الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

حسن حسني عبد الوهاب كما عرفته

Share

اتشرف بتناول الكلام هنا بصفتى ممثلا للمجمع الفرنسي للكتابات والآداب وسأحاول أن أصف العلامة المرحوم حسن حسنى عبد الوهاب كما عرفته

لقد نوه اصدقاء الفقيد بفضائله الفائقة ومحاسنه الرائعة فرثوه نثرا وشعرا وترجموا له في الجرائد والمجلات دون ان يذكروا في اغلب الاحوال انه كان عضوا من اعضاء اللجنة الادارية لدائرة المعارف الاسلامية منذ سنين طوال وانه ساهم في تحريرها انفس مساهمة ، فلما شرعنا في اعداد ذيل للاجزاء الاولى من الطبعة الثانية وذلك بعد وفاة المغفور له بعدة اعوام ، امسى من الممكن ان ندرج ترجمته في ذلك الملحق لاننا اشترطنا على أنفسنا الا نترجم لاشخاص لم يزالوا على قيد الحياة ، فطلبنا اذن الى صديقنا الشاذلي بويحيى أن يعقد له مقالة وافية وان كانت بطبيعة الحال وجيزة غير ضافية

فيغنيني كل ما قيل في شخصية المرحوم عن تكرار ما خصص له من عبارات المدح وكلمات الحمد وسوف اقتصر على ذكر ما قربني اليه من الفرص السعيدة والظروف الغريبة والاتفاقات العجيبة لكى ابين ما عساه ان يكشف عن زاوية من طبيعته النبيلة وجانب من ذهنيته العالية .

كان صاحب كرسي اللغة العربية والادب العربى فى جامعة الجزائر الاستاذ هنري بيريس - قد فكر ، قبل الحرب العالمية الثانية بقليل ، فى

اصدار مجموعه من الكتب سماها بالمكتبة العربية الفرنسية وجعل ينجز مشروعه بمساعدة لفيف من الاساتذة والمدرسين المستعدين للعمل في احياء التراث الادبى وتسهيل دراسته وتدريسه

فكان الاستاذ وطيد النية على ان ينشر في الجزائر سلسلة كتب يتضمن كل واحد منها مقدمة حول حياة الكاتب وآثاره ثم نصا عربيا مطبوعا على الصفحات اليسرى وترجمة فرنسية على الصفحات اليمنى وفي التالي الفهارس المعتادة ، ومن مميزات النصوص المختارة وشروط اتخاذها ان تتعلق بالمغرب او تخرج من اقلام مغربية ، منشورة كانت من قبل او آنفا ، أى غير منشورة فاعد هنرى بيريس لائحة طويلة تحتوى عشرات من العناوين ووضع مقابلا لكل عنوان اسم الباحث الذي كان يرجو منه مشاركة حدية

ولما رأى أننى لراغب في الاجابة اليه كلفني بثلاثة نصوص أولها تحفة العروس للتجاني فجعلت اقرأ الكتاب ولكنى لم البث ان تركته لان مثل انما يترجم - فى رأيى - الى اللاتينية فحسب - مع ان الروض العاطر للنفزاوى نقل اخيرا الى الفرنسية ، ثم كان النص الثاني الفصل الخاص بالمغرب من فصول احسن التقاسيم فى معرفة الاقاليم " للمقدسي ، واما الثالث فهو منها كتيب صغير يشتمل على معظم ما ابقاه الدهر من الآثار المنشورة بل المسجوعة التى خلفها ابن شرف القيرواني العلامة حسن حسني عبد الوهاب حقق ذلك النص العويص معتمدا على مخطوط تونسي ومخطوط اخر محفوظ فى مكتبة الاسكوريال ونشره في مجلة المقتبس سنة 1329/1911 موسوما ب رسائل الانتقاد " فلا أدري لماذا اختار ذلك العنوان لان الكتاب - أو بالاحرى ، ما تبقى منه - لا يمت الى فن الرسالة بسبب - ومع ذلك اعاد صديقى المرحوم محمد كرد على نشره في مجموعته النفيسة المعروفة ب " رسائل البلغاء " دون ان يغير العنوان الاول ، ثم جاء عبد العزيز الخانحي فعثر على مخطوط جديد موجود فى مكتبة خصوصية ونشره بالقاهره سنه 1926/1344 تحت العنوان الشامل لمؤلفات ابن شرف الضائع اكثرها اى " اعلام الكلام " وبما ان هذا المخطوط كان أحسن من الاصلين اللذين اعتمد عليهما عبد الوهاب حق لي ان اطمئن اليه ، كما انني استفدت من الجزء الرابع من ذخيرة ابن بسام حيث يوجد قسم من متن الكتاب

فلما صدر عملي المتالف من مقدمة ونص وترجمة وتعليقات وفهرس وارسلت بنسخه منه الى حسن حسنى عبد الوهاب نشب بيني وبينه شبه

خلاف لاني كنت اتخذت العنوان الوارد فى اخر طبعته وهو " تمت المقامة  المعروفة بمسائل الانتقاد " فيلوح جليا ان ابن شرف لم يرد ان يكتب رسائل من مقامات منسوجة على منوال مقامات الهمذانى وان لم يذكرها البته . وحذا حذو ابن دريد فسمى " حديثا " كل فصل من فصول كتابه ، فكان لعلامة طاعن في السن ان يغتاظ على مبتدئ تجاسر على اعادة النظر فى تحقيق نص قام به وقبله محمد كرد على فنشره مرتين : مرة فى المقتبس " ومره فى رسائل البلغاء فبالعكس اقتصر عبد الوهاب على اتخاذ موقف جاحظى فشك في صحة العنوان الذي اخترته وقال : فى ذلك نظر " .

اني لمعترف بانني لم أكن عند بداية العمل قد سمعت بالسيد حسن حسني عبد الوهاب ومضى أمد طويل قبل ان الاقية شخصيا فانما لمحته فى باريس سنة 1048 بمناسبة مؤتمر المستشرقين الدولى وهو يمشى فى الشارع وعلى رأسه طربوش يميزه عن غيره من المارة ، ثم ادناني اليه النزاع العلمي الذي احدثه أبن شرف ومقامته ، فأتاح لى ذلك ان أعاشره بعد اتصت به بصفة غير مباشرة بفضل كتبه المختلفة أمثال المنتخب المدرسي من الأدب التونسي ، و بساط العقيق " فى حضارة القيروان وشاعرها ابن رشيق و " شهيرات التونسيات ، وغير ذلك من نفيس المؤلفات ودقيق التحيات

فلم يتفاقم خلافنا الاول بل تصالحنا سريعا فسامحنى عبد الوهاب ورحبني بلطفه المشهور ، الا ان نزاعا جديدا لم يلبث ان نشب بعد ان ترجمت " كتاب التبصر بالتجارة " الذي كان أخرج نصه من مخطوطة محفوظة بمكتبه سوق العطارين بتونس ونشره في " مجلة المجمع العلمي العربي " سنه 1934 غير شاك في صحة نسبته الى صديقى الجاحظ ، ومما وطد يقينه ان الاب انستاس ماري الكرملي مدح طبعته ذاهبا الى ان النفس الجاحظية ظاهرة فى كل كلمه أما أنا فلم اشم في " كتاب التبصر بالتجارة " رائحة جاحظية وايقنت ان النص منحول لانه غير مذكور فى المصادر القديمة ما عدا " ثمار القلوب  ولطائف المعارف للثعالبي ، ثم بدا لى فندمت ندامة كبيرة على ما ابديته من حكم صارم متسرع .

لقد اشرت إلى خلافي مع حسن حسنى عبد الوهاب فيما يخص عنوان المقامة التى تركها لنا ابن شرف ونسبة " التبصر بالتجارة " المشكوك في صحتها لكي ألح على لطفه وسماحه اذ لم يرد حكمي ردا ولا رفضة رفضا فى كلتا الحالتين ، وان لم يقبله طوعا ولا ارتاح اليه عن طيبة خاطر .

ومما يدل على طول باعه وسعة صدره انه لم يأل جهدا بعد ذلك الحين فى اعانتى على التماسي نادر المخطوطات والحصول على نفيس المستندات ، فكنت أزوره كلما أسافر الى تونس ويقابلني ببشاشته المعتادة فى داره الواقعة شارع ابن خلدون . فما اطرف هذا الرمز واحسن هذه العلاقة بين أديب القرن العشرين وعالم القرن الرابع عشر ! فأتذكر انه اعتذر إلى مرة فغادر القاعة التى كنا نتجاذب فيها اطراف الحديث ثم عاد وفي يده ظرف غليظ فناولنيه قائلا : " C' est une petite chose * ولما فضضت ختام الظرف وجدت داخله صورة شمسية من مخطوطة مبتورة كان اقتناها عبد الوهاب بالقاهرة فلم أشك البتة ، هذه المرة ، فى نوع القطعة وصحة نسبتها الى ابى عثمان ولكنى لم أدر من أى كتاب أتت ، ولما رأيت ان النص يتعلق بمعاوية توهمت انه قسم من رسالة جاحظية في مؤسس الدولة الأموية وخلافته واعتمدت عليه لتحرير مقالة حول تشيع الناس لمعاوية فى القرن الثالث الهجرى ، ثم حصلت على مخطوطة كاملة من رسالة الجاحظ فى " الحكمين وتصويب أمير المؤمنين على بن ابي طالب فى فعله وساعدتني مخطوطة عبد الوهاب على تحقيق الرسالة فنشرتها فى مجلة " المشرق

ولخلاله الكريمة التى بها يتسم ينبغي ان اضيف الى ما شاهدته راسا من خصاله الشريفة وتصرفاته الانيقة حرصه على جمع المخطوطات العربية الموجودة فى البلاد التونسية وغيرها ، فجمع طول حياته عددا وافرا من آثارا الكتاب التونسيين وغير التونسيين فانجاها فى كثير من الاحوال من الضياع والخراب والتلف وخدم العلم ايما خدمة ، ومما سرني ان المخطوطات التي حصل عليها مودعة الآن فى المكتبة الاهلية بتونس وقد ظهر فهرسها فى العدد السابع المؤرخ سنة 1970 من " حوليات الجامعة التونسية "

فمن أعجب العجب ان القائمة المذكورة تشتمل على 951 رقما وبينما يدل معظم الارقام على مخطوطة بسيطة تتضمن نصا واحدا فحسب قد يخص بعضها مجموعا من النصوص ، ولقد حسبت المجاميع فوجدتها 17 يحتوي جميعها على 752 كتابا أو رسالة أو قصيدة أو غير ذلك من منتجات المؤلفين والمبدعين والحاصل ان المكتبة العربية ورثت دفعة واحدة 1533 نصا .

ثم لم ارد أن أقف عند هذا الحد وحاولت ان ارتب المخطوطات حسب مضمونها فوجدتها أشد تنوعا من أن ترتب دون أن يمل المستمع أو القارى سرد أصنافها وفنونها وعلى كل حال فهى مرتبة على حسب موضوعها في

الفهرس المفصل الموجود الآن في المكتبة . فسوف اكتفى بملاحظات عامة لا نخلو عندي من أهمية - يجب أن أذكر بادىء ذى بدء أن انتباهى قد لفتته عدة مصاحف ) 891-898 ( منها مصحف على الرق ) 891 ( كتب وذهب ببلنسية سنة 1163/558 وهو أقدم مخطوط موجود فى المجموعة ، ثم تعجبت من وقوفى على " قصة الحسين السبط " ) 318 ( لأبي مخنف ، وكذلك عثرت على نسختين ) 556 و 3/730 ( من " تحفة الاريب فى الرد على أهل الصليب " لعبد الله بن عبد الله المترجم لم يعتمد عليهما محقق النص " Miguel de Epala * الذي نشره بروما سنة 1971 مع ان أولاهما من أقدم مخطوطات هذا الكتاب اذ كتبت سنة 1709/1141 ، ثم لاحظت ان حسن حسنى عبد الوهاب حصل على اكثر من 150 شرحا أو حاشية على كتب الحديث والفقه والشعر وحوالى 50 ديوانا أو مختارا شعريا ، فلا تخلو علوم الدين على الاطلاق من ان تحتل بطبيعة الحال محلا واسعا في المجموعة كتفسير القرآن والقراءات والحديث والعقائد والفقه وغير ذلك مما لا بد من وجوده فى مكتبة اسلامية من كتب دينية لست بحاجة الى تعدادها وانما أخص بالذكر هنا " أجوبة الامام ابن تيمية فى الاضحية والغراسة والمساقاة " الخ ) 4/667 ( ورسالة " فى البن وهو المسمى بالقهوة " ) 680 ( لمؤلف مجهول الاسم ورسالة اخرى " فى أحكام بيت المال 436( وأخرى " فى استخدام أهل الذمة وتحريم استخدامهم " ) 887 ( و " الرهص والوقص لمستحل الرقص " ) 7/187 ( ونسخة من " الملل والنحل " للشهرستاني ) 765 ( اما الفتاوى فقد سجلت 10 أجزاء من " المعيار المغرب والجامع المعرب عن فتاوى أهل افريقية والاندلس وبلاد المغرب " للونشريسى ) 446 ( - 455-806 ( ، فكان من الطبيعي الا يجمع المغفور له كثيرا من كتب الفلسفة وانما يلاحظ ان المؤلفات التاريخية قليلة بالنسبة الى غيرها من المصنفات كالشروح مثلا ، الا ان 8 أجزاء )511 - 514 ( من " اتحاف أهل الزمان باخبار ملوك تونس وعهد الامان " لابن أبي الضياف موجودة في المجموعة الى جانب قليل من الرحلات والبرامج لا سيما ان " برنامح الشيوخ المقدمين للامامة والخطابة بالجامع الاعظم جامع الزيتونة بتونس من لدن ابن عرفة الى سنة 1819/1234 " ) 419 ( لا ينتمي فيما يظهر الى فن الفهرسة التى تشتمل على اسماء شيوخ عالم من العلماء والكتب التى قرأها عليهم . وشاهدت ان للمرحوم اهتماما خاصا بالتصوف وتراجم أهله مثل " التشوف " للشاذلى ) 653 ( وخاصة بفن المناقب ، واعترف بانني اراجع القائمة المنشورة في حوليات الجامعة عند بحثى فى شتى الموضوعات وعلي سبيل المثل ينبغى أن أذكر هنا اني استندت اليها لما درست

المناقب وكتبت فى هذا الفن الممتع بحثا سوف يدرج فى دائرة المعارف الاسلامية اذ لاح لى ان عبد الوهاب التمس بصفة خاصة المخطوطات التونسية التى تتضمن ترجمة صالحة أو صالح مشهور فلا يخلو هذا الضرب من الكتب من قيمة تاريخية فيما يخص عادات الشعب بالنسبة الى اصحاب المعجزات والكرامات ، ومن طريف الاتفاق ان المخطوطة والمرقومة 655 مثلا تحتوى على ما يقارب العشرين من " المناقب " ويجاوز عدد المتون الداخلة فى هذا الفن الخمسين .

ومما أهم المرحوم ايضا حوالى 50 كناشا فى الطب العلم العلمي والشعبى ك " الهارونية " المشهورة ) 861 ( ومؤلفات أخرى فى العلوم الطبيعية مثل * ازهار الافكار فى جواهر الاحجار " للتيفاشى ) 779 ) وعدة رسائل في الامور السحرية ونحو 30 مخطوطة فى العلوم الرياضية كالهندسة والهيئة والحساب والتوقيت وما الى ذلك ، اما التعليم فلا يمثله الا عناوين قليلة وقد ذكرت قلة البرامج الحقيقية وانما سجلت ثبتين ) 1/733-2 ( قديمين يرجعان الى سنة 1474/670 وسنة 1466/664 ، الى جانب عدة " اجازات " ) 3/187 3/733،437،4-1/747،708،488 ) وفي التالي لا تخلو مكتبة المغفور له من ان تتضمن مخطوطات أدبية ، منها بعض الامثال ( 613،584 و " مقامات " الحريرى والورغي وغيره من الكتاب التونسيين ) 9/184 865،475،41،403 ( ونسخة من " تحفة العروس " ) 484 ( .

الى حد الآن لم أذكر آثار حسن حسنى عبد الوهاب الشخصية الا تلميحا ولست بحاجة الى اطالة الكلام فيها اذ يمكنني ان الخص رأيي قائلا : إن لها طابعا خاصا يذكر مميزات ذوى نبوغ مرموق من ادباء الماضى ولو طلب الى أن أشخص عبد الوهاب بكلمة واحدة لقلت : إنه كان أديبا خالصا . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اشترك في نشرتنا البريدية