الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

حفنة ايام من الزمن الميت

Share

الاثنين :

لقد اجتمع شيوخ المدينة ليتناقشوا فى أمر خطير . الى الآن لم ندرك ما هو : أهى محنة جديدة تحلق فى الافق ، أم مشروع نكبة فى طريقها للسقوط على رؤوسنا حتى شيخ حينا انضم الى الموكب الرهيب يقال ويقال ويقال . . والحقيقة لا من يعرف ماتاها

ننتمهل . . من الحكمة أن لا نتعجل بالرأى . . ربما فى انتظارنا فرح لم بحلم به قبلا . فى حجرة ما الآن مصيرنا يخط . وحياتنا تدرس موقفا .. موقفا . حتما هم يتشاورون فى شأننا . لقد كثر النزاع فى الحارة . وعمت الفوضى جل ساكنيها ، لذا وجب النظر في هذا الامر الشائك ، ذاك ما قاله شيخ حينا وهو يدعو الجمع بالدعاء له ، قبل أن يلتحق بالوفد

- ماذا ! ومن أولاهم الحق بتقرير مصرى ، والبت في شأني . . من أوصاهم علينا ؟ أيتشاورون ، ويتلاعبون بحياتنا ونحن لا نكاد ندرى شيئا مما يدور حولنا ؟

- وهل كان من عادتنا أن نعلم ؟ نحن الشباب لا بد لنا من القبول مهمتنا هى الانحناء . الانحناء فقط للاوامر الآتية من فوق . . من مشائخ قومنا . . انهم أدرى منا بمصالحنا وقضايانا .

- لكنها حياتنا ، لا يجوز لاحد أن يتصرف فيها دون موافقتنا . . - تجديف أهوج فى يم الخبل . الاسياد يقررون ونحن ننحني . مهمتنا الرسمية هى الانحناء والموافقة ، لا يجوز نسيان ذلك ! لكن لم التعب ؟

لنتركهم يقررون . . انها كنقوش فوق صفحة بحر هائج الموج . لن يترك العباب منها شيئا . ما الذى يرغمنا على قبولها ان لم توافق مطامعنا ؟ - لكنها الآن صفعة ومذلة لنا . الدوار يتسرب الى بدنى كله . يدفعني الى ما لا أبغي . . لم أعد أفهم ما يدور حولى !

- ومتى فهمنا ما يدور حولنا ؟ ! ! نحن فى غيبوبة ولا اخالنا سنستفيق منها ابدا . بل الاجدر بنا أن نبقى فى فخ دوارها أسرى مستسلمين ، لا أشباه مناضلين منهزمين ما نفع الصراع اللامجدى . الرتيلاء المقطوعة الاوصال لا تقاوم . انما المهم هل نحن سنبقى بعضنا مع بعض ؟ هل هناك من أمل ؟ - وما حدوى أن أكون معك أو عليك . لا تزد المياه تعكرا . . هل يذكر  التاريخ عليسة وموقفها البطولى ؟ فمن شيم التاريخ ، النسيان .

- موقف جنوني . . ربما البطولة والجنون لم يعد بينهما أى تمييز ، ما دمنا قضينا على التفرقة ، والتييز العنصرى فلا فرق بين البطولة والجنون . الجد والعبث الفداء والغباء الكل يرزح فى سفح نفس الدائرة المتشابكة

- هل من نتيجة ترتقب ؟ - ربما . . سعادتنا تكمن بين أيديهم . . الصواب هو أن نبتسم وننتظر . . - أراهم انهم فاشلون لا محالة فى مساعيهم لن يصلوا الى شئ دوننا . وستكون ، لا ، دوما معي ٠٠ لا ٠٠ لا ٠٠ لا .

- لابد أن نؤمن بالغد . . الايمان والعقيدة هما أساس العزيمة الصادقة . لو نحاول ٠٠ - كاذب . . لو أخبرتني حالا عن رأيك بصراحة عن حقيقة الايمان والعقيدة ساكون لك دون قيد او شرط . . دون انتظار مشاوراتهم وقراراتهم المجترة . .

