فتحت عينها فجأة . انهمرت خيوط قليلة من نور تعاكس جفنيها . أغمضتهما وألم جبار يستفزهما . حاولت التحرك . رفعت قليلا جسمها المنهزم على الفراش كعربة مفككة . عاد رأسها يسقط على الوسادة ودوار فظيع يلفها. سكنت لحظة . فتحت عينيها مرة أخرى ببطء . واجهتها الأسرة البيضاء مصطفة فى خط عامودى يوحى بالقنوط.
عاودت المحاولة مرة أخرى . استطاعت أن ترفع جذعها قليلا . بقيت ترمق باستغراب ما حولها . هتفت بالرغم عنها : أين أنا ؟ أين ؟
ضحكت فتاة قد انكمشت فوق سريرها وهي تفرك اذنيها فى مرونة واندفاع :
- أين أنت ؟ فى مرتع العقلاء يا مولاتى . - ماذا تقولين ؟ من أنت ؟ - انا سيدة العقلاء أحرس هذه الربوع
أخذت تصرخ بعنف وقد داهمها ضيق مميت . دخل ممرض متلفعا بالأبيض هتفت والعرق يتصبب من جبينها وبدنها الساخن: - أين أنا ؟ ولم أنا هنا ؟ ماذا أفعل ؟ - نحن فى مستشفى . أنت متعبة الاعصاب في حاجة الى مهدئ. صرخت بجزع : مستشفى المجاذيب ؟
قالت الفتاة مصفقة : قلت لك مرتع العقلاء . المجانين خارج هذا المكان يتقاتلون على الدنيا . هذا مكان للعقلاء فقط..
حاولت الاندفاع من السرير . ردها الدوار ويد الممرض الصلبة . ارتمت فى ارهاق على الفراش خائرة القوى . اهتز جسمها وتقلصت عضلاتها والابرة تدخل فى مكان ما من مؤخرتها.
- مهدئ للاعصاب سيريحك .. نامى الآن
انتفاضة الموت هذه أم رعشة ما قبل بداية الحياة ؟ استسلمت بالرغم للهجوع . حين يجن الجنون يصبح الوجود لعنة شريرة تبحث عن مستقر فى فكر الشيطان..
تقلص وجهه فى مخيلتها وارتد بعيدا ليستقر فى ركن قصى منها . طردته بعنف والعالم يتقهقر مخلفا كتلة من عذاب ويأس وضياع . ان كان الله قد جن فى سماه ، فكيف لا يجن البشر ؟؟
استلقت جنبه فوق الفراش وهو يعانقها . راحت شفتاه تجوبان جسمها العارى . تقبلان كل قطعة فيه . تهدجت انفاسه وتلاحقت دقات قلبها وكل ما فيها ينفتح حبا . همس بصوت حار يحرق الكون فى طريقه : أحبك .. أحبك ضحكت بمرارة وهي تدفعه عنها بقوة . استوت جالسة ترتعد غضبا . بقى ينظر اليها متسائلا.
- لقد اكتشفت كل شئ .. قال والامتعاض باد على محياه : ماذا كل شئ .. - الاسم الذى اعطيتني اياه ، هو ليس باسمك الحقيقي .. غلط - ماذا ؟ - عملك ، كذبة أخرى . لست مجرد موظف انما أنت رئىس مدير عام لشركة . شركتك أنت وهدا الثراء المدمر يشهد على ذلك . كنت أعرف هذه الحقيقة من الاول فآثار المال والجاه لا تخفي.. - ماذا.. - زوجه اجنبية وأولاد . طبعا بأموال الزوجة أسست الشركة ووقف المتهالك على قدميه.. - وماذا أيضا ؟ - الباقى تعرفه . سافل منحط وغادر يستحق القتل . اني اكرهك .. لا بد أن تكون حياة الاثرياء كذبة سافلة تطحن البؤساء ؟
ارتمى عليها ثانية محاولا ضمها اليه . دفعته بضربة قدم على صدره . صرخ وعيناه تتقدان نارا :
- لم أنت هنا اذن ؟ ماذا تريدين ؟ - ماذا لو كنت صريحا معى ؟ آه لكم كرهتك .. - لا تخادعي نفسك كثيرا . أنت تريديننى . كل قطعة فى جسدك تنبض بالرغبة إلى . لا يهم بعد تلك الشكليات السخيفة .. - لا شئ يمنعني من الاعتراف بأنك سافل .. - كنت تتجسسين على.. - لو أردت معرفة ما يجرى فى رأس الطير المغرد فوق الشجرة لما اتعبتني معرفة ذلك . لن أبقى مع رجل وأنا أجهل هويته..
انقض عليها فجأة . شعرت بأسنانه . تنغرز فى جسمها توشك أن تمزقه . دفعته بغيظ وحنق وقع على قفاه . قفزة وكانت واقفة مستندة الى الحائط.
نط نحوها ثائرا . حدته بنظرة صامتة . "شرسة أنت لكنك عذبة " قبلها بوحشية ضارية . كاد الحائط يسقط من ضراوة القبلة . استسلمت لحظات للقبلة المثيرة . ابتسم في ظفر ويداه تعتصران خصرها . ابتعدت عنه فى هدوء . رفعت يدها وصفعته على خده بكل ما لديها من طاقة متمردة ، ناقمة ، حاقدة. صرخ فاقدا وعيه .
- ترفعين يدك على .. اخرجى من هنا . أخرجى ..
اندفع نحو المشجب . جمع بحركات عصبية ثيابها المعلقة به . أخذ ما تبقى منها على الكرسي . كورها وهي ترمقه صامتة راح الى النافذة . القى بالثياب فى الشارع بضربة عنيفة قاسية . عاد يقف قبالتها ضاحكا :
- اذهبى ، ابحثي عن ثيابك فى الشارع ان أردت . هيا اخرجى . . - اجننت ؟ هل اخرج عارية ؟ ماذا فعلت أيها الوحش المعتوه ؟ - لم لا ، عقاب يليق بجاسوسة . قليلا من التحدى ويمكنك الخروج هكذا الم تقولى انى سافل . لذا انتهز فرصة سفالتى . لن تذهب الصفعة هباء . - انت مجنون .. مجنون
ارتمت عليه والقهر يشرخ صدرها . سبقها الى التقدم . انهال عليها صفعا . دفعها نحو الباب صارخا بهستيرية جنونية. كان الوعى قد تلاشى تماما فى رحاب الضياع . عاصفة من الجنون هبت اقتلعت جذور العقل من منابتها. جنون منقض عاجل لا يترك فرصة للتراجع. نزلت من العمارة الشاهقة تجرى . وقفت فجأة وجسمها العارى ترشح مسامه بجنون كافر . امرأة عارية . . يا للهول ! " أى شيطان كلف بحراستها وتتبع خطاها . قهقهت وكل ما فيها يعوى بشراسة : " ألم تكن حواء عارية حين نزلت الأرض " " الى أين ذاهبة ؟ " " الى الجنة أنضم الى الملائكة ،
تسمرت أمام باب العمارة وقد بدأت الدنيا تتشابك فى نزاع فظ . الاشجار الرصيف ، الارض والسماء والاشباح الذاهلة وهي تندفع نحوها . دوامة تتسع . تتسع وهي ترتجف . تبكى ضاحكة.
من يتجرأ على الاستخفاف بالجنون بعد اليوم .. لكن الى متى تفرض هذه الحياة اللعوب علينا نفسها ؟
قالت الفتاة وهى تنظر من النافذة:
- حديقة المستشفى ملآى بالضفادع . أنا اقضى وقتى أتسلى بالنظر اليها..
حاولت النهوض لتذهب الى النافذة . لم تستطع . الدوامة ما زالت تلفها. عادت رأسها يسقط على الوسادة رغما .
- هل تحبين الضفادع ؟ - هي أكلة الاثرياء . يهوون الضفادع لانهم ضفادع . حتى هو أكلها يوما فى مطعم أبيها الباريسى . اكلها ايام كان متسولا وهي تغدق عليه الاموال ..
- حلمت البارحة اني أركب ظهر ضفدعة طائرة فى الهواء . أخذت أتبول على رؤوس الاغبياء فى فرح وغبطة . اعتقد الناس انها أمطار نزلت استجابة لدعائهم وطلبهم الغيث النافع . لكنها فى الحقيقة كانت بولا . بولى أنا . - زمن واقف على قرن ابليس لا يستحق غير ان نتبول عليه جلوسا .. - أأنت ثرية ؟ يا للسؤال الذي كلفني هذه الاستراحة فى عنبر العقلاء ..
أول ما اغرانى به الثراء الفاحش المحيط به . بديع هو لكن المنصب ، والسيارة الفخمة والمال المنساب بين يديه زاد من روعته . لم يكن مجرد رجل عادى . انما كان طبقة راقية أهفو اليها ، وحياة زاخرة بالرفاهة والرفعة . طبقة ارستقراطية يذوب العمر رخيصا للوصول إليها . الحب معه ليس جنسا ضما وعناقا ثم يقظة متعبة تخشى محابهة الواقع ، بل طبقة .. وطموح .. وحياة حقا ..
وأنا شريفة جائعة من اسرة محترمة عريقة في الحقد والاستغلال والفقر ايضا .
- اذن ما الحل ؟ - اى حل يرجى لحالتنا هذه ؟ لن تصبح أبدا آدميا كما ينبغى . ! - ماذا ! ! وهل لا أصبح آدميا الا اذا كانت لى سيارة فخمة وشقة فاخرة ورصيد فى البنك.. - أعتقد ذلك.. - نستطيع أن نكون سعداء دون أن نملك شيئا من هذا . نقنع بما نستطيع الحصول عليه . نعيش حسب امكانياتنا .. - حسب امكانياتنا يعنى سعداء بمليم ونصف - السعادة في القناعة ليست فى المال - فى منطق المتسولين - اسمعينى .. - نبقى ننظر الى الناس يعيشون فى رخاء ونحن نسبح لهم من بعيد . ندعو لهم بالتوفيق . القديسون الزاهدون في الحياة ماتوا . التحقوا بالمسيح منذ زمن بعيد .. - التعاون المشترك ، التقسيط..
- لو يقينا العمر نعمل ليلا ونهارا .. نجمع نقودك ونقودى لمتنا قبل أن نتحصل على ثمن سيارة أو فيلة محترمة ..
- قيمة الانسان ليست في امكانياته المادية ، انما فى أخلاقه وقيمه ..
- أوف . . يا للحديث الذي يسمم الدم . الاوغاد حشوا بالاموال مناخيرهم وعيونهم وأيورهم وكل ثقب فى أجسامهم ، وأنا اظل اعلك القيم التى ما احيت بعوضة . كن واقعيا ودع المثل العليا للسفلة يقتلوننا بها . .
- أكره أن أغير رأيي فيك..
- وأنا اكره الفقر والحياة التى لن تكون سوى معاناة وتقشف سام . الحب ترف لا يحوز للفقراء التفكير فيه . متى سننعم بالعدالة الاجتماعية ؟ وهم لن يجد طريقه فى هذا البلد .
انطلق الدكتور نحوها ونظاراته تسابقه العدو.. اهدئي ما كان يجب أن . - انا ذاهبة.. لابد من الخروج سريعا . سريعا.. - لكن الى أين ؟
- سأجمع الضفادع من الحديقة . أبيعها الى الضفادع . هي الطريق الوحيد الذي سيوصلني إلى الثراء . ان فكرت يوما فى أكلة شهية من الضفادع ، تعال الى . لن يكون ذلك مجانا طبعا . بل سيكون غالي الثمن .. أليست فكرة رائعة . كان يحب ان آتي الى هنا كي اكتشف الدرب الموصل الى الثراء بعد أن قضيت العمر أتخبط فى طريق مسدود.
العمل الاداري.. المرتب ، المنح ، مهزلة المهازل . أسمعت يا سيدى بمهزلة التقسيط ؟
مشروع سكنى بالتقسيط . أثاث بالتقسيط.. بيع ، شراء بالتقسيط.. ما على بعدها الا أن اختطف نسيمات الحياة بالتقسيط أيضا . وأموت ان شئت بالتقسيط .
فى هذه المدينة لم يعد الناس يموتون دفعة واحدة ، بل يلفظون أنفاسهم بالتقسيم . كل شهر يموت فيهم عرق نابض الى أن يصبحوا في يوم ما كتلة عروق ميتة يومها تكون قد سددت فاتورة الحساب .. الا العذاب يأتي بالجملة صاعقا قاضيا لا يرحم .
أين موضع المرتب الضئيل ؟ الادارة مقبرة كبيرة تمارس فيها السلطة هواية الموت بالتقسيط ، انما التجارة . . فحرية ومال واستخفاف بالسلطة ..
لقد اشترته الفرنسية بصحن ضفادع . والدها يملك أكبر مطعم مختص بالضفادع . بأموال الضفادع اشترت عربيا وأنا بسياسة التقشف والتقسيط لم أجد ولو كلبا مجوسيا..
ترى هل هناك رب واحد لجميع العالمين ، أم هناك رب لكل طبقة من الطبقات الاجتماعية . رب لكل بلد ؟
ربما المسيحية لها الاه ثرى يوزع الحظ على آكلى الضفادع ، وأنا لى الاه عربي ما بيده غير الفقر والجفاف والعيش بالتقسيط ..
تلك ممرضة . . ذاك دكتور يشكو السقام اكثر منى . وأسرة بيضاء وأدوية . امرأة تبكى . أخرى تضحك . ومخدر يرى في الدم يشل الحركة ويلوث الدماغ وعالم يضمحل ودنيا من الضباب تبزغ . تغرقنا فى ظلامها . والنهاية تقترب. والجنون الكثير ، الكثير من الجنون.
لا أريد مسيحيا ولا عربيا ، سأمتطى ظهر الضفدعة لتحملنى الى الجنة ، انظر هل هناك عدالة اجتماعية وفوارق الطبقات ، و . .
" جنت الفتاة حقا " .
دفعت الايدى الممتدة نحوها صارخة . اندفعت وسط القاعة الفسيحة . اصطدمت نظراتها بالاشباح البيضاء وهي منكمشة بذعر فوق الاسرة . نظرت الى جسدها . كانت ترتدى هى الاخرى قميصا أبيض فضفاضا . أخذت تمزق القميص بغل أخرس . تقدمت نحوها الخطى . ارتطم رأسها بحافة السرير. فتحت الارض أرحامها لتبتلعها . وقعت والصرخة تلهث فى صدرها " ادفع ضفدعة . تشترى عربيا . كل ضفدعة . تقتل مسلمة من بلد التقشف " .
عادت العاصفة تجتاحها بتيارها الجارف . غاصت في شرانقها وقد تهيأ لها انها تسمع نقيق ضفدعة آتيا من الحديقة يهمس في أذنها نائحا " انتهت الحياة التهمتها الضفادع .. فاسجدى لمعجزة الضفادع" ..

