فرح البحر المهجور حين شاهد طفلتين قادمتين نحوه . رقصت أمواجه المغسولة مطرا وضوءا . وانفتح الشاطئ شوقا ، وأقدام صغيرة تتقدم .
كان المطر قد كف عن الانهمار وعاد الى السماء صفاؤها وتألقها حين تسللت الطفلتان خارج البيت لم تلتفتا الى الخلف . . أسرعتا بعيدا عن البيت والكبار. بدت لهما الارصفة مغسولة بالمطر نظيفة وشبه خالية أسرعتا خافقتين متشابكتى الأصابع ، مبتهجتين بالتفرج على الدنيا الواسعة الكبيرة ، تركضان تارة وتارة تترفقان لتتمليا المنازل الجديدة الملونة والاطفال الكبار اللاعبين والمغازات بواجهاتها المليئة سلعا ولعبا ، وعلى أبوابها ( الكرات والسلال والدمي .
توقفت الكبرى أمام دكان صغير تهمس لصديقتها . - هذا دكان العم محمود ! انه يشبعني حلوى كلما أخذني أبي اليه ! ه بنا اليه !
وركضتا نحو الداخل . طلبتا الخلوى والشكلاطة وخرجتا فرحتين بما نالتا بلا ثمن . أخذت الكبرى الشكلاطة وقسمتها نصفين ، ثم استأنفتا السير . تمتصان الحلوى وتقضمان الشكلاطة وقد نسيتا تماما البيت .
كانت الطريق تتسع وتمتد والمنازل تصبح متباعدة على جانبى الطريق ، والخضرة تنتشر وعبير الارض الراوية يفوح . وبعض أزهار صغيرة قد نبتت او تفتحت عند جذوع بعض الاشجار او عند أقدام بعض المساكن الجديدة . كل
شئ جديد كان يغريهما بالتشبث بالفرصة النادرة : اكتشاف العالم الباهر ولا رقيب ، فتضحك العيون وتزرعان الطريق فرحة.
كانتا قد سارتا طويلا حين بدا لناظريهما خيط أزرق يشع من بعيد ، قفزت الكبرى فرحا وهي تشير الى الافق :
- انظري هناك ! انه البحر ! لنذهب اليه ولنلعب على الشاطئ ! فرحت الثانية . اتسعت عيناها العسليتان وتألقتا بهجة من أشهر طويلة لم تصحبها أمها الى الشاطئ . ولم تلعب بالرمل ولم تبن المنازل والقصور . أمسكت الكبرى صديقتها لقطع الطريق ومشتا طويلا قبل الوصول الى البحر . حتى تعبتا . حين غاصت الاقدام في الرمل ، نسيتا التعب وانطلقتا تركضان صوب البحر .
فرح البحر المهجور واتسعت ابتسامته ، ورشت لجاته وجهيهما ، وداعبت موجاته الاقدام الصغيرة . - ما ألذ الماء ! هيا نسبح فى البحر !
تقدمت الارجل في اللجج المتكسرة على الشاطئ ! ابتلت الاحذية . ابتلت الثياب . . كان البحر مغريا وباردا . سقطت الصغرى وقد وصل الماء أعلى فخذيها شدتها الكبرى من كم معطفها الصوفي وركضتا عودا الى الشاطئ جلستا على الرمل المبتل وحفرتا بئرا عريضا . تقدمت مويجات البحر فغمرته . هللت الصغيرتان . قامتا وانطلقتا ترقصان وتركضان حافيتين على طول الشاطى وصنعتا كرات من الرمل المبتل ورمتاها للبحر حتى كلتا .
ارتمتا منهكتين على الشاطئ تستريحان وقد شبعتا لهوا . وبدا لهما أن البحر فقد ابتسامته الرائقة وصار داكنا وغير جميل . استلقتا على الشاطئ . وبقيت الايدى تعبث بالرمل . والبحر يعبث بالارجل الصغيرة المتعبة ، والعيون تلهو بطيور السماء . شهقت الكبرى فجأة : - انظري ! انظري ! لقد طلعت نجمة من البحر ! انها تقترب !
ابتهجت الصغرى ، نسيت برد أطرافها وتعبها .
لقد شاهدت نجمه كبيرة مشعة تبتسم لها . اقتربت النجمة أكثر . تابعت البنتان اقتراب النجمة منبهرتين وبقيتا مستلقيتين لا يفوتهما تقدمها فى تلك الزرقه المسائية الجميلة ، تتابعان النجمة ، تتناجيان حينا ، وحينا تسهوان . وكان البحر يوشوش لهما حكايات النجمة اللذيذة ، والنجمة تكبر وتكبر وفي هالة ضوئها بدا لهما وجه سندريلا الجميل . . يقترب .
سندريلا بحذائها البلورى المسحور وثوبها الطويل المطرز تتهادى على صفحة الماء تنبت حولها فى الزرقة نجوم ولآلئ مشعة تتهادى جميلة باسمة مضيئة ، تحمل فى جيوبها الحلوى والشكلاطة ، وتحكى لهما حكايتها مع الامير . .
حلت الحكاية ، وارتخت الاجفان ، وأغمضت الصغيرتان العيون مبتسمتين ، وانثنى الجسدان ليتيسر الدفء فى سعة الشاطئ العريض القفر واستمر البحر يهدهدهما والنجمه تحكى لهما ، وخدر لذيذ يسرى فى جسديهما حتى هزهما نوم عميق .
وتعبت النجمة من السهر والكلام ، فغاصت في الظلمة لتنام وتعب الباحثون عن الطفلتين فرفعوا الايدى الى السماء . ولم يتعب البحر . وبقي ساهرا . وما انفك متقدما تحت ستار الظلام يداعب الطفلتين النائمتين عند أقدامه ، ويغسل الخدود الطرية المتربة . وعبثا دعت الاصابع الصغيرة النجمة لتدفع نزق الماء فنجمة الحلم ابتلعها الظلام . ولم تشهد بقية الحكاية .

