الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "المنهل"

حضارتنا في عصرها الذهبي

Share

- ١ -  نحن العرب الذين نعيش في هذا العصر ، اهلتنا الثقافة الغربية ، عن استيعاب تراثنا وحضارتنا العربيين الاسلاميين الحافلين ، وغمرتنا الكتب المترجمة عن للغات الاوربية ، فى بحوث حضارتهم وحضارتنا ، وكانت وما زالت هذه الكتب تحمل بين ثناياها روحا من تشويه الحقائق بالنسبة لحضارتنا ، نابعة من روح الصليبية التى طغت منذ اكثر من ثمانمائة عام على القوم راضين أو كارهين . .  وقد نتج عن انغمارنا في سيل الاستعمار  الثقافى ، ان قللنا ، من شأن ذلك التراث

المجيد الباهر الذي خلفه اسلافنا وصدفنا

عنه زمنا مديدا . . فكان فى ذلك خسارة لا لنا وحدنا ولكن للحضارة العالمية الحديثة التى انبثقت من تلك الحضارة الزاهرة الخالدة ..

واعتقد أن ما منينا به من غرام لكتابات المستشرقين والمستغربين هو من نوع المرض الذي يصيب الضعفاء ، واننا متى استكملنا ادوات التحرر العقلي ، فسوف ننطلق من  عقال هذا الوهن وحينئذ ندرك اية حضارة مجيدة كون العرب والمسلمون في سالف الايام . .

ومن لا ماضي له لا حاضر له . . فالماضى  هو الحافز وهو المجهر الذي يضئ آفاق المستقبل . .

واعتقد كذلك ان التراث العربى الاسلامي لو نبث بحق . . ونشرت كتبه وموسوعاته الخالدة لكان من ذلك ربح عظيم لحضارة اليوم اجمع . . كما اننا بذلك سندرك اصولها ومنابعها من كتب . . تلك الاصول والمنابع التى سعى الغرب عن قصد مبيت  لطمس معالمها واخفائها بعد الافادة منها . . كل الافادة فيما يضطربون فيه اليوم وقبل  اليوم من مبتكرات علمية ومستكشفات

- ٢ - اذكر انني كنت قرات في بعض كتب الادب والتاريخ العربي ، ان أحد اعلام العلماء العرب ، قد الف كتابا سماه ( العالم )

فى مائة مجلد ، بحث فيه كل شئ . . في

العالم . . من الشمس الى الذرة . . فأين نحن من هذه الموسوعة العربية الاولى الحافلة ؟ واذكر ان بعض المؤرخين المحدثين وهو الدكتور " هو - لين - لى " المولود في الصين وخريج جامعة هارفارد ، واستاذ علم النبات في جامعة بنسلفانيا قد اثبت ان استكشاف امريكا من قبل خريستوف كلومبس ، كان مسبوقا باستكشافها من قبل جوابي العرب وفي بعض الكتب الحديثة انه على ضوء كتب اطلع عليها لهم اقتنص الفكرة  وعلى نهجهم سار حتى حقق الأمل العظيم .

- ٣ -  ومن يقرأ الكتاب الذي نشرته حكومة الكويت ، اخيرا ، مشكورة ، ضمن ما

تنشره من السلسلة التى اسمتها : ) التراث العربى ( وهذا الكتاب هو كتاب " الذخائر والتحف لمؤلفه القاضى الرشيد بن الزبير من أهل القرن الهجرى الخامس - اقول : من يقرأ هذه التحفة العجيبة الجامعة لما كان يخفى علينا وعلى امثالنا من مظاهر عظمة حضارة العرب والإسلام فى عصرها الذهبي ير العجب العجاب . . من استبحار هذه الحضارة ، وعظمتها ، وتقدم العرب الخارق واستيلائهم على زمام المدنية في تلك  العصور ، كما يشاهد ركود الغرب وامتهانه لنفسه ، وتبعيته للعرب والمسلمين فيما يسنون وفيما يتعاطون من مظاهر الحضارة  وفنونها كما يشاهد تقديره واعترافه  بتفوق العرب والمسلمين في هذا الميدان  وناهيك بأن اباطرتهم وملوكهم كان همهم  ان يخطبوا ود خلائف العباسيين وان يبعثوا  لهم بالجوائز والهدايا ، والتكرمات الفائقة استجلابا لخواطرهم ، وارضاء لعواطفهم   كما يفعل التابع بالنسبة للمتبوع والضعيف المتهاوى بالنسبة للقوى المتشامخ . .

