقصودان من كل كلام فلا ظل لهما يومئذ عند كتابيا وخطبائنا . ولما تأسست جمعية العلماء انتخب لرئاستها ولا يزال رئيسها امد الله فى حياته ، فنهض بها نهضة ثبتتها على خطتها ، وسيرتها نحو غايتها سيرا حثيثا . والمطلع على الزوابع التى ثارت على هاته الجمعية لنفسها يعجب لمحافظة رئيسها على بقائها ، فصلا عن تقوية حيويتها

هذه ميادين ثلاثة . ميدان الدرس العلمى ، وميدان القلم الصحافى ، وميدان الجمعية النظامي ، قدقام ابن باديس في كل منها بواجبه ، كان لامزاحمة بينها على شخصه الضعيف . فقدم عن طريقها لشعب الجزائر خدمات جليلة نهضت به نهوضا لا انتكاس بعده ان شاء لله . فكناه اخوانه لذلك " ابا النهضة الجزائرية " وهي تكنية تدل على شكر الشعب لمنقذه وما الشكر الا معرفة النعمة والقيام بحقها اعترافا وامتثالا ، وفي ذلك حجة المتفائلين بحياة الجزائر .

وبعد فلسنا نقصد إلى ترجمة الاستاذ ، وانما اجملنا من حياته ما لابد منه لعرض الموضوع .

مصادر التعليم في هذا الدور هي مصادره فيما قبله . لكنها تغيرت أهميتها . فالتعليم الرسمي فقد اغلب شيوخه الكبار ممن يراهم الناس اهل صلاح ووقار ، فضعفت منزلته فى المجتمع ، فلما كشفت النهضة الحديثة عن اهتمام الشعب بالتعليم الحرز احمها التعليم الرسمي بزيادة مراكزه لكنها زيادة مادية لم تعدل لذلك التعليم منزلته الادبية

واصيب تعليم الزوايا فى كميته وكيفيته بإنصراف رؤسائها الى التسابق في تضخيم الثروة والتنافس في التقرب من الحكام واعداد العدة لاضافتهم اكتسابا

لقوة مادية تسد الفراغ الذي حصل لهم عند العامة من تقصيرهم عن سلفهم في التدين وفعل الخير .

وعادت الاهمية للتعليم الشعبى ، ونفصله الى ثلاثة انواع . الاول : تعليم الكتاتيب القرآنية ، وهو طراز قديم وبقية مما تركت الأجيال الغابرة ، ويوجد في البوادى والحواضر . وقد زاحمته المكاتب الفرنسية ذات الأنظمة الحديثة المريحة للتلميذ في جلسته ، والجاذبة بهندستها لرغبته ، والمزيلة بتربية معلمها لدهشته ، ثم الآخذة بقانونها الاجباري لأهم وقته . فضعفت منزلة الكتاتيب في هذا الدور لذلك وكادت تعدم فائدتها

الثاني : التعليم المسجدي وهو للطلبة وللامة . فاما العامة فكانوا يحضرون المسجد اما لطلب الاعتقادات من كتب الكلام امثال صغري السنوسي ، ولما لمعرفة العبادات من كتب الفقه كابن عاشر وخليل وفي هذا الدور اصبحوا يحضرونه لمعرفة الاعتقادات من آيات الله ولمعرفة العبادات من كتب السنة كالموطأ ، ولمعرفة الشمائل من شمائل الترمذي او الشفاء ولسماع العظات من القرآن والحديث . فالتعليم المسجدي اليوم يقوم على الكتاب والسنة من غير ان يحارب كتب الكلام والفقه . وانما يحارب كتب المناقب والرقائق المحشوة بالموضوعات والاساطير . والتعليم المسجدي ليس بجديد وانما الجديد فيه دراسة الكتاب والسنة وتوجيه العامة اليهما فى اعتقاداتها وعباداتها وسلوكها .

واما الطلبة المسجديون فقد نظموا في هذا الدور تنظيما يميز كل طبقة من أخرى ، وبعضها من المعلومات مايناسبها . ولا تزال مادة تعليمه المتن والشرح غالبا . ولكن اسلوبه لم يبق على ما كان عليه فقد صار المعلم يشرح المسألة العلمية مستقلة ثم يعود الى عبارة المؤلف لينزلها عليها ويبين وفاءها او قصورها

الثالث : التعليم المدرسي . وهو خاص بالصغار ومنظم تنظيما حديثا فى مكانه ومادته وطبقاته واسلوبه . فاذا دخل التلميذ المدرسة وهو من تلاميذ الفرنسية

ايضا لم يجد فارقا ينقص من قيمة المدرسة فى نفسه . بل قد يؤثرها على المكتب الفرنسى ، فقد لاحظت وانا مدير مدرسة الاغواط ان من التلاميذ من يكثرون التخلف عن المكتب الفرنسي ولا يتأخرون عن المدرسة .

وقد انتشر التعليم المدرسي في هذا الدور بالحواضر والقرى واخذ يدخل البوادى ، ولولا العرقلة لعم الوطن كله لأصبحنا في ازمة تعليمية من قلة المعلمين لامن زهد المتعلمين .

وهذا الاندفاع للتعليم المدرسي الحر سببه تمسك الشعب باسلامه وعروبته ومشاهدته لقرب النتائج ويسر الثمرات . اما مستقبل المتعلم فموكول الى الاقدار

على ان التعليم المدرسي لا يزال ابتدائيا وغير مؤثر في الامة تاثيرا بينا . والتلميذ المستغنى عن المدرسة الحرة اذا اراد مواصلة سيره نحو الوظيفة التحق بالمدارس الرسمية ، واذا اراد تكميل معلوماته الاسلامية التحق بجامع الزيتونة وقد يكون فى الطرف الغربي ، فيذهب الى جامع القرويين .