- لكن هذه أمور يصعب شرحها فى كلمتين . ونحن نحس بوجود الله لكننا لا نراه . نسلم بوجود الحياة ، لكننا نجهل غايتها ومنطلقها ، كذلك الايمان - منطق سقيم لا يرتكز على فكرة سليمة . تنقصه الثقة ، والجدية العملية انه هروب من شئ الى قفر اللاشئ .

الثلاثاء

- ليس من طباع الاسود أن تترك أوكارها للثعالب ترتع فيها . . او تسوى أمورها ٠٠ - اذن ما العمل ؟ - سأسأل عليسة ، فبين يديها الحل

- ماذا ؟ كفى هذرا . . ألم تشعري أنك تتشبثين ببقايا عاطفة اندثرت بتشتت شمل قريش . . مازلت أتساءل لم أقدمت علىيسة على فعلتها الشنعاء ؟ أكان من الامر بد ؟ - عظماء التاريخ من اختاروا الموت سبيلا ومنطلقا حنبعل عليسة . كليوبتره ولكل ذى مجد نهاية رائعة وفظيعة - حسبنا جبنا . . لقد احتل التخاذل كل القوى . . لاجل ذلك اغتنم الآخرون الفرصة ومسكوا زمام الامر والنهى على حسابنا ، ما دمنا نحن لم نعاه نعرف الى أية وجهة نقصد .

- لقد أصبحت نصف انسان . . ونصف حيوان . . وبداخلى معركة دائمة بين هذين المخلوقين ، ولست أدرى لمن الغلبة للانسان أم للحيوان ؟ لمن لنهاية ولو أنى فى قرارة نفسي لا أؤمن بأن لابد أن يكون لكل شئ نهاية متع الامور وأشنعها ما تكون بلا نهاية - أما أنا ما زلت أتساءل ماذا أفعل كي اكون انسانا ناجحا له مكانة مرموقة الى الآن لم أصل الى ما اصبو اليه وكل مساعى باءت بالفشل .

- لكي تكون انسانا ناجحا لابد أن تتحصل على الكفاءات المطلوبة أما علمت ذلك أيها الغرير النهب الانحطاط الاخلاقي الرياء النفاق أقة تملق من حبة شذوذ ، ثم بعض من السادية تتوج ذلك ، وتتم لك الكفاءات المطلوبة . . بل ربما أصبحت زعيم الاوغاد بهذه المزايا . . التاريخ مملوء بأبطال أوغاد اغتصبوا الامجاد ، وتركوا للبله هبة الفداء . أمام كل عظيم ، أحمق أو خسيس يفتح الطريق ويعبده ثم يستشهد مزهوا حاملا معه تاج التضحية الملطخ بالدم . . الحياة يموت فى بنائها التعساء ، لينعم برغد عيشها العظماء هذا ما قاله شيخ حارتنا بعد صلاة الجمعة وقد رحت أسأله عن دور الطالع فى متاهات القدر القذرة .

- لكن كيف وصلت اليه ؟ هذه هي المعجزة الحقيقية . . ذلك العبد الاسود حارس بيته لا يترك من يقترب منه . . أصبح يرافقه حتى الى المسجد . يبعد عنه الجميع بجسارة وقحة - لقد وصلت كلبوبتره الى قيصر وقد لفت فى سجادة ليست الوسيلة المعدومة لدينا . . انما العزم ، وان قلت سأصل ، فمعنى ذلك انى سأصل

- ترى أين هو الآن ؟ أما زال . . - ما زال الجناة مجتمعين ، يقررون مصيرنا ولا من يقصيهم عن دناءتهم اذ هم يعرفون انهم قادرون على محوها ببسمة فاترة . . او كلمة معادة ، ما أسهل أن نتبرأ من قذارتنا . .