وفي هذا الباب سأروى لكم حديث مهاداة ومكاتبة من هذا القبيل ابتدات بهما  امبراطورة من امبراطورات الغرب ، الى الخليفة العباسي المكتفى بالله ابى الحسن وابى محمد على بن المعتضد احمد بن ابي احمد الموفق بن المتوكل ابن المعتصم العباسى . . وكانت تلك الامبراطورة التى تقدمت بعرض الى هذا الخليفة العظيم ، ترجوه ان يطلب أى شئ يريده فى مملكتها المترامية لتقدمه اليه ، عن رضا وامتنان ، كما تهديه فى نفس الوقت انفس الهدايا الموجودة فى بلادها على يد امين لديها عربي ارتضته  لهذه المهمة وانتدبته لمباشرتها دون سواه من

بني جلدتها ، ثقة منها بإخلاقه وفضله وعقله دونهم . . وقد حملته رسالة خاصة ، أظنها  ) شفوية ( على جانب كبير من الاهمية ، وهى تتمثل فى خطبتها للمكتفى ، ورغبتها فى ان يقترن بها . .

- ٥ - وكانت الرسالة مؤرخة فى سنة ٢٩٣ ه . . . وقد حملها على خادم الملكة الإمين الذي كانت اسرته وهو على رأس حملة بحرية جردها زيادة الله بن الأغلب من القيران على  بلاد الملكة الرومية ، فمكث عندها اسيرا سبعة أعوام ، ثم وثقت به كل الثقة وارتضته للقيام باكبر مهمة سياسية اذ ذاك بالنظر اليها . .

وقد روى المؤرخون ان المكتفى بالله كان شابا وسيما جميلا بديع الجمال معتدل القامة ، دري اللون ، اسود الشعر ، وتوفى عن واحد وثلاثين عاما ودامت خلافته ست سنوات ونصف السنة ، وكانت وفاته بالمرض في ذى العقدة سنة ٢٩٥ ه . .

وقد قال في جماله احد اعيان الادباء وكان ابان زوجته عن نشوز وعقوق :

قايست بين جمالها وفعالها

فاذا الملاحة بالخلاعة لا تفي ) ١ (

والله لا راجعتها ولو انها

كالبدر او كالشمس او كالمكتفي

يقول صاحب كتاب الذخائر والتحف : " واهدت برتا بنت الاوتارى ، ملكة  الافرنجة وما والاها الى المكتفى بالله ، مع على الخادم ، أحد خدم زيادة الله بن الأغلب  سنة ثلاث وتسعين ومائتين ، خمسين سيفا  وخمسين ترسا ، وخمسين رمحا فرنجية

وعشرين ثوبا منسوجة بالذهب ، وعشرين خادما صقلبيا ، وعشرين جارية صقلبية ، حسانا لطافا ، وعشرة اكلب كبارا لا يطيقها السبع ولا غيره ، وسبعة بزاة ، وسبعة  صقورة ، ومضرب حرير بجميع آلته ، وعشرين ثوبا معمولة من صوف يكون فى صدف يخرج من قصر البحر هناك ، يتلون  بجميع الالوان كقوس قزح ، يتلون لونا فى كل ساعة من ساعات النهار ، وثلاثة اطيار تكون ببلاد فرنجة ، إذا نظرت الى الطعام والشراب المسموم صاحت صياحا منكرا وصفقت باجنحتها ، حتى يعلم ذلك ، وخرزا تجذب النصول والازجة بعد بناء اللحم عليها بغير وجع "