ولا يزال التعليم مسجديا او مدرسيا فى حاجة الى التنظيم والتحسين والتوسيع ومنذ تأسست جمعية العلماء اهتمت بالأمر ، فشكلت في عامها الاول لجانا علمية وأدبية ووعظية ، مزجت فيها بين العالم المصلح والطرقي ثقة منها بان المفكر هو الذي يؤثر فى الجامد ، ولم تخش داء الجمود ان يصيب المصلح على خلاف قول :

ولا ينفع الجرباء قرب سليمة        اليها ولكن السليمة تجرب

غير ان هذا المزج قعد بالمشروع في مكانه ، وجاءت فتن الطرقية للاستحواذ على الجمعية فنفتهم عنها ، وتوجهوا للحكومة يكيدون عندها للجمعية . وحاولت الجمعية مرارا تنفيذ المشروع فاعادت النظر فيه وعقدت المؤتمرات ، وشكلت اللجان ، ولكن قلة المال وكثرة المشاغبات وحدوث الحركة كل أولئك عسر التنفيذ ، وزهد شباب العلماء في المغامرة ، ولولا رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه لارتكست الحركة وكان رد فعل ، لكنها - ولله الحمد - ثبتت ولم تقف في فى مكانها غير ان سيرها الآن بطئ ، ولعل في هذا البطء تمكينا لها .

وان من مميزات هذا الدور ان اصبح العلم مبنيا على الدليل ، والأدب مشاركا فى الحياة معبرا عن روح العصر في عرض رغائبها وتسجيل حوادثها ، وان اصبح المتعلم والمتأدب متجهين الى خدمة المجتمع بالوعظ والتذكير والتربية والتعليم وتناول الحسن والقبيح بالتصوير ، وان انجه الشعب نحو كتابه وحديث رسوله يرجع اليهما فى وزن عقائده ، ويأخذ بهما فى صور عبادته ، وان تضاءلت الطرقية أمام حركة الأصل تضاؤلا فقدت به قوتها الايجابية لحماية نفسها ، وان وجدت متكأ قوي ناحيتها السلبية فى معارضة نحو الحركة الاصلاحية من ناحيتيها العلمية والادبيه . والسلب عمل الضعيف .

وكشف هذا الدور عن موهبة الجزائري في ميادين الخطابة والصحافة والتأليف . فظهر خطباء ارتجاليون مقتدرون على اقناع السامعين بنظراتهم وارآئهم . ورأينا كتابا موفقين في تفكيرهم ، محسنين في تعبيرهم . وقرأنا تآليف مهذبة فى التاريخ والأدب وغيرهما .

على ان فشو الامية وعوارض كل حركة حديثة مما يجعل موهبة الجزائري فوق ما حصل عنها الان . فالخطابة تعوزها حرية الاجتماع والتفكير ، والصحافة تنقصها حرية النشر ووجود الشركات والتأليف يقعد به قلة المطابع وكثرة النفقات وضعف الرغبات .

ان هذا الدور خير مما قبله بدرجات نفوق درجات الجماعة على الفذ ، ولكنه لم يفقد كل العيوب فيما قبله .

وقد كان لهذا التطور عوامل وأسباب عامة وخاصة ، وأخصها وأمسها بالموضوع هو ان قيادته بيد خريجى جامع الزيتونة الذي أقبل الجزائرون عليه اقبالا لا يقارنه الا اقبالهم على الجامع الاخضر بقسنطينة حيث يعلم أمام هذا الدور الاستاذ عبد الحميد بن باديس على ان الجامع الاخضر ينتسب في عهده هذا الى جامع الزيتونة .

رجحت في هذا الدور كفة جامع الزيتونة على كفة جامع القرويين .

فقسنطينة المتصلة بتونس هي رأس الحركة الحاضرة ومعدنها . والجهات الغربية من عمل الجزائر ووهرن قد تعرفت ايضا إلى جامع الزيتونة ، ولم يبق للقرويين الا بعض الطلبة على حدود فاس قعد بهم عن جامع الزيتونة ماقعد قبل بسحنون عن ادراك مالك .

ومما بقي من آثار الدور القديم فقد الأدب لاستقلاله عن العلم الديني فما زال الأديب مراعي فيه وقار العلماء وعفافهم ، ولو ان هذه البراءة تخرج لنا ادباء متدينين لكانت الخسارة على الأدب وحده . ولكنها تجعل مبالغات الأديب حقائق وتصوراته فتاوى ومدائحه عقائد فكانت الخسارة علمية دينية أدبية

نعم لنا أدباء صدقوا تدينهم ، واخلصوا فى تصوير شعورهم ولم يزالوا فى عنفوان شبابهم فمثلهم من يرجى لخدمة مجتمع لا يفرق جمهوره بين العربية والاسلام ، ولا بين الشعور والاعتقاد ، ولا بين الخيال والواقع .

واذا كانت حركتنا حديثة فلا يضيرها ان توحد بين العلم والأدب . فان الاستقلال انما يكون بالتخصص ، والتخصص آية اكتمال الحركة ونضوجها

( انتهى ) ميلة _ الجزائر

اشترك في نشرتنا البريدية