ركعة أمام جمع غفير آهة حرى ، ثم تخرج الجنازة مكللة بالوقار وما على الذئب من حرج أمام الخرفان المقطوعة الأذان ، والقرون . . ويشاع أن اليوم ليس كالامس . . والغد حتما لن يكون كاليوم . . ولا على المعتوه من عتاب والهذيان ميزة ، لا علة كما يدعى البعض وغيبوبة الحمى راحة لا يتحصل عليها الا من ثقلت كفته بالآثام ، أما خالى السريرة فسيظل كالدو الفارغ المثقوب القعر .

العاقل الآن هو من عرف كيف يظل سابحا في وادى غيبوبته الى الابد . يركن الى لوثة العصر . . لا يستفيق . لم الاستفاقة ألكى يشاهد رقصة المهرجين فى سيرك الايام .

- التهريج أصبح فلسفة عصرية . . - الفلسفة التى ينقصها التركيز والوعى المنطقي ، ليست بمنهج سوى او قل هي فلسفة انهزامية . . فوضوية . .

الفراغ يفتت أرواحهم . . لابد من اختراع مشكلة يتلهون بها ، فانكبوا على مصيره ينقبون فى خلائه القاحل ، وهم فى الواقع لا يجهلون أن مصيره لن ننحل رموزه وأنا بعيدة عن حلبة النزاع . . لكن لو عرف شيخ حارتنا انه قدم لنا جميعا خدمة جليلة لا تعوض لمات حسرة . لقد انهك قواه وأراح عقولنا . . العالم لم يعد فى حاجة لا له ولا لنا لحل نزاعاته ، وفض مشاكله . نحن لا نزيده الا مشاكل وتعقيدا . .

- يا لنا من تعساء . . نسينا أنفسنا واستبد بنا العجز حتى افتك أفراحنا واتراحنا على السواء كدنا ننسى الضحك . عمر مضي دون ابتسام . لكن

من الحتم أن ابتهج رغم كل شئ ما دام كبار حينا يتشاورون فى شأننا . لم أكن احسب اني خطير لهذه الدرجة . - ومن قال لك : إنك خطير أيها الابله انهم لا يتشاورون فى شأنك كما تتوهم ، بل انهم يتنازعون مصالحهم يتقاتلون على الغنائم التى لن يكون لنا فيها أى نصيب ٠٠

- وما تكون نحن اذن . . . وما قيل ... ؟ - لا شئ . حرف معوج ، رسمته يد لاهية . طمسه الحبر فلم يعد يظهر منه غير نقطة مشوهة بلا معنى ! - اذن مأساتنا تحتاج الى قضية عاجلة . ساقدم شكواى الى ذلك العبد لفظ ليقدمها الى سيده ما دمت لا استطيع أن أقترب منه لا بد ان يهتم بأمرى جديا ، وعاجلا . . لابد . .

- الشئ الوحيد العاجل في هذا الحي ، هو الخيبة . فهى لا تترك لك فرصة التأحيل ، او المراوغة أبدا . الخيبة بكل معناها المنمقة المدبجة . أما ما بقى فمؤجل لا يدخل فى بوتقة الزمن الميت

الاربعاء

أمل آخر يموت . وأمان أخرى تغيب خلف متناقضات الاحداث والساعات تعدو . تدوس ما حولها بلا روية ، او اشفاق كما داس اكتافيوس على جمال كلبويته الذاوى ، وقرر فى لحظة غرور أن تكون ضمن قافلة أسراه ولولا الحية الرحيمة لسارت كليوتره بتاجها المنهوب فى عربة الاسرى مع العبيد ، تذرف الدمع على ماض راح ولن يعود .

كانت رمزا للشجاعة ، ابتسمت للمجد لما راق لشبابها ، وانحنت للهزيمة بتحد لما اطلت هذه بوجهها الكالح عليسة منتصبة بكل شموخ مكان الضحية ، تستل الخنجر من صدرها تغرسه فيه بكبرياء فذ .