- ٦ - هذه هي جملة هدايا الملكة الرومية الى  الخليفة العباسى ، ولا بد انها كانت تستقلها بالنسبة لما وقر في نفسها وانفس قومها من عظمة مقام الخلافة العربية الاسلامية في بغداد ، يدلنا على ذلك فقرات في رسالتها الى المكتفى بالله . . فهى تقول له : " فاعلمني  - أي على - انك ملك على جميع الملوك " - وتقول : " وقد بعثت معه هدايا مما في بلدى وجعلتها تكرمة لك واستجلابا لمودتك  . . ثم لم تكتف بذلك بل قدمت تعريفا لنفسها وسعة ملكها بالنسبة لملك الروم المقيم بالقسطنطينية ، فهي " اوسع منه  سلطانا واكثر جنودا ، لان سلطانها على  اربع وعشرين مملكة ، كل مملكة لسانها  مخالف للسان المملكة التى تليها ، وفي  مملكتها مدينة رومية العظمى " . . ثم  تعرض عليه السبب الحقيقي الذي جعلها   تتودد اليه وتهاديه اذ تقول : " وانا اسال  الله العون على مصادقتك والصلح بيننا ما  احببت من السنين ، فان الامر في ذلك اليك

والصلح شئ لم يطلبه احد عن اهل بيتي ولا    قراباتي ولا جنسي قط "

- ٧ - وهنا سر ، ارسلته الامبراطورة الغربية  على لسان سفيرها " على " الى الخليفة . . ذلك انها كما قلنا انفا ترغب في ان يقترن  بها . . ولا بد انها سمعت عن جماله الشئ  الكثير فاستهواها الجمال اليعربي ، كما   سمعت عن مدى عظمة خلافته فاحبت الاقتران  به من هذه الناحية السياسية ايضا  . . ولا بد انه استجاب لها فقد حمل سفيرها فى ايابه جوابه الايجابي  " الشفهى " على فكرة الملكة برتا ، حيث  اختتم رسالته إليها بقوله    السر الذي ذكرت ايداعك اياه " ويحمل في   جوابه ما يؤديه باذن الله "

فهذه الجملة على ما نفهم ونستنبط هى  جملة ايجابية تكاد تكون صريحة واضحة وان كانت من باب الكنايات الملائمة للموقف واذا تتبعنا التاريخ فاننا لا نجد ما يدل على ان امر الزواج بين المكتفى بالله والامبراطورة برتا ، قد تم .  وربما حالت عوائق دون ذلك . . من اهمها موت خادمها وسفيرها في طريق عودته   اليها . . فقد يكون الكتاب الذي معه من الخليفة ضاع بموته ولم تتشرف برؤيته  الملكة ، كما نعلم من ثنايا التاريخ ان المكتفى  قد توفى بعد هذه المكاتبة بعامين اثنين فقط  وان حوادث القرامطة شغلته كثيرا فقد جهز عليهم الجيوش تلو الجيوش . . وربما تكون الملكة التى لم تصلها رسالته الجوابية قد شغلت بحوادث مماثلة عن اتمام مراسم الزواج منه . . مع أن العرض والقبول  أول مراسم الزواج قد تما بينهما بما  المكتفى بالله واعرب عنه لرسولها

