الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

حكايــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة

Share

البطالة تفترس أيامه ولياليه منذ عشرة أيام ، وكان أطفاله الثلاثة وزوجته التى تنتظر مولودا جديدا يقاسمونه عذابه القاسى . وعدا هذا كان لزاما عليه ان يدفع اجرة السكنى ، فالضرورة قد اجبرته على ان يلقى باخر درهم فى جيبه فى ايدى باعة الاثاث القديم . وهاهو الآن يلمح شبح حياة شحاذة يتراقص أمام عينيه . انه لم يجد عملا رغم ساعديه المفتولين ورغم حبه للعمل . وقد أصبح اليوم ينسل من بيته ككلب مضروب يخشى ان تقع عليه عين انسان ، وقرقرة باردة تجمد أمعاءه - فطوره . فقطعة الخبز التى تناولها بالماء قد تركت فى فمه طعما مرا .

أخذ يجر قدميه فى وهن فوق الاسفلت الملتمع فى وهج شمس الصيف الموقدة وكانهما قدما شيخ هرم . ما أشق الطريق التى تقوده الى مكتب اعانة الفقراء ! ان يديه الحديديتين لم تتلامسا ، قبل اليوم ، من أجل رجاء مخجل ، كما أن فمه لم ينفتح ليطلب قطعة خبز يابسة . فأين بقيت كبرياؤه ياترى ؟ انها ، ولاشك ، عند أولاده وزوجه الجياع . وشعر بحبه لأهله فى قلبه أشد التهابا من حمرة الخجل فى محياه !

كانت عيناه تبحثان عن باب البيت الذى يسكنه الموظف وقدماه تصطدمان بأحجار الشارع . آخ ! لقد آلمه هذا ! أجل ... ! أجل . انها احجار الحياة ! وتنهدت افكاره : " اذا انا لم ادب كدودة بشعة ولم اشحذ  كرجل  كسيح فلا بد أن اغدو قاتلا . "

تعمق في فلسفة الفقر .... تلك الفلسفة التى هى أقرب الى المنطق والمعقول رغم انها تتألف من جمل قليلة . وبهرت عينيه لوحة بيضاء ، كتب عليها بخط أسود : يوسف سايد لهوبر ، عمدة وموظف فى مكتب اعانة الفقراء ... اذا فقد وصل الهدف ! وحينئذ أحس بأن قرص الشمس الكبير الابيض يوشك ان يقتلع عينيه بأشعته الملتهبة . اليس ثمة مخرج غير هذا المخرج ؟ ووقف أمام الباب حائرا ، يراقب المارة بنظرات خائفة متسولة ، وهم يسرعون دونــما اهتمام به .

كانت

اليس من هذا بد يا الهى ! ؟ وعض على أسنانه ثم دخل البيت وتسلق درجات قليلة تؤدى الى مكتب الموظف ووقف أمام باب عال بنى اللون . اقشعر بدنه من خطوة يائسة قد يخطوها الى الامام . فلا يزال فى وسعه أن يعود من حيث أتى ! وشعر كأن انسانا ما يشده من سترته ويجره بعيدا عن الباب وهو يود أن يتبعه . غير أن صورة حاضره تمثلت أمام عينيه من جديد ، وتراءى له الفراغ الهائل الذى يعمر غرفته التى جردتها الفاقة من كل شئ .. غرفته التى تضم صغارا وزوجة اسكتهم الجوع وهم فى غمرة الضحك والمرح والابتهاج . فشد بيده اليسرى على مقبض الباب بشدة ، ثم دقه بيد معروقة دقات بطيئة وهو يرتعد ويهتز ويرتجف .

ساد الصمت بعض الوقت . وفي لحظة رعبه سمع طنين ذبابة تائهة بين مصراعى النافذة ، وتصاعدت فى وعيه أفكار غامضة .. مجرد تصورات غائمة فعلقت بمخه السديمي وراحت تهتف فى سمعه ساخرة منه ضاحكة . " ما أشبهك بهذه الذبابة السجينة ! فانت سجين مغارة الفقر ." فتقدم من النافذة ليطلق سراح ذبابة تحن الى الشمس . اذاك سمع صوتا واضحا خلفه :

- هل طرقت الباب ؟

استدار بسرعة فرأى فتاة يافعة تتوسط الباب ، لعلها كانت الخادمة . واقترب منها وأزال قبعته عن رأسه ثم تكلم بصوت بطيء حائر متخشب .

_ارجوك يا آنسة ، أود أن أكلم سيادة الموظف ؛ - انتظر لحظة . اغلقت الباب ثم عادت الى الظهور بعد برهة وجيزة وقالت وكأنها تغني . _ادخل .

لقد دغدغ هذا الصوت القوي الفتى وجدانه وايقظه من غيبوبته . وفي الممر استقبلته برودة الصباح المنعشة . دندن الصوت المغنى من جديد :

- امض رأسا . فالسيد الفاضل في مكتبه .

    ان البرودة المستحكمة هنا قد حررته من بقايا خوفه وارتباكه ، فلم يعد فى وسعه الآن أن يرجع . وتقدم بخطى صارمة من باب مستور وازاح الستار عنه وفتحه . وجد نفسه أمام شيخ قد تهاوى فوق كرسيه واشعل سيكارة . وبينما أخذ الرجل التعس يروي له مأساته بكلمات يأكل بعضها بعضا كان هو يدخل سيكارته في هدوء ويلقي على هذا الانسان الذي وقف أمامه نظرة بين الحين والآخر . كانت يدا الموظف الهرم كبيرتين منتفختين تنمان عن كسل وبطالة .

هذا الوجه يبدو له غريبا ، انه لم يظهر بين الوجوه الكثيرة التى مرت به قبل ذلك . وأخذ يتأمل بعينين جاحظتين ، اطراف الرجل وعضلاته ويختبر قوتهما ونعومتها . وما ان انتهى المسكين من رواية قصته حتى تنفس الموظف السمين الصعداء وقال :

- ان هذا ليؤلمني حقا يا عزيزي . الا أنه ليس من الهين مساعدتك فالفلوس التى دخلت الصندوق قليلة جدا . لكن قل لي ! لا بد انك تريد ان تشتغل ، اليس كذلك ؟ فأنا أريد عاملا مساعدا يستطيع أن يقوم بعمل ما . فاذا أردت أن تكونه فإن في امكانك ان تبدأ العمل عندي اليوم او غدا ، كما تريد سأدفع لك كرونين وثمانين قرشا . هذا يعنى انك تأخذ سدسا أكثر مما يأخذه الآخرون . وأنا أفعل هذا معك ، لانك أب لعائلة . اذا ! هل أنت موافق ؟

وصعب على الرجل ان يقول : " نعم " لشدة فرحته . وعن له أن يقبل يدى الموظف الاسفنجيتين وهو يكتب له عنوان البيت الذى سيعمل فيه .

بلغ لهيب الشمس الابيض ذروة احتراقه ، وكان في الجو غليان شديد ، تحرق حرارته كل شيء تلامسه ، والناس والكلاب والاحصنة تسعى فوق الاسفلت الملتهب كحشرات مجهدة ، وجدران البيوت البيضاء والرمادية تعكس بملايين عيونها الزجاجية لهيب الشمس العظيم ، وفوف أعالي سقوفها يلهث الآجر بحثا عن قطرة ماء .

كان العامل المسكين يرزح تحت عبء الآجر فوق بناية ذات خمس طوابق... فقد حمله على ظهره وصعد به السلم الى اعلى البناية . وكان ذلك شيئا من الخطورة بمكان ، يهدد حياته في كل لحظة . فما أمر هذا العمق الرهيب!

وما أنكى هذه الطريق المحرقة التى يسلكها الى أعلى ! غير أن الفقر الذي يعرفه فى بيته والهم الذى يخز قلبه معلمان قاسيان . لقد قطع هذه الطريق تسع او عشر مرات ، وكان كلما أحس بالتعب والوهن جلس يستريح عند المدخنة . ولم يكن يفكر في غير الدراهم التى سيأخذها الى البيت مساء اليوم . وها هو يسمع أصوات الفرح تنطلق من حناجر أطفاله ويرى الغم يفر من عيني زوجته . وهو ، اذ يفكر في كل هذا ، ينسى جوعه الذي ادخل فى أحشائه يدا جليدية . وكلما شرد فكره وتاهت مداركه نبهه عامل آخر كان يصفف الآجر فوق السطح .

- كن حذرا . انتبه ، ان الشمس كريمة نهار اليوم فلا تدعها ترميك الى أسفل .

استمر فى نزوله وصعوده ، والجوع ينهش معدته أكثر فأكثر . فيضغط عليها باحدى يديه ويطرق بمقبض الاخرى على راسه :

- آ هـ : ان هذا لمؤلم جدا . محرق جدا !

وجلس يستريح من جديد ، وشد رأسه بكلتا يديه وأراح ذقنه فوق ركبتيه المتحجرتين وهو يحلم والجوع والشمس يثقلان رأسه .

لقد انتقل العامل الآخر الى الجهة المقابلة فلم يعد يراه . وكان المسكين يحلم بالبيت وبأطفاله حوله ، يأكلون ويملأون بطونهم الجائعة بالخبز مع الزبدة ، وأمامه كأس من الجعة يشرب منه هو وزوجته بين لحظة وأخرى . أخيرا دخلت بيته دراهم قليلة . ان هذا لمبهج حقا ! ولكن عليه الآن أن ينام ، لانه اولا يشعر بدوار بليد ، وثانيا لان عليه أن يستيقظ مبكرا . ويحس بزوجته تضع فوق جبينه منديلا مبتلا لتخفف من حدة احتراقه .

آه ! ما أروع هذا ، وما ألطف فراش التبن اليوم والينه ! آه !_ - اسمع ، اسمع ! لاحول ولا قوة الا بالله ! امسك بشدة !

انه العامل الآخر يصيح بصوت عال فزع متضارب . ولكن جسد الرجل أخذ يتدحرج فوق السطح بسرعة متنامية ، فاغمض العامل عينيه فزعا ودفن أسنانه فى يده رعبا . واصطدم الجسد بالشارع اسفل ، فتصايح المارة فى ضجة هائلة ولغط وحشي . واقبل شرطي ، وقد هده الرعب ، وحاول ان يفحص الجسد الساقط من عل ، فعلقت بيده ذراع .

لقد ادرك الامر جيدا ! مزق غطاء من قطعة قماش وألقاه فوق الجثة ثم ذهب ليقدم تقريره .

اشترك في نشرتنا البريدية