يسر " الفكر " أن تقدم لقرائها فى هذا العدد وفي الاعداد القادمة نماذج من تراث الكاتب التونسى مصطفى آغا ، وهي اذ تنشر للاديب التونسي الراحل بعض ما انتجته قريحته فانها تخدم بذلك الادب التونسى الذى ما تزال عيون منه مندثرة فى المكتبات الخاصة تنتظر من يقفز بها الى المطابع فيعرف بها التونسيين وغير التونسيين الذين يسمعون الكثير عن مصطفى آغا وامثال مصطفى آغا ولا يتمكنون من الظفر بانتاجهم والتمتع بافكارهم
ولقد نشرت للأديب الراحل منذ سنوات بعض المقالات يساجل فيها ابا العلاء ويقارعه وهي طريقة ممتعة تدل على معرفة الكاتب والشاعر للمعرى وتظهر مقدرته وطول باعه . ونحن اذ نمكن القراء من هذه العينة لا يسعنا الا شكر ورثة اديبنا على تمكينهم ايانا من بعض المقالات المخطوطة ومساهمتهم فى نشر الانتاج التونسي . الفكر
اليكم أيها القراء الكرام ، نبذة من خلائق المدام ، حديثا بين اثنين ، او مناقشة بين ضدين ، رجل أقلع وتاب ، وآخر عكف عليها وأناب
الثاني : وكلما زدت كأسا ينشرح صدرى ، ويأتينى البسط من حيث أدرى ولا أدرى ، ويتزايد شوقى الى وجه الحبيب ، ويخيل الى انى سأراه فى القريب ، واستمر فى هذا الرجاء ، حتى ينهزم جيش الدجى
الاول : ومتى كان الانتظار من اللذات ، يا أخا الكاسات .
الثاني :لم أكلمك عن الانتظار المريب ، الذى يعترى من ارتشف كاسات اللبن الحليب ، بل حدثتك عمن سقاه وابل من دنان ، فابتعد عن حضيرة الانسان .
الاول : الى أين هذا الابتعاد الروحانى ، يا أخا القنانى ، اصعود الى ملائكة الرحمان ، أم نزول الى أواسط الجان ، أم حشر مع الحيوان ، فان كان هذا الابتعاد ، قربا من ام عامر وأبى زياد ، فهو لعمى نزول من علياء المكرمين ، الى حضيض العبر والضئين . فبئس الارتحال ، وسحقا لهذا الانتقال ، وهذه النقلة السعيدة ، هي الى اصناف عديدة ، أالى قبيلة الطوارى الجارحة ، أم الى فصيلة البهائم السائحة ، ام الى طائفة الزواحف ، ام الى قبيلة السلاحف ، فان كنت من القسم الاول فانت قرم . مهول ، وان كنت من الثانى فمستضعف مأكول ، وان كنت من الثالث فأنت خطير ، وان كنت من الرابع فأنت قذر ، فاختر من هذه الاصناف ، ما يحلو لك يا اخا السلاف ، اما التحاقك بالجان ، فاعوذ بالله من الشيطان ، ألم يكفك ما يحدثه الرحيق ، فى احشائك من حريق ، حتى تطلبت الاقتراب من النار ، غير حاسب ما ينجم عليه من الاخطار ، واما التحاقك بالملائكة الكرام ، فهى منزلة عليك حرام ، فللادعاء عواقب وللسماء ثواقب .