دوار مرعب يجتاح القوم . يولى يابون الادبار هاربا من شبح مهول لا يعرف من أين سينقض عليه . وقد كانت الطعنة فوق ما يحتمل . والنار تستعر نلتهم الضحية ، وعلامات استفهام حائرة تجول فى الافق تطفو فوق شرارات

الغموض ، ولا جواب غير الذهول . عليسة تحترق دون ضجة . . دون تمويل والحية تتلوى تبحث عن النهد البض لتنفث فيه سمها . تلتقط منه بذور الرفعة والاباء . .

يعود اكتافيوس أسيرا ، مقهورا بعد ان طمع فى العودة منتصرا . صفعة لا تنسى ، وما على روما الا ان تذوب فى نيران عليه ان ارادت الخلود والا فما امامها غير الانحناء للقوى المضادة . تنحني لهذيان الطبيعة المحمومة الانفاس فالخلود يقبع هناك فى مفترق طريقين : بين حية كليوتره ، ونيران عليسه هما أمران أحلاهما مر كما ترنم بذلك أمير منكوب فى شبابه وامارته . وانا ما امامي الا الزحف نحو أحد الطريقين ان أردت الهروب من لوثة طاعون الزمن المتعفن . .

وتلك الهوام اللئيمة التى أراها زاحفة دوما نحوى بثبات خبيث . لم أعد أدرى أهى حقا هوام حقيقية ، أم أن وجودها هى الاخرى غاص فى هوة الايجابية المنتهكة . . التهمته السلبية المتمركزة بقواعدنا . لكنني أعرف أن الهوام ستقتلنى قبل ان تلتقفني شرانق السلبية العصرية المدمرة تعفن . نعفن . . تعفن . .

الخميس

الحشد يتزاحمون . همهمة حبيسة تتسكع بين الخناجر . هواء بارد يلفح الوجوه . تنقنق ضفدعة محيية الجنازة بلحن كئيب . ثم تعود تنغمس فى مائها الآسن

الميت يجلس القرفصاء فوق النعش المرفوع فوق الاكتاف ، يرنو بعين دهشة الى المتزاحمين حوله ، بين ساخر وعابث وخائف ومسطول

بنتزع بيد مرتعشة كفنه . يتمزق يظهر الوجه شاحبا . عابسا . متسائلا فى بلاهة مقرفة . أرمق الوجه الشاحب والم حاد يعتصر قواي . كان الميت الجالس القرفصاء فوق النعش ، أنا كان أنا ! ! وكنت في نفس الوقت أسير بقدم عرجاء خلف الجنازة ، أضحك علانية مع الضاحكين . . وانوح فى سرى

يا للجبن ! لقد قرروا دفنى حيا . سيدفوني رغما عني . آخر درجة فى سلم السفالة . بعد خضوعى ، وترقبي ، وانصياعي المعتوه أدنى حيا . . وهم يتبعون جنازتى مهللين ، مباركين دون أسف أو وخز ضمير

أريد أن أقفز نحو الميت . اختطفه من فوق النعش المتمايل بين الابدى الوسخة . . نهرب معا . . لكن من الميت الاصلي ؟ أهو الحالس فوق النعش أم أنا السائر خلفه ؟ ثم من أنا ؟ أنا المتعثر وسط زحمة الجنازة ، أم ذاك القابع فوق النعش المحمول فوق الاكتاف ؟ من أنا ؟ لكى أبدأ بالفرار لابد أن اعرف من انا ؟ ومن هو ؟ أم يتحتم أن نهرب أنا وهو الى أرض مقفرة ، وهناك نتشاور ونتساءل من هو ؟ ومن أنا ؟ من نحن ؟ ماذا نفعل فى أرض اليتامى السجناء ؟ وربما وجدنا جوابا للسؤال . . أم لا . . ربما ... ؟

