الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

حسن حسني عبد الوهاب هل مات ؟

Share

0 الجائزة فالموت ولكن !

كأن الموت الذى كانت كل آثار العلامة الكبير ( حسن حسنى عبد الوهاب ) ضده تماما ، أراد أن يثأر لنفسه وينقذ شرفه فاختطف منا " الشيخ الجليل " مباشرة بعد أن أسندت له الجائزة التقديرية ( جائزة بورقيبة ) باعتباره المؤرخ التونسى " الذائع الصيت فى المحافل العلمية بتونس وبمختلف الاقطار العربية والافرنجية ، كتب باللغتين . وهو فى عصرنا أول مؤرخ تونسى توخى فى أبحاثه الطرائق العلمية الجديدة فخطا بالدراسات التاريخية فى بلادنا أشواطا وجعلها من الدقة والامانة والنفاذ الى جواهر الامور بحيث أصبحت تعتمد فى كافة الدوائر العالمية . وقد تسنى له ذلك ، بفضل البحث المنظم والتنقيب المتواصل وبفضل ما توفق اليه فى طليعة المؤرخين العرب من ربط المعطيات الوثائقية والمعطيات الاثرية . وهى من الطرائق الحديثة التى مكنت المؤرخين من سبر أعماق الماضى بما يشبه الدقة العلمية " (I)

فالموت أراد أن يعبث ( وهنا لا أريد أن أشير الى عبثه مع المفكر الوجودى ( ألبير كامو ) Albert Camus الذى مات بعد مدة غير طويلة من جائزة نوبل فى حادث سيارة والحال أن تذكرة القطار فى جيبه ) .

الا أن عبثه مع ( شيخنا الجليل ) قد اكتسب طابعا مسرحيا صارخا أكثر فالرجل مات بعد يومين فقط من الجائزة وكأنه لم يعترف بعنصر المفاجأة الذي سيجابهه به الموت . أما كيف ؟ فلنتذكر كلمة الشكر التى أرسل بها قبل يومين من موته أى يوم الجائزة بالذات ، تلك الكلمة ألم تكن وصية (Testament)  بشكل يكاد يكون كاملا ؟ ألم يعبر فيها العلامة عن رغبته  فى جعل مكتبته الخاصة التى تشمل مفرداتها الكثير من أخبار الاندلس والمغرب الكبير مؤسسة خصوصية تلحق بدار الكتب الوطنية ، ويشرف على نظامها وتسييرها الاساتذة الصادق المقدم والشاذلى القليبى ومحمد مزالى وفضيلة مفتى الديار التونسية والامين الشابى وغيرهم ؟

اذن فقد فشلت مفاجأة الموت أمام حسن حسنى عبد الوهاب ! وفذلكته مع شيخنا الجليل كانت باهتة الملامح خالية من الطرافة !

0 الموت والناس :

ليس الموت نهاية المطاف عند بعض الناس النوابغ من صنف الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب الذى لم يحى طولا وعرضا فقط بل عمقا أيضا وهذا ما ليس فى متناول الجميع . والمقصود " بالعمق " هو الغوص الواعى الجاد فى مجاهل الفكر والحياة ، ومبهمات الحقيقة والواقع ، وتعاريج الماضى والحاضر وألغاز الاثار ومعميات المخطوطات . .

الا أن بعض المتسرعين فى الحكم قد يفهمون كلمة " العمق " المنسوبة الى علامتنا النابغة على غير المعنى المقصود هنا . فثمة من حملة القلم من " يدعيها " على خطأ وأكاد أقول عن " زيف " وثمة من ينصب نفسه فى قائمة "أهل الذكر" وهبة نسيم واحدة ، أو حبة رمل واحدة تكفى لقلقلة باله وزلزلة أركان قلعته المهيبة . . فهذا الصنف من الادعياء ليس كالصنف الاول ، لان موتهم عادة قبل الموت فضلا عن أن يكون لهم من يذكرهم بعد ذلك " بخير " . فهم اثر الموت لا يطمحون الى أن يموتوا بعد ذلك فى قلوب البعض أو ذاكرة الاجيال خلافا للكتاب الاكثر حياة منهم . فالعظيم لا يقتل فهو أقوى من الموت ولكنه " ينتحر " كما يقال من تلقاء نفسه وسلاحه فى ذلك انتاجه نفسه عندما تتسرب اليه الفجاجة واللامبالاة أو الزيف أو الصمت الخائن أو انعدام الشخصية أو فقدان الطابع المميز الخاص . .