الثاني : لعمرك لست بالقرم المهول ، ولا المستضعف المأكول ، ولا بالخبيث الخطر ، ولا بالعاجز القذر ، بل رقيق الاحساس ، لين المراس ندى الكفين ، سالكا اقوم النجدين ، ميال الى الهوى ، صبار على الجوى ، جبار للقلوب ، متساهل مع المحبوب ، تنقصني ظواهر المحاسن ، فلا أفرق بين سلسبيل وآسن ، يعجبني كل ما يقال ، وان كان غير ذى بال وتطربنى كل نادرة ، من أى مصدر صادره ، وتضحكنى كل فكاهة ، صدرت عن نباهة او بلاهة ، فهل بهذه الصفات ، تتصف الحيوانات
الاول : انى اراك تتكلم على أوائل الانتشاء ، وتتصوره كما تشاء ولكن عند التمام . يحدث الخسوف والظلام ، ولئن بهرتك أشعة هلال مدامتك فبدره سبب خيبتك وندامتك ، وهكذا اذا هبت صبا الصهباء ، فان خاتمته النكباء ، وان ظللتك غمائمه المتناسقة ، فذلك انذار يقرب الصاعقة ، وعندها تبتعد عنك الانسانية ، وتقترب منك الحيوانية فتكون تارة شرها أكولا ، واخرى مستضعفا ماكولا ، وآونة خطرا من رقاعتك وبذائك ، واخرى قذرا مما يخرج من امعائك
الثاني : ولم تنكر هذا الحال ، والدهر كما تعلم لا يبقى على حال ، وأوائل الاشياء غير خواتمها ، وظواهر المرئيات غير بواطنها ، وأبدية الحالة مستحيلة ، يا أبا ألنزاهة والفضيلة
الاول : قد تبين الآن أيها الغر ، انك تشترى نصف الشر بكل الشر سعيد من يقضى يومه بين يقظه وسنه ، وجثته هامدة عفنه .
الثاني : أسمع الآن ما أقول ، أيها ألاعمى المهول :
انما الخمر حياة فاغتنم هذى الحياة
ونعيم الدهر ناد فيه راح وفتاة
وقيان صادحات اطربت بالنغمات
ورجال أدباء وغلاة لا زناة
وكؤوس الراح تجرى فوق راح الجاريات
مالها من مستقل قبل طمس النيرات
قسما لو يكون في الخمر صفة واحدة ، لجلت هبة وعظمت فائدة ، اعنى انها شفاء لاهل الهوى ، وأكبر سلوى وانجع دواء ، فكم اشغلت صبا عن عشيقه وحادت به عن طريقه ، فتضاءل ذلك الخيال ، وتراجع بدره الى هلال ، ثم تناقص حتى صار فتيلا ، ثم غاب فلا خيال ولا خليلا ، وبات خلى البال ، من الاصل والخيال ، واكتفى بمحاسن من حضر ، وعاطه وسارقه النظر ، فكيف ترى الفصل الاخير ، يا أخا الوعظ والتحذير
الاول : أرى انك لم تدر الهوى ، ولم تذق طعم الجوى ، ولم تحدث سهام الصبابة ، بفؤادك ادنى اصابة ، ولو احدثت فيه اخداشا لا جراحا ، لما تناولت بعد اقداحا ، نعم ان الراح تشغل عن الاحزان ، ولكن لبس لها على الصبابة من سلطان ، بل تشعر ما خبت من لظى ، وتبيت صاحبها على جمر الغضا ، وكلما زادت يزيد الاقتراب ، حتى يكاد ان يرتفع الحجاب هذا كلام من عرف النوعين ، وخبر القسمين ، وقد اخذ عليه شاعرنا العصرى ، صاحب أبى العلاء المعرى ، فقال :
قيل فى الراح شفاء من جوى لفؤاد قد تلظى لهبا
قلت هاتوا يا ندامى قدحا علنى أبلغ منه مأربا
فاذا طيف الذى تيمنى كلما قربت كأسى اقتربا
فكأن الراح فيها روحها وكأن الحب صار الحببا
والآن والليلة قاربت منتهاها ، فهاك نبذة من حقيقة التى تهواها
هل أتاك من نبا يا أخا ابنة العنب
ان من تغازلها فى ثيابها القشب
من أتتك حالية فى الكؤوس بالحبب
شهرباء قد قطعت عدة من الحقب
من حضيض تربتها قد علت سما الرتب
مثلما علا زحل وهو أشأم الشهب