الجمعة

صحن ضفادع ، انها أغلى أكلة . . مع كأس نبيذ معتق ، ذاك ما قدم شيخنا لضيوفه كى يسلب رضاهم . - لا تغريني . . أتركها للعظماء . . من أكل ضفدعة ، لا يتورع عن التهام شريحة لحم من جسم بني جنسه . قيل لحوم الآدميين لذيذة . أسألهم عن ذلك أنا اكتفى بقطعة لحم مغشوش لا يتبع تسعيرة قانونية

ما أشنع التملق . . ها هم وقفوا كأنهم أعمدة رخامية محشوة بالنفاق ، والشراسه المستترة . . كل يتباهى بمقدرته على التملق . مباراة عصرية فى حلبة الانتهازية . . والفوضى الدولية . . الامن . . المبادىء . . الحرية كلمات ميتة فقدت نفسها بعد ان التصقت بعجلات سيارات المهرجين .

وكانت صورة الطفل الدامع العينين تراود الافكار . توشك أن تثب من بروازها البرنزي لتكتم أنفاسهم . يبكى . تبكى معه عشرات الآراء المتضاربة . . والاقوال المتناطحة . . والعجوز العارية بنهديها المترهلين اللذين جف من نبعهما اللبن . تمد للمجهول يدا . ماذا تريد ؟ تطلب غيثا ؟ ممن ؟ ربما هي الاخرى لم تعد تدرى فى ظلمة البلايا . . ومن يعرف امرا فى حلكة السجن الضيق الذي يضم هياكل المتشردين والحرية المفقودة تنعى لحظة مضت من الزمن الميت ، كادت أن ترتع فيه لحظة فى غفلة عن الاعين ، لكن الامل ولى مع الايام الفانية ولم يبق سوى القلب المتحطم

والكل يتوهم انه جاء باليقين ، وجلب سعادة الكون لتستقر بين يديه . وانه مطلع على الوصايا العشر الازلية لكن الحقيقة حتما هناك حيث لا يخطر ببال ، هناك فى نبع النهدين اللذين جف رحيقهما . . فى دمعة الطفل المنسابة على خديه باستحياء تتحدى تملق المزيفين .

- لقد تهدم ما بنينا . . أو يوشك أن . - وهل بنينا شيئا كي يتهدم . الدنيا أمامنا ما تزال نفسها ، نسخة ماقصة لمشروع . . ما هو . . لا أحد يدري . . لكن الذى أعتقده لن ينجز هذا البناء ، ولن ننعم ولو يمتعة هدمه . عندما يتهاوى البعض ، يرتفع آخرون هذه المعادلة الحق

بكى . ضحك . ارتفع . . هوى . صعد . نزل . . ولا شئ باق الا الحزن . . يا حزنى المتفشى فى صدر ليلى ، اليك يدى . لن نرقب بعد الليلة نهارا . . قد اكتمل بدر التشرد وآن لعليسة أن تمضى مع رياح النهاية المحتومة . والخنجر قد التحم في الصدر الثائر بالاحلام المحتضرة . . والطريق قاتم وواضح يجرجرنى نحو قدر الاعمى

هناك كارثة ما على وشك الوقوع . ما بعد هذه المحن الا كارثة تمحو اوساخ أيام ممحوقة . وليال بلا ليل باتت تضئ لنا شموع توجسنا وقرارات خطت في حالة تشنج عاطفي لن تنفع فى غد ولا ماض ، انما هي تقصم ظهر الحاضر ولا تتركه يتحرك . . ونحن ابرياء من مساوئها وميزاتها . . بل لا نكاد نجد أنفسنا فى مطاويها . . حتى الوساوس والتوجسات نخلصنا منها بالنسيان . . الغرق فى غيبوبة النسيان الترياق الوحيد الناجع . . لابد من عملية تخدير شاملة لا تترك للوعى منفذا . . وتعيد الامن الى نصابه وتزرع الثقة فى النفوس

التخدير التخدير كان من الحكمة أن لا نسير البتة فى هذا المنعرج . . ولكن ما قيمة الحكمة والندم ان وضعا فى جراب الاسف المهترئ .

وها هو العالم يسير بنا وبدوننا . . والاحداث تجلبنا اليها ، وحكم علينا بالمشاهدة من بعيد من بعيد فقط والمفر ، الى أين ؟ فقد حشر مصيره في قمقم النسيان واجبرت على البعد عنه قسرا لكنهم لم يعرفوا بعد أن العالم الحقيقى تتبع مجاريه من داخل أعماقى . . ينهب صوته من صرير أمعانى يختطف أنفاسه من لهيب أعصابي . . يختلس قواه من أطنان همومى ولكن . .

قررت الصمت والانزواء . . ما دامت الدنيا تستطيع أن تسير بدون رضاى . والعالم يمكن أن يعيش مزهوا ، متجاهلا وجودى برغم أن انفاسه قد

نهبت من رحيق وجودى . . ما عاد أمر يهم . . ابتدأت رحلة التخدير والنسيان ، والى أين سيمضى بنا الركب لا تسل .

السبت

- لقد فرت خليلة شيخ الحارة . اختلست فى غفلة عن القوم كل ما له من جواهر ، وأموال ورحلت . حتما لم يتفطن بعد الى ما جرى انما عندما يصله الخبر ، سيصب نيران بطشه على الحى مصيبة هوجاء في طريقها الينا . نرى ما بعد هذا الصراع . . والازمات . ؟ فقدنا الهدوء وتخلت عنا الطمأنينة ترى ما تخفيه الساعات القادمة . ؟

- فقدت الطمأنينة من يوم فقدت الشعور بوجودى ، أين مكان الطمأنينة فى جو متوتر الاوضاع . . متقلب المزاج . ؟ وها هو الغد غدا قصة مملة لا تلفت الانتباه . . ولا شئ له غد في مملكة التشتت .

لقد أصبحنا كرواسب البن فى فنجان قهوة مريرة الطعم لكن القهوة تجد دوما من يحتسيها ولو مرة المذاق ، أو مخلوطة . . اما الرواسب فمن سيهتم بلحسها .. ؟

- سنتركها لنقرأ بها الحظ . الحظ الذى سيكون منكودا ، معرضا للغزو من جميع الجهات . .

لو كان بيدى غراب أسود اللون ، لن أحمله رسالة فى جناحه ، انما سأخط فوق منقاره كلمة واحدة ، وارسله ليحلق فى الجو راكلا ما حوله بتمرد أعجف . . فى عهد المحبة والسلام ، كانت الحمامة البيضاء رسول ود وخير ، انما الآن فى عصر التكالب البشرى فلن يكون رسولنا غير غراب أسود " مهزلة الفداء . . فى مسلخة الرياء والضمير الميت . . "

- كنت أخالها " معجزة الرواسب التى تصنع من الطين أقمارا . . ومن التراب اشعاعات ذرية نزين بها جيد الحياة الزاهية - الحياة الجائعة ليست فى حاجة الى اشعاعات ذرية ، أو أقمار بقدر ما هي فى حاجة الى نفحات ود ، ونسائم السانية تعيد النفس المفقود الى روح الخير المتخاذلة . .

- ان كان على لقد عرفت دربى . . وجدت في التزهد ، والتعبد مسلكا . هذا هو الترياق الوحيد للعزائم المنهارة .

- أووه قل هو مخدر من نوع جد مألوف من صنع محلى ، يشجعك على تناوله تجار التعصب المبدئى . . والخواء النفسى . . انه التسول الروحى أمام أعتاب الله . . التسول لاستجداء أملا واهيا يملا جحر فكر مريض لكن ليس للظفر ولا للارتياح مكان فى أفكار لم تجد بعد ملاذها الاصلى . .

