الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

حكاية على سطح الماء

Share

جوليو كرتزار ، مؤلف هذه القصة (1) كاتب بدأ نجمه يسطع فى سماء الأدب . يعد من أتباع جورج لويس بورجس صاحب قصة الخالد (2) لقد اظهر " جوليو كرتزار " فى كل القصص التى نشرها قدرته على تحليل الانسان الكامن فى باطن الانسان ، القابع كالدابة التى لا تريد خروجا او تنقلا فلا تراها عين . وفى هذه القصة " حكاية على سطح الماء " يصور بكل دقة المد والجزر اللذين يحتملان فى نفس البطل ، وهو ساكن على ضفة النهر ، على ضفة الأيام ، فأتت جمله تسيل وتتلاطم وتدور فى حركة لولبية كالغريق الذى حملته مياه الذاكرة .

لا تبال . أغفر لى هذا التسرع . لقد كان طبيعيا أن تتحدث عن لوسيو ، أن تذكره فى ساعة شوق وحنين ، حيث ندع انفسنا تنزلق الى تلك الغيبوبات التى نسميها ذكريات والتى يجب أن نملأها بوافر الكلمات والصور ، فهى كالهوة لا تشبع ولا ترتوى . ثم انى لا أدرى هل لاحظت كيف أن هذا الكوخ يدعو الى الماضى . حسبك أن تجلس لحظة فى الفيراندة وتنظر الى النهر والى شجر البرتقال حتى تجد نفسك فجأة ، دون أن تصدق ، بعيدا عن " بوانس ايرس " ، تائها فى عالم بدائى . أذكر أن " لاينز " كان يقول : الافضل لو ان الدلتا سميت ألفا . كما أذكر درس الحسابات ، اذ كنت أنت . . ولكن لم تحدثت عن لوسيو ؟ أكان ضروريا ان تقول : لوسيو ؟ .

ان الكونياك هناك ، فخذ ما شئت . ترانى أحيانا أتساءل لم لا تزال تكبد نفسك مشقة زيارتى انك توسخ حذاءك فى ثنايا الوحل ، وتتحمل البعوض ورائحة القنديل . . . أعلم ذلك ، فلا تحدق فى بعينى الصديق المظلوم . انك ترسل إلى فى كل خمسة أو ستة أشهر ، أخبار ذلك العالم الذي لا يبعدنى أكثر من ٥ كلم . ثم يأتى بك زورق ومعك مجموعة كتب وقواير ، وفى نفسك أمل لانتزاعى من هذه الضيعة وقد تعفن نصفها . فلا يغضبك ما سأقول ولكن وفاءك هذا يجعلنى في شبه غضب . أقصد انه يشبه العتاب أحيانا . فأشعر

بعد انصرافك وكأنى محكوم على ، وأحسب ميولى الدفينة مجرد علامات تعكر مزاجا قد يعتدل من جراء رحلة الى المدينة قريبة . انك من صنف أولئك الشهود الذين يكبر بهم العطف فيلاحقوننا ببسمتهم حتى فى أزعج احلامنا . وعلى ذكر الاحلام وقد نطقت باسم لوسيو ، فلم لا اقص عليك الحلم الذي قصصته عليه ؟ لقد حدث فى هذا المكان بالذات . حدث أيام شبابنا . كم مر على ذلك العهد يا صديقى ؟ كان جميعكم يأتى الى هنا فتقضون مدة طويلة فى هذا الكوخ الذي خلفه لى والداى . كنا نشعر بحاجة ملحة الى ركوب الزوارق ومطالعة الاشعار لحد الغثيان ، والهيام بكل ما هو واه وزائل . ومأتى ذلك كله حذلقة بريئة لا تكل ،

وحنان كحنان الطائشة . لقد كنا فى مطلع شبابنا يا موريسيو فكان يسيرا علينا أن نخال أنفسنا سئمنا كل شئ وان نداعب صورة الموت بين أسطوانتى جاز وكأس ماتى بدون سكر ، والحال أننا نملك حياة عتيدة الخلود تطول خمسين أو ستين سنة . كنت أكثر تحفظا منا ، وكانت عليك أمارات الوفاء المحتشم الذى لا يرد كما يرد سواه وهو أكثر جرأة منه . كنت تتأملنا من الخارج نوعا ما ، فعرفت يومئذ كيف أكبر فيك خصال القط . كان الواحد منا يحدثك وكأنه يتكلم بمفرده . لذلك ربما كنت ترانى أحدثك كما أتحدث اليك فى هذا المساء .

غير أن الآخرين كانوا معنا وكنا نلعب فنفتعل الجد . انك تدرك جيدا يا موريسيو هول تلك اللحظة من عمر الشباب التى يفقد فيها كل شئ خطورته فجأة فى ساعة مظلمة لا تحمل أسما ، وينحنى أمام حاجته الى وضع قناع الجد البغيض . أما اليوم فأنا الدكتور فلان وأنت المهندس فلتان ، لا نزال متخلفين وقد شرعنا ننظر الى أنفسنا من زاوية ثانية ، ومع ذلك سنبقى الى زمن آخر أوفياء لعاداتنا القديمة ، للالعابنا الجماعية ، للأكل مع الصحاب ، اذ كنا نقذف عجلات المطاط لنستعيد الاخرى المبعثرة . وكل ذلك طبيعى بصورة فظيعة يا موريسيو ولا شك أن البعض يتألم منه اكثر من الآخرين . هناك من هم مثلك يمرون من عمر الى عمر بلا اصطدام او تعثر ولا يجدون غرابة فى رؤية أنفسهم على نفس الصفحة من مجلد الصور ، لابسين سراويل قصيرة وقبعة بحار ومرتدين زيا عسكريا . ولكن . . . حديثنا كان عن حلم رأيته فى تلك العهود . كان الحلم يبتدئ هنا فى هذه الفيراندة كنت هنا بصدد تأمل القمر وهو صاعد فوق حقول القصب ، والاستماع الى الضفادع وهي تنج نباحا لا تعرفه الكلاب

ذاتها . ثم خرجت وسرت في درب لا أتبينه كان يقودنى الى النهر . كنت أمشى والشاطئ شاعرا بأن رجلي حافيتان وبأني في الوحل أغوص . كنت وحيدا فى الجزيرة أثناء الحلم وهو أمر نادر فى ذلك العهد . ولو أن الحلم عاودنى فى هذه المدة لما أزعجتنى الوحدة كما كان الشأن سابقا . أجل . الوحدة والقمر الذي بدأ يتسلق السماء فوق الضفة الاخرى . وخرير النهر وصوت سقوط الخوخ فى أخاديد الوحل . الضفادع سكتت والنسيم ندى كنسيم هذا السماء .

فشعرت وكأنى بحاجة الى متابعة سيرى واجتياز الرصيف والاندفاع فى شدة اعوجاج الساحل وخرق غابة البرتقال مع ذلك القمر الذى ما فتئ يضئ وجهى من الامام . انى لا اخترع شيئا يا موريسيو فان الذاكرة تدرك ما يجب الاحتفاظ

به سليما . انى اقص عليك ما قصصته على لوسى . كنت سأصل بعد لحظة الى المكان الذي فيه تسطع جذوع القصب ، وبه يتقدم لسان من الارض داخل النهر ، لسان خطير لما به من وحل ولاقترابه من القنال . فقد كنت أتيقن فى حلمي أنه قنال عميق ، مياهه شديدة التلاطم . كنت أتقدم من ذلك المكان خطوة خطوة ، غائصا فى الوحل الذى جعله القمر أصفر لذيذا . وبلغت حاشية الماء فى النهاية وأخذت أتأمل حقول القصب السوداء الممتدة على الشاطئ الآخر ، حيث كان الماء يختفى ويضيع ، بينما كان النهر ، عند رجلى ،

يتحسس خفية ، باحثا كيف يتعلق بالضفة ، فيتقهقر ثم يعيد الكرة من جديد . لم يعد القنال سوى قمر ، سوى سبيكة عظيمة من الشفرات التى تقطع عينى ، ومن فوقى سماء تسقط وتتحطم على قفا رأسى وبين كتفى ، فتجبرنى على تأمل النهر بدون انقطاع . وعندما لاح لى جسم الغريق ، يتمايل بتراخ كأنه يريد الخلاص من جذوع الضفة المقابلة ، تبينت مغزى تلك الليلة ومغزى حضورى بها ، واضحا فى ذلك الشئ الاسود الذى كان الماء يحمله وهو يدور فى بطء ، مشدودا الى جذوع القصب ، تارة من رجل وطورا من يد ، ويتمايل بارتخاء ليتحرر ، ثم يتخلص من الجذوع ويلتحق بتيار القنال ، ويقترب فى حركة متزنة ، من الشاطئ العارى ، حيث القمر سيسقط على وجهه .

وجهك شاحب يا موريسيو . لنستعن بالكونياك ، ان شئت . لوسيو أيضا كان شاحب الوجه حين قصصت عليه هذا الحلم ، حتى أنه قال لى : " كم أنك نذكر التفاصيل بدقة " . وان لم تكن له لياقتك ، فقد كان يسبقني مرارا الى أحداث الحكاية وكأنه يخشى أنسى البقية . غير أن القصة لم تنته . قلت لك ان التيار كان يجعل الجثة تدور ، كان يلاعبها قبل أن يقودها الى رجلى .

وذكرت أيضا أنى كنت على هذه الحاشية الرقيقة من الارض ، أترقب اللحظة التى سيمر فيها جسم الغريق قريبا منى فأرى وجهه . دورة أخرى حول نفسه . ذراع يمتد بتراخ كأنه سابح ، القمر يغوص فى صدره ، يعض بطنه وساقه ، يجرده من ملابسه مرة ثانية . . . واقترب مني فلو أنى انحنيت لاستطعت أن أمسكه من شعره ، واقترب منى حتى أنى عرفته يا موريسيو ،

رأيت وجهه فصحت صيحة مثلما تقول صيحة انتزعتنى من نفسى وجعلتنى أطفو إلى اليقظة ، الى كأس الماء الذي شربته وأنا ألهث ، الى تفطنى المتعجب الحائر بأنى نسست ذلك الوجه الذى تعرفته . ولا ريب أن الغريق قد واصل سيره مع التيار ، فلا فائدة من اغماض العينين ومحاولة الرجوع الى الضفة ، ضفة النهر ، ضفة الحلم ، لا فائدة من مصارعة ذاكرتى ولا طائل من طلب عين الشئ الذيىكان قد عافه أمر فى نفسى . أنت تعلم حق العلم أننا ننتهى الى قرار التخلى فآلة النهار تستقبلنا بعجلاتها المزيتة ومعلقاتها المطمئنة . لقد التحقتم بى في آخر الاسبوع أنت ولوسيو وكل الآخرين ، فعشنا ذلك الصيف سلسلة احتفالات . أذكر أنك فى نهايته ذهبت الى الشمال ، وأن المطر نزل بالدلتا ، هطل بغزارة حتى ان لوسيو سئم المطر والجزيرة وعدة أشياء أخرى

كانت تعكر مزاجه وتثير أعصابه . كان يحدق بعضنا فى بعض بصورة لم أقدر أنها ستقع يوما . فلذنا بالمطالعة والشطرنج ، بالملل من عدة تنازلات تجدى . وحين رجع لوسيو الى بوانس ايرس ، أقسمت لنفسى بألا أعود الى ترقب ايابه أو اياب الآخرين أو حتى اياب المملكة الخضراء التى كانت يوما فيوما تغلق ابوابها وتحتضر مصابة بحكم جماعى بلغه السأم . سرعان ما تفطن البعض الى هذا الامر ، فاختفى الى الابد بعد أن قال : " الى اللقاء " . ولكن لوسيو كان يعود ، بدافع قوى أم بدونه ، وكنت أنا أذهب وأترقبه على الجسر .

كنا نتبادل النظر وكأن بيننا مسافة بعيدة ، منتصبين على شفة ذلك العالم الآخر المتباعد فى كل يوم أكثر ، ذلك الفردوس المفقود المسكين الذي كان يتشبت به لوسيو فيأتى ليراه ، وكنت أنا حريصا على حمايته له دون اقتناع بجدواه . لم يدر فى خلدك شئ من هذا ، أليس كذلك موريسيو ، أنت الراغب فى الاصطياف بجبل من جبال الشمال ؟ ومع ذلك ، فى موفى ذلك الصيف . . .

أتراه هناك ؟ انه ينهض بين جذوع القصب وستبصره أمامك بعد قليل ، يسطع فى وجهك . عجيب ضجيج هذا النهر الذى يتفاقم فى هذه الساعة ،

لست أعلم أهو بسبب سكوت الاطيار أم أن الظلام يمكننا من ان تبلغ الينا فى احسن صورة اصوات دون اخرى . يكون من الاسف الشديد لو أنى لم أتم قصتى ، فى هذه الساعة من الليل فكل شئ يطابق ليلة حدثت لوسيو عن الحلم . الوضع ذاته متشابه تماما فأنت جالس فى نفس الحفرة التى خلفها لوسيو فى تلك الاريكة ، كان لوسيو يتردد على كثيرا فى آخر ذلك الصيف فيمكث ساعات طويلة دون أن ينبس ببنت شفة ، كما هى حالك ، وقد عرفناه مهذارا من قبل . كان يدع الايام تسيل ، ويشرب . كان قلبه على فراغه يفيض مرارة ، وربما هو ذلك الفراغ الكثيف الذى كان ينهشنا دون أن نقدر على حماية أنفسنا منه . لا أظن أنه كانت بيننا كراهية . كان الامر أخف وأدهى من الكراهية فى نفس الآن ، سآمة بلا معنى فى قلب شئ هو عاصفة تارة وطورا عباد شمس أو سيف ان شئت . ولكنه لم يكن ذلك القلق ، ذلك الخريف الاصفر الوسخ الذى ينمو فينا مثل لوحات أمام أعيننا . كنا ننطلق لجولات طويلة ، يغمرنا ود واحتشام ويشدنا انتباه كى لا يجرح أحدنا الآخر . كنا نمشى على الاوراق الميتة ، على أفرشة ثقيلة من الاوراق الذابلة الميتة طوال الشاطئ . فيخدعنى الصمت من حين لآخر فأهمس كلمة بلهجتنا القديمة ،

وكان لوسيو يقع فى الفخاخ المحكمة التى تنصبها لنا العادة عبثا ، الى أن نقف من جراء نظرة أو رغبة ملحة فى الانفراد الواحد تجاه الآخر ، ونحن غريبان فى ودنا واحتشامنا . عندئذ يقول لى : " الليلة جميلة ، تعال نتمش " . وكما هو فى إمكانك وامكانى هذا المساء ، كنا نغادر الفيراندة ونتجه نحو ذلك المكان هناك ، حيث يصعد ذلك القمر الذى يؤلم عينيك . اني لا أذكر فى أى درب سرنا ، كان لوسيو يمشى قدامى ، وكنت أضع قدمى فى أثر قدميه واغرزهم فى الاوراق الميتة أكثر فأكثر . فى ذلك الحين بالذات بدأت أتعرف على مسلكى

من خلال شجر البرتقال ، أو ربما بعد لحظة اخرى أى عندما اجتزت الضيعات والقصب . أذكر أن خيال لوسيو كان النشاز الوحيد فى ذلك اللقاء المرسوم خطوة خطوة ، ليلة ليلة ، المعاد بكل دقة وضبط ، حتى أنى لم أنهدهش عندما تفرقت الجذوع بعضها عن بعض وظهرت من ورائها تلك الارض التى امتدت الى وسط القنال كما ظهرت ايادى النهر الزاحفة على الوحل الاصفر ، تحت ضوء القمر المكتمل . وسقطت وراءنا خوخة عفنة فأحدثت صوتا كأنه صوت صفعة أو صوت فاحشة لا يليق ذكرها . واذ بلغنا الشاطئ التفت الى لوسيو و نظر إلى طويلا ثم قال : " وقع الحادث هنا ، أليس كذلك ؟ " لم نكن قد أعدنا ذكر الحلم ولكنني أجبته : " نعم . هنا . " فصمت زمنا ثم تكلم : " حتى هذا قد سرقته منى . هو أشد رغباتي خفاء . انى تمنيت مكانا كهذا . كنت بحاجة الى مكان كهذا . انك رأيت حلما لم يكن لك " وبينما كان يخاطبني بصوت رتيب ، ويخطو نحوى خطوة أخرى ، انفجر أمر فى ذاكرتى ، بدون شك فلقد أغمضت عينى وعلمت أني سأرى نهاية الحلم من جديد . ورأيته موريسيو ، رأيت الغريق والقمر جالسين على صدره ، ووجه الغريق كان وجهى ، يا موريسيو ، وجه الغريق كان وجهى .

ما لك وقفت ؟ هناك مسدس فى درج المكتب ان كنت تخاف . كما أنك تستطيع ايقاظ أهل الضيعة المجاورة ان شئت . ولكن ابق موريسيو ، ابق لحظة أخرى كى تنصت الى خرير مياه النهر ، فقد ينتهى الى سمعك من خلال ضحيج أيادي النهر التى لا تحصى والتى تزحف على الوحل فى هذه الساعة ،

ضجيج أياد أخرى تمسك الجذور وتتشبث بها . انه شئ يتسلق جدار الجسر وينتصب على الرصيف ، والحشائش المائية على جسده ، شئ قد عضه السمك ، يقترب منى ويريدنى . انى لا ازال أستطيع ان اعكس الآية ، لا ازال أستطيع قتله ، غير أنه يعاند ويعود ولا مفر من أن يأخذنى فى احدى الليالى .

سيأخذنى قلت لك ، فيستعيد الحلم وجهه الحقيقى . سأجبر على طاعته وستشاهدنى الجزيرة وجذوع القصب أمر أمامها وأنا ممدد على ظهرى ، متألق بضوء القمر ، وأخيرا يتم الحلم ، يا موريسيو ، أخيرا يتم الحلم .

اشترك في نشرتنا البريدية