الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

حسناء آخر الليل

Share

" إلى تلميذ سألني لماذا لا تتركني أطيل شعري : ألست من شبان القرن العشرين ! . . . "

(1) - " أستاذ ، من يصنع التاريخ ؟ " وحملق حسن فى سقف الحجرة المظلمة . . الصمت يرين على تلاميذه وقد ثار تحليله لنص من مقدمة ابن خلدون كوامن أفكارهم . ونظر الى وجوهها طويلا كأنه يود استطلاع ما تخفيه فى تضاعيفها . . أيتهيؤون للزعامة منذ الصبا ؟ !

- " الرجال طبعا . . والنساء أحيانا " ولمح شبح ابتسامة عامة على الشفاه . - " سيدى ! من أقوى : التاريخ أم صانعوه ؟ " عم ينقبون . . وعاد يتطلع الى الوجوه . . ألا تكون بينهم طلعة زعيم ؟ ! . الزعماء كانوا أطفالهم أيضا . .

- " التاريخ حيز زمني خاو . . يملأ الناس فراغه فيوجدونه وتكون الحضارة . . "

- " أستاذ ! أين نحن العرب من التاريخ ! " تبا لهم . . هذا ما ينشدون . إنه بيت قصيدهم . . قولوا يا زعماء قبل الأوان أين نحن من حلقات التاريخ . . ما كان له أن يستطرد فى عرض رؤيا ابن خلدون الحضارية . . لكأنه نكأ بذلك فى نفوسهم جرحا غائرا ينزف حسرة لأول ملامسة فكرية . .

وتململ في فراشه . بدا الليل لعينيه وكأنه لن ينتهى ، لطالها ارقه التفكير في مثل هذه القضايا . . رباه ألا يتحرك التاريخ ، ألا يتثاءب الفراغ . . وعاد يستطلع وجوه من مر به فى يومه من تلاميده وأصدقائه و . . كل من صادفه فى الشارع . . أليس الزعماء من أوساط متواضعة !

ألا تسكت هذه الأفكار قليلا . قرف من الخوض فيها . يحللها لتلاميذه ، يناقشها مع زملائه ، يطالعها فى كل ما يقرأ من ادب وسياسة وتاريخ . تقلب في فراشه من جديد . إنه يبتغى نومة هادئة لا غير . التاريخ ما له وللتاريخ ! الوجوه يتصفحها . . لا . . لا حاجة له باكتشاف الزعيم الموعود . . إنه يود نوما ، نوما لا غير ! .

- ( 2 )- نظر إلى صدره العارى وكأنه يفتش عن نقطة الخفقان اللعين . لم يتركه ينام والليل بتكاسل وفكر لحظة ثم قفز من سريره فى نشاط أولده الضيق . . ألقي نظرة عجلى من النافذة فألفى سيارته رابضة أمام مدخل الباب الخارجي وبسرعة ألقى فوق جسمه جبة بيضاء وانتعل خفا أبيض وصفق الباب ! " شارعي الطويل . ما أرحم امتدادك بضيقى . .

كم أنس في لحظات فراغه الى هذا الشارع . . يجد راحة فى امتداده وصمته ومهابته . . وخفف من سرعة السيارة حتى أصبحت تدب دبيبا . . ما لهذه الظلال تغطى جزء الطريق الوضاح بفوانيس الكهرباء . آه . . نسي . إنه السور العظيم . سور المدينة الخالد يشرف بظلاله على النور . طالت مشية السيارة والسور لا ينتهى . إنه يكاد ينكره فى ليلته هذه وقد كان راعه مرارا . . تعجب فما عهد السور بمثل هذا الامتداد الذي يلاحقه  فى عناد . وحول ناظرية هربا . . ما هذه النقط البيضاء . . أجهد فكره وأعاد النظر ثم ضحك من نفسه . غريب أمره . . أنسى أنها روضة الصحابة الأبرار . أما والله إنه لغريب الأطوار هذه الليلة . . ظلام السور يطارده ، بياض الروضة يسطع بصره وضغط على مقوى السرعة وهو يغمض عينه فى عصبية و . . سمع صرخة حادة . فتح عينيه بسرعة صوت امرأة . إنها حذو عجلة سيارته الأمامية . وغاص قلبه بين ضلوعه وتساءل في حيرة : أكانت لحظة اغماضة الرموش كافية لهذا ؟ ! . .