التسول عندما يستحيل الشعور الى مادة والهمم الى موضوع حقير تناقشه أدمغة غبية ، يصبح الحر عبدا مطاردا حكم عليه بالتسول . . بالدفن تحت أكداس البؤس المقاتل بعضه بعضا . . قبل ان يلحقه الاشقياء . . حيث يقودونه الى مشرحه التفسخ يعتصرونه . يبيعون ما سال منه كزيت معطر يضمخ به كبار الحي رؤوسهم ، وذقونهم ليحضروا احتفال تقرير المصير . قبل أن يضعوا أعناق الحمقى فى سلاسل الآراء الملطخة بالوحل . . يسارعون الى شم الطيوب قبل أن تنفد رائحتها لكن .

فالعبيد كثيرون . . والضحايا يتسابقون لبيع أجسامهم بلا ثمن وقد اعياهم التسول وأتبعهم الهروب . ثمنهم أن يلمحوا بسمة رضي جاثمة فوق الشفاه المتبرمة دوما وهي تتفوه بكلمة عابرة تدين حياتهم المتأرجحة فوق خيوط عنكبوت

التزهد . . التذبذب . . التسول . . يا دهر الاحرار المتسولين أين الملجأ الاخير ... ؟

الاحد

كان عارى الجسم ، مقطوعا الى نصفين . النصف الاعلى يتسلق ظهر سلاحفاة عظيمة الجثة تئن من لفحات حمى موبوءة تفشت فى الحي كله . . والنصف الاسفل يرشح دما يمتطى قفا حلزون عملاق يحث الخطى نحو قبلة مجهولة هاربا من صرخات تلاحقه يجهل مصدرها . .

النصفان يحاذيان خطين متوازيين . . لا أمل فى التقائهما . . يتسابقان مع قوى خفية تحاول عرقلة سير ركبهما . . يتشارعان . . يسير خلف الركب

سرب من الخنافس السود . . تلمع سحنتها فى وهج الشمس الساخرة . تتواثب هنا وهناك . .

يصل النصفان بعد جهد ، وعناء شاق الى الخيمة حيث ينضم مصيره المتناثر القطع . الخيمة ممزقة . مكسورة الاوتاد ترزح فى سكون الخلاء الصامت الاعشاب الجافة تتأوه بصوت جريح ترثى حدثا ما . وأكوام من التراب . التراب فى كل مكان . . التراب وفي صدره أوراق مبعثرة . وأقلام متحطمة وأفكار مفتتة تعض بعضها بعضا لافظة أنفاسها

وقف النصفان يرمقان الخيام الممزقة بعد أن تركا ركابهما . . ثم اندسا تحت التراب التراب المأوى الاخير لكل شئ . منه جاء واليه يعود كل شئ . وفوق أكوام التراب بقيت عشرات الخنافس ترقص ضاحكة ، ترفس تقدم جريئة القرارات العقيمة تضحك تضحك تضحك تبصق على سحنة الاحراز المتسولين . . وعليسة ما تزال تحترق . . وقرطاج تهوى حجرة ، حجرة فوق رأس غاصب نكر الهوية . . الكل يحترق . .

جيوش منتصرة تهتف بفرح . وجيوش منهزمة فارة تبحث عن طريق لها وعليسه تحترق والحية تثب فى عزم مريب . تصل الى الطفل الدامع العينين . . تلتوى حول عنقه . . تنفث سمها فيه ودمعة تتحجر فوق خديه . تشيع جنازة المتسولين . .

- هل عاد شيخ حارتنا ؟ ماذا فعل ؟ هل ؟ - لقد قرروا شراء رغيف يابس ، يسدون به أفواهنا كى لا نسأل . . ثم السنا جياعا ماذا نريد غير الخبز الجاف . ؟ ماذا ؟

ما جدوى السؤال فى دنيا اليتامى بلا يتم . الثكالى بلا ثكل . ستطوينا يوما الاشجان ، ونغوص فى قبر الزمن الميت ، ولن نشتم حتى عفونته ما دام زكام النكسة قد سد أتوفنا وحما ستبقى الحياة بعدنا حفنة نقط استفهام وغموض . . أو بالاحرى ستظل جوابا سخيفا بلا سؤال . . لانه ليس من الجرأة ليطرح سؤالا .

اشترك في نشرتنا البريدية