قال لى - : كم يضيق بى الوجود عندما يصر الا يكون ؟ قلت له - : وكم يؤلمنى أن أرى الانسان صورة لهذا الكيان المتعنت ! فقد أخفق كل من بادر بخلق ... لان المخلوق ورث عن الطبيعة العنود حب الثورة ... قاطعنى : - فمات بثورته الموروثة لانه فقد فيها كيانه .
قلت له مرة - عن أبى - وكان كثير الاغماء كالفجر : - ألا ترى أن ليلا يطل أحيا للذات من شمس تنشر ؟ فرنا إلى كالحرباء :
- إليك عنى ، انك تريد أن تزرع فى كيانك وأنا لا أريد الا الكيان النظيف . فقلت مشوفا - : كيانى هو الخلق .
فقال : - بل هو الموت . فأعرضت عنه كالمبتسم ، وقلت لذاتى - : فليبحث عن كيانه النظيف . ثم عاد الى بعد تشرد دام قرونا فقال - : معك حق ! لقد أردت نظافة الكيان فمازدته الا دنسا .. والوجدان الا رجسا .. انى اريد الخلق . فندت عنى ابتسامة - : الصيف ضيعت اللبن . فقال ، وقد خلته أناب - : أجل ما حيلة الصرار الا الموت .
واستمعت اليه مرة - وقد اجتمع عليه اناس كثيرون : أطفال أو مجانين : أن لى حكمة ! الا تفهمون الحكم !
قالوا . وقد غام المكان - : قل يا صاح ؟ قص علينا الحكاية من البداية ...! انا عاشقون ونهوى الكلام .
فتوجس هامسا ، وقد حان القطاف وتحضنت الالسن : قصة صرصار ! هل تفهمون لغة الصراصير ؟
فدوى المكان : الصرار ؟ ! ماذا جرى للصرار ؟ ! انا نطرب للصراصير تغنى لتمتلىء البطون ...
قال - : ولكنه صرصار حزين ، لا يحسن الغناء انه منكوب ! وصاحوا ثورة تكسر الصمت : منكوب ؟! صرار منكوب ؟!
وسمعت نقيقا بعيدا - : يا له من مجنون بين مجانين !
وهم بالانصراف ثم توقف وقال لهم - : جريح الذات لى حق عليكم يا اخوانى ! وما أعظمنى أطلب الحق فأطلب ولا حرج !
- أوضح يا هذا ؟ ! انا نكاد لا نفهم شيئا ! أى حق ؟! أى طالب وأى مطلوب ؟!
- ايه ايه ! أن أربكم الشمس تغرب لتبدو عند الفجر ! ولكن ... وانكبتاه !
( صفقوا ) وانجلت أصواتهم المتداخلة عن : - الشمس ! انك لكثير الالغاز ، كاهن أم فيلسوف أنت ! ماذا ؟! ماذا تريد منا ؟! انا لنعرفها تظهر وتغيب !
- أنتم يا اخوانى لا ترون الشمس توأد فى الافق البعيد ! وانما ترون نارا أو جنة أو جحيما ...!
والتف حوله أطفال تهزهم أحلام عجائز : والصرصار ! حكاية الصرصار ؟ ماذا جرى للصرصار ؟ انا لنتلهف لسماع قصة الصرصار !
وأطرق ثم قال - : لا أراكم الا ساخرين !
- نحن ساخرون ؟! - ألا ترون أن العصر هو محكمة الايام ! والبرئ منا . - يا سادة هو من وجهت اليه اللعنات . - أى محكمة تعنى ؟! وأي بريئ ؟! وصاح آخر - : الصرصار ؟ حكاية الصرصار ؟ وانبعث النقيق كأمر ما يكون نشوة فجاوبته الضفادع من كل جهة :
- عقول عصافير ! لا بد أن نقضى على هذا الكيان المتدفق ... فى حياة الضفادع ! نقيق الضفادع !
يا اخوانى ! يا أشقياء زمانى نحن المكبوتين غتا لتعيش النفس ، وتوأد الروح وينتحر الضمير ! نحن العصافير تزقزق ويطربها النقيق فيصمت ويسيل الدم على الضمير ... على البصيرة ... وتنعب الكلمات ترن فى الآذان تدوى فى الاركان وما من عين ترى ولا من قلب يجع ! هل نحن نحيا يا سادة ! أم نحن الاحلام تغيض على الافق منتحرة مع الأشعة ؟ ! لقد مات القلب على المنبر وطاش العقل فى محراب ! فمتى يتطهر المحراب ويتحرك القلب على المنبر .. ونهوى الظلام ؟ !
- هراء ! وحى شياطين . - ألا تريدون نظافة الكيان ؟! - خرسا !
- لا .. سلم ولا إسلام .. سنصمد وان حبسوا أشعة الشمس فى عيوننا .. نحن نعيش صمت الدهور .. ولا نريد الامساك ستسمعون الحق يتكلم .. ولا حكاية ... وسيقرعنا الزمن يروى لنا ما عانت الايام من الليالى السود .. والصراصير ...
صوت - : الليل يا أخ البشر هو ستر وجودنا . ولا وجود الا حين تغيب الشمس .
صوت - : نحن نعيش فى الظلام كما نعيش فى الليل . صوت - : الليل حياة ! والنهار هو الموت .. لاننا به نعمى عن رؤية الشمس تبعثرنا .
صوت - : ما للشمس وما لنا ؟! الحكاية : انا نريد حكاية الصرصار . وهمست الضفادع وقد انتفخت حتى كادت تنفجر :
- مازال فيهم حياة ! العقول فيهم تعتصر لتنير كيان هذا الصرار المتعنت ! ولكن لا بد أن يموت الصراصير ان آجلا أو عاجلا . فهى سر بلائنا نحن الضفادع .. ولا نريد لنا منازعا فى خلواتنا ...
وصاح الحاضرون - : الشمس ! الشمس تكسف انه الظل مر !! يا لفرحة الكيان !!
- انه الظلام !! - يا لفرحة الكيان !!