أما ( حسن حسنى عبد الوهاب ) فهو أقوى من الموت " فعمقه " يتمثل بالذات فى مجابهته المستمرة وسلسلة تحدياته الصامتة الشهمة للموت . فهو قد وهب عمره " الطويل " للحرف وللفكر وترك كما يقول هو " الملاهى والمقاهى " ليكون محرابا متنقلا للنفوس والاذهان ، ومنارا انسانيا فى تونس وفى مجامع الشرق والغرب على السواء ( مجمع اللغة العربية منذ تأسيسه آخر سنة (1932) والمجمع الفرنسى للنقائش سنة (1939) وكذا فى المعهد المصرى وفى المعهد التاريخى الاسبانى منذ أربعين عاما والمجمع العلمى بدمشق منذ تأسيسه وكذا فى المجمع العلمى العراقى فى بغداد ، وغير ذلك) ثم هو شارك فى غالب " مؤتمرات المستشرقين " ابتداء من عام (1905) كما شارك فى مؤتمر " كبنهاكن " ومؤتمر " باريس " للمستشرقين الفرنسيين ثم المؤتمر المنعقد برباط الفتح بالمغرب ثم مؤتمرات كمبريدج وانكلترا واسطنبول ومونيخ وغيرها .

0 الناس و " شيخنا الجليل "

الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب زميل ( جورج براون ) الانكليزى و ( فولارس ) الالمانى و ( ميقال آسين بالاثيوس ) الاسبانى و ( ماسينيون ووليم مرسى ) الفرنسيين وغيرهم من " أهل الذكر " العرب وغير العرب . .

و " للاستاذ المؤرخ تأثير غير قليل فى توجيه عدد من الباحثين الناشئين سواء بكتبه أو بتوجيهاته المباشرة التى لا يبخل بها حتى فى أوقات مرضه ، اذ هو معروف ليومنا هذا باكرام الوافدين على منزله وتمكينهم من ضالتهم بمدهم بالمعلومات أو اطلاعهم على نفائس المخطوطات ونادر التحف والاعلاق (2) " .

وهذا الكرم العلمى من نابغتنا لم يكن يخص به شيبا دون شباب أو عربا دون افرنج أو تونسيين دون مشارقة فاقرأ معى فى مجلة " الاديب " اللبنانية عدد افريل 1967 التى يديرها الشاعر " ألبير أديب " ما قاله أحد الادباء العراقيين بصفحة (22) : " فى صلامبو بقرطاجنة المدينة الموغلة عبر التاريخ وفى دار تطل على بحيرتها الصغيرة الساجية وتحيط بها حديقة غناء تختلط فيها السقسقة بالزقزقة ، يقيم علامة تونس وشيخ مؤرخيها السيد حسن حسنى عبد الوهاب ، وهو برغم كبر اعتوره ومرض تعاور عليه ما فتأ يقطع كل أوقات يقظته قارئا كاتبا ، مدققا محققا ، مجيبا على رسائل سائليه الكثار ومحدثا زواره القلائل .

منذ عام وأنا أقصده كل مساء أحد فألقى فيه بشاشة وجهه وروحه العلمية السمحة أبا وأخا وصديقا ، فاذا تشعب بنا الحديث عاد الى ذهنى وتجسدت أمامى طيوف الخالدين من كتاب العرب فى عصورهم الذهبية الزاهرة ، فأزداد به اعجابا ويزداد بى تعلقا .

ثم تقطع علينا - علية هانم - رفيقة حياته الخالدة حديثنا المسترسل بابريق شايها المعطار فتعيدنا بلطفها وكرمها الى عالم المادة . . وأغادر الدار وفى ذهنى أصداء من حديثه الماتع وشذى من خلقه الرائع . . "

والملاحظ أن هذا التواضع أو ما يسميه السيد رئيس تحرير جريدة ( الصباح ) الغراء " بالتسامح " قد جعل الشباب يقترب ويعجب ويعترف ويحب علامتنا

النابغة . فشيخنا الجليل أهل لذلك لا فقط لانه ذلك " العلامة " بل لانه لم يخش كبعضهم حرارة الشباب واندفاعه وتجديده للحياة . فقد كان - رحمه الله - عالما أصيلا يسطع نور الاريحية الثقافية فى عينيه ثم ينتشر على غيره ليكون زادا " نظيفا " لكل باحث أو دارس أو أديب أو قارىء ليتفيأ فى ظلاله ويحلق معه بالمقدار الذى يقدر عليه جناحه . لهذا كان حسن حسنى عبد الوهات من الرجال الذين نتذكر بخصوصهم جملة السيد الهادى العبيدى : " ان اليوم ليس يوم الشيوخ بل هو يوم الشباب - غير أن هذا لا يمنع من الاعتراف بالفضل فى قيادة الشباب المتزعم اليوم للاضطلاع بأعباء حمل المشعل وتأدية الرسالة الى اولئك الشيوخ الذين تقدموه وكافحوا وواجهوا وأناروا السبيل أمامه وعبدوه " .

. حسن حسنى عبد الوهاب والتراث :

ان نظرة خاطفة ( لفهرست ) مؤلفاته وتعريفه وترجمته لاكثر من ألف شاعر تونسى تكفى لان نعتز به نحن التونسيين قبل غيرنا ونؤمن بخصوبة هذه الارض الحبيبة الخضراء التى لم تنتج الزيتون والقمح والبرتقال ونحو ذلك فقط بل هى أنتجت وتنتج أيضا عقولا من الطراز الرفيع ونوابغ من المفكرين الذين جعلوا من تراثنا ثروة وثورة . وما علاقة ( ابن خلدون ) أو ( ابن رشيق القيروانى ) أو ( ابن شرف ) أو غيرهم الكثيرين - ما علاقتهم بالتراث التونسى الا كعلاقة بعض النتائج ببعض وسائلها . لهذا علينا أن نعتز بذلك ونعرف به العالم ونضيف اليه . وعندما يتغذى الجيل الصاعد بتراثنا ويتشبع بروحه الغنية ويستقى من منابعه الثرة الزاخرة ، اذ ذاك يقر قرار علامتنا الراحل حسن حسنى عبد الوهاب . فهو ما كان ليتعب ويجاهد ويبحث ويحقق ويقارن ويمحص لولا ايمانه بأن التراث هو الدعامة الجوهرية الاولى لكل نهضة ، باعتبار أن الامس هو مفتاح الغد القريب والبعيد ومن هنا كانت لشيخنا الجليل جولاته وفتوحاته وانواره المسلطة على التراث باعتباره قيمة عقلية ووجدانية وعلمية لابد منها لمسيرة الشعوب اليقظة الناضحة المؤمنة بضرورة تركيز انطلاقتها على قاعدة ما يسمى بالبنية الاساسية أو -L'infras tructure وعندما نفهم هذا ندرك أيضا أبعاد الالتفاتة الرئاسية من المجاهد  الاكبر الذى قال منذ سبعة أعوام : " أعبر عن شكرى للاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب ، على المجهود الجبار الذى يقوم به فيما يخص احياء الاثار التى تبرهن على المدنية العتيقة الراسخة منذ قرون فى هذه البلاد ، وأؤكد له أن عمله هذا يساهم مساهمة كبرى فى بناء تونس الجديدة ، لانه لا يمكن بناء مدنية قوية متينة بدون أساس متين "

وقد تجسم ذلك الشكر الرئاسى فى ( 7 نوفمبر وهو " يوم الثقافة " ) فى اسناد ( جائزة بورقيبة ) الكبرى اعترافا بالفضل لذويه واكراما للفكر وحثا على احلاله المكانة القيادية التى لم يخلق الفكر الا لها والتى بالفكر النير فقط كان ويكون تبريرها المنطقى وشرفها وفعاليتها الحق . .

اشترك في نشرتنا البريدية