- ٨ - وبعد فهذا ما يقول صاحب كتاب الذخائر  والتحف في ملابسات حادث هذه السفارة  العجيبة . . ولعل من الخير للقراء ان  نرويه لهم لما فيه من متعة وفوائد :  " روى المؤلف عن ابي عبد الله بن عبد  الله الاصبهاني كاتب ابي يعلى الحارث بن عبد العزيز انه قال : كنت في المعسكر مع المكتفى بالله قد شخصت لشخوص الوزير العباس بن الحسن ، فطلب السلطان من يترجم الكتاب ، وكان فى خزانة الكسوة ، مع بشر الخادم ، فرنجي يقرأ كتابة اهلها ،  فاحضره ذلك الخادم ، فقرأ الكتاب وترجمه  بكتابة الرومية ، واحضر اسحاق بن حنين  فترجمه بالعربية من الرومية فاذا فيه :

" بسم الله الرحمن الرحيم . حفظك الله  بسلطانه ، أيها الملك ، الجيد العهد ، القوى السلطان ، من كل اعدائك ، وثبت للك ملكك وادام سلامتك ، فى بدنك ونفسك منذ  الآن الى الابد . انا برتا بنت الاوتارى ،  الملكة على جميع الفرنجيين ، اقرا يا سيدى   الملك عليك السلام . انه جرت بيني وبين  ملك افريقية صداقة ، لاني لم اكن أتوهم  ان ملكا يكون فوقه يملك الارض الى هذه   الغاية .

ان مراكبي كانت خرجت ، فأخذت  مراكب ملك افريقية ، وكان رئيسها خادما له ، يقال له على ، فاسرته ومئة وخمسين  رجلا كانوا معه فى ثلاثة مراكب ، وبقوافى ملكى سبع سنين ، ووجدته عاقلا فهما .  فأعلمني انك ملك على جميع الملوك . وقد كان صار إلى مملكتى خلق كثير ، فلم    يصدقني منهم عنك الا هذا الخادم الذي    يحمل اليك كتابي . وقد بعثت معه هدايا

مما فى بلدى وجعلتها تكرمة لك واستجلابا   لمودتك  ) وهنا عدد ت الهدايا على نحو ما اسلفناه لك ( . . ثم قالت : " وعرفني  ان بينك وبين ملك الروم المقيم  بالقسطنطينية صداقة ، وانا اوسع منه  سلطانا واكثر جنودا ، لان سلطاني على اربع  وعشرين مملكة ، كل مملكة لسانها مخالف للسان المملكة التى تليها . وفي مملكتي  مدينة رومية العظمى ، والحمد لله ، وقال لى فيك قولا حسنا ملأ به قلبي مما انت  عليه فى امورك . وانا اسال الله العون على  مصادقتك والصلح بيننا ما احببت ) بفتح  التاء ( من السنين . فان الامر فى ذلك  اليك . والصلح شئ لم يطلبه احد من اهل بيتى ولا قراباتي ولا جنسي قط . ولم يكن احد يخبرني عن جيوشك وكراماتك التى   انت فيها على ما اخبرني به الآن هذا الخادم الذي ارسلته اليك ، فعليك يا سيدي  فى محبة الله اكثر السلام واكتب الى ،  بصحتك وفي جميع حوائجك في مملكتى  وبلدى مع على هذا الخادم ، ولا تحبسه قبلك  ليجيبني عنك ، فانى متوقعة لموافاته ، وقد  حملته سرا يقوله لك إذا رأى وجهك وسمع  كلامك . ليكون هذا السر بيننا ، لا احب  أن يقف عليه احد غيرك وغيرى وغير هذا  الخادم . وعليك سلام الله وعلى جميع من  معك وكبت الله عدوك وجعله وطء قدمك .  والسلام (

- ٩ - ولقد افادنا صاحب كتاب الذخائر والتحف ان عليا الخادم قدم بالهدية من ملكة افرنجة وبكتابها الى المكتفى بالله وبرسالة خاصة  منها لم تكن في الكتاب لئلا يقف عليها احد سوى الخليفة . . ووصف المؤلف الكتاب  بانه كتب على حرير ابيض ، والخط يشبه  الخط الرومي ولكنه احسن استواء منه .

اشترك في نشرتنا البريدية