- " لو دستني ؟ " ونظر إليها وهى جالسة حذوه فى المقعد الامامي ولم يستطع منع عينيه من التوقف بضع ثوان عند أعلى ركبتيها وقد انحسر عنهما الثوب رائعة !

- " كنت آنذاك تدخلين التاريخ... وضحكا . . كل لسبب . . وتفطن وضحكتها تطول الى سحر وجهها بغمازتيه الجذابتين

- " وكنت تدخل... ولم تتم بل نظرت إليه فى تغنج وملأ عينيه من نظرتها ثم أغضى . وازدادت اقترابا منه وهى تقول :

- " كيف تجدني ؟ " وحمل بصره بصعوبة إلى الجسم اللدن بجواره تشف الملابس الخفيفة فوقه عن بديع تكوينه وافتعل الابتسام : - " أتدرين ماذا كنت أتخيل وأنا أقود السيارة ! " وواجهته بغمازتين ساحرتين فواصل

- " تخيلت . . عروس بحر شردت فى أعقاب الليل والناس صرعي نوما  واسترسلت فى ضحك طويل مالت أثناءه على صدره لتهمس

- " يا خبيث أفي مدينتكم هذه بحر حتى تتشرد عرائسه ! " وارتبك هنيهة ثم أشار الى الفسقية - " ما رأيك في جلسة قرب الفسقية الشهيرة ؟ "

- " ماذا تفعلون فيها ؟ . " - " الفسقية نغوص فيها . . " - " العمق سحيق لا يرجع ! " - " ولكن السطح درب لا يؤمن . . " وتبادلا نظرات طويلة ثم انفجرا ضاحكين . وقال وهو يحول وجهه عن ثوبها الشفاف : ،

- " لم أكن أعرف أن عروس البحر توحى بالفلسفة " وألقت رأسها على مخدة الكرسي وهمست : - " لأنك لو كنت شاعرا لفعلت غير ما تفعل . . ونظراليها فى دهشة ولمح انعكاسة النور على جفنيها المرتخيين فأوقف السيارة . .

- " هل عندك مرآة أصلح عليها شعري . أفسدت زينتى . . إنك رجل . . "

- " أكنت تشكين . . " ولم تنبس فأنزل أمام وجهها غطاء حاجب أشعة الشمس وأخذ يتأملها وهي تسوى شعرها الأشقر الطويل مستعينة بالمرأة المثبته فى الغطاء الحاجب . .

- " لماذا أفلت من سريرك - " إنه سرير الزل " - " أنت سائحة وصمت - " لماذا أفلت من النزل آخر الليل ! " ولم تجب

- " هل تأتين عندى بقية الليل ؟ " وهزت رأسها - " كلا . لا أريد " - " ولكنك رضيت منذ حين " - " ذاك شأنى - " غريب - " ما هو الامر الغريب ؟ " - " إذا منحت المرأة ضعفت " - " هراء ! أنا أمنح لأقوى "

- " أنت لعوب " - " وانت لعبتى " وشدت على يده بقوة وصلابة - " ألست لعبتي . . الجميلة

وغامت عيناه الحانقتان في الشعر المنسدل على الظهر العارى وغمغم محولا الحديث : - " قولى . . كيف خرجت وحدك فى أعقاب الليل ؟ أهو الأرق ! " وابتسمت : - " أما كفاكم النهار ترتعون . . تدخلون فنخرج . . ليلكم نهارنا . .

وساد صمت انشغل فيه حسن بالتفكير وأفاق على حركة إصبعها المفاجئة تسأل : - " ما هذا ؟ " ننظر ثم قال : " إنه جامع عقبة . . أحد أتباع رسولنا . . "

وهمست فى شبه لاوعى : - " هل كان حقا مزين الرسول ! " والتفت إليها فى دهشة : - " أراك تعرفين الكثير فلماذا تسألين ؟ " ولم ترد عليه . تمعنت طويلا فى ما أمامها لتنفرج شفتاها عن ابتسامه ملوثة بالازدراء :

- " أكل هذا من أجل مزين بسيط " وقفز من مكانه كأنه لدغ وهز كتفيه بعنف : - " من أنت . . أجيبي . ماذا تريدين ؟ " تقلصت عضلاته ونظر إليها فى قسوة . ووقع بصره الغاصب على مواطن اهملت يد متراخية إخفاءها . . توقف عند الجسم البض اللدن ثم حول وجه بصعوبة متمتما :

- " أرجوك لا تعودى إلى مثل هذا القول . . " وهمست فى أذنه وهي تميل عليه : - " يا لعبتى الجميلة " ثم أمسكت وهي متكثة على صدره بطرف لباسه متسائلة فى غنج : - لا شك أن شكل هذه " الجبة " يلائم الجسم فى مثل هذه الحرارة . . " ولما لم يجب اردفت : - " هل تريد أن اقيسها أمامك ! "

أطرق قليلا ثم طاف بذهنه طائف مشهد موعود فانفرجت شفتاه . وتلفت حوله فاذا الشارع الطويل خال صامت - " هيا ألبسك إياها . . "

واستسلمت ليديه فى ارتخاء لذيذ . . - " ألا تريد أن تراني أخطر أمامك بالجبة . . سأنزل لكن أعطني خفيك ايضا . . أراهن على أنك ستخالنى شيخا فى الطريق .

وفتحت الباب قبل أن يفكر في منعها . . انتظر أن يراها تخطر فى الشارع . . يا لها من فاتنة لعوب . . وأغمض عينيه . . مواطن الجسم اللدن البض . . لمسات الأنامل الخبيرة . . سنابل الذهب المنسدله على الظهر الناعم وابتسم وهو يتذكر الجبة على جسمها . . ترى كيف أصبحت بها . وتمعن في ما بيديه بلور السيارة وقد كسته قطرات الندى . . رباه اين هي ! ؟ وفتح الباب في رعب : ليست فى الطريق . لعلها مختفيه . ما أشد رعونتها ! ونادى : " يا  وتوقف . . بم سيناديها ؟ ! لم يعرف عنها سوى أنها سائحة في أعقاب الليل . . ما أشد غباءه . وأحس بالبرد يسرى إليه وسمع ضحكة ناعمة . . واهتز . كان قربه صبى صغير بشير إليه ويسأل شيخا بجواره لعله جده :

" انظر يا بابا . . هل كان هذا الرجل يسبح فى الفسقية ؟ " ماذا ؟ ورمي بناظريه فى فزع على أنحاء جسمه . كان شبه عار . حافي القدمين . . وسارع الى السيارة وعيون مصلى الفجر تطارده فى عجب

واستنكار . . ألقى برأسه على المقود والعرق يتفصد من جبينه ونظر خلسة الى الكرسي المجاور . . حذاء نسائى يتطلع اليه . نسيته الملعونة وملأ رئتيه من النسيم البارد فغمر صدره طيب أنكره . بقايا طيبها فى أنفه . ألا سحقا . ولما أوقف السيارة أمام منزله الصامت أحس بجفنية يتململان ولامسها فعلقت باصبعه شعرة طويلة صفراء . .

- ( 3) - يا رب ! ما لهذا الدوار يكاد يحطم رأسه . . وتلمس جبينه . الله العرق يغمره . ولكن الغرفة مضاءة فهل طلع النهار . نظر الى ساعته بصعوبة فاذا هي الثانية ليلا . لقد نسى النافذة مفتوحة فانصبت أشعة القمر وغمرت عينيه فأحالت أرقهما حلما . . .

ونظر وهو يغلق النافذة الى سيارة جاره البيضاء . . ليتها له حقا . . وطاف بذهنه مشهد غائم . . سؤال عن التاريخ . . والحضارة . . وأخفى وجهه بين يديه وهو يحسد السيارة على نومها الجامد

اشترك في نشرتنا البريدية