الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

حكمة المتنبي

Share

ما زال الناس يكثرون الحديث عن المتنبى ويتطرفون أحيانا في التعصب له أو عليه حتى كأن قوله ابن رشيق الشهيرة : ) جاء المتنبي فملأ الدنيا وشغل الناس ( تنسحب على كل العصور لا على عصر الشاعر وحده ، وتنطبق على كل جيل لاعلى جيله الذي قد يكون تأثر فى مواقفه وأحكامه بعوامل خارجة عن الأدب . وإن المهتمين بهذا الشاعر الكبير يتفقون على اختلاف ميولهم فى إبداء رأيين هما مدخل كل دراسة موضوعية يهم أحدهما حياته ، وثانيهما يهم شعره . فالرأى الأول أن حياة أبي الطيب لم تكن وديعة هادئة بل كانت مضطربة آشد الاضطراب ، يكتسبها الغموض من بعض جوانبها ويخرج بها عن النسق الذى ألفه الناس في حياة الشعراء فكان صاحبها قائد عسكري أو حاكم أو زعيم له خطة سرية وتدبير محكم وغاية مجهولة لا شاعر فتحت له أبواب القصور فارتاح إلى هذا الفوز ووقف نفسه على خدمة الأمير فى دعة وطمأنينة ؛ وأن هذه الحياة تركت للقول فيه السبيل لانها لم تكن على وفاق تام مع أفكاره بل لعلها تناقضها وتحمل على الشك فى صدق قائله وتحط من قدره عند من لا يلتمس له عذرا والرأى الثاني هوآن المتنبى قد أتيح له من الشهرة ما لم يتح لشاعر قبله ، وأن هذه الشهرة قد طبقت الأرض فى حياته وبسطت له سلطانا أدبيا على مساحة من الارض فى اوسع الممتلكات فى عصره ، وأن سيرورة شعره قد تجاوزت القرن الرابع إلى اليوم ، فما من اديب إلا حفظ شيئا من شعره وقد يحبه او يبغضه ولكنه لا ينكره على كل حال ، وقد يروى له أكثر مما يروى لشعرائه المفضلين من القدماء والمعاصرين . فأى سر هو سر المتنبي وأي جبروت هو جبروته ؟

إذا كان فن المتنبي فنا لا يختلف في قوته النقاد والمؤرخون وصناعته صناعة لا يشك في إتقانها أديب خبير بأسرار الكتابة ومتذوق نزيه لا تنطلى عليه لمسات العبقرية ومواطن الإلهام ، فإن كثيرا من الناس لم يهتدوا إلى المفتاح السحرى العجيب الذي فتح به كل القلوب واجتاز المسافات فامتدت شهرته إلى الأديب وغير الأديب والعالم والجاهل وإلى الذين يجهلون حتى اسمه . إن الشهرة لا يمكن آن تقوم على البراعة في الصنعة وحدها لأن الشعراء البارعين كثر ، ولا على الاتصال بالملوك أو الإندفاع فى الهجاء إذ أن هذه الأسباب توفرت لغير المتنبى فلم تكن لها نفس النتيجة ونحن نخالف العقاد فى زعمه أن الحسد هو السبب الأكبر فى شهرة أبي الطيب لانه خلط بين السبب والنتيجة ، ونقول إن شهرة المتنبي ما كانت تحطم حدود الأقطار والأزمنة وتبسط له كل هذا النفوذ لولا شئ واحد هو : الحكمة

إن بعضا من القريض هذا ليس شيئا وبعضه أحكام

منه ما يجلب البراعة والفضل ومنه ما يجلب البرسام

ولقائل أن يقول : أليست الحكمة كذلك قدرا مشاعا بين الشعراء أخذوا فيه كلهم بنصيب ولم يفتحوا فتح أبي الطيب ؟ والجواب على ذلك أننا سنرى ما تميزت به حكمة المتنبى فى مجال المعاني والصياغة الفنية حتى سمت على غثاث الأمثال وصارت زينة الأقوال

لقد بلى الشعر العربي منذ العهد الأموى بآفة المديح الرسمي وأضاف الشاعر العربي إلى قيوده الأدبية واللغوية كالوقوف على الأطلال والدخول فى عالم جمالي مغلق لا مجال فيه للتصرف والخضوع لأنماط من التعيبر محفوظة بالوراثة قيدا جديدا سيكون أرهق القيود وأقساها على جسم الشعر العربى المعتل ، حين وقف أدبه على خدمة السلطان وتحول المديح إلى الجذع الذي تنفرع عنه كل الأغراض والإطار الذي يحتويها . وما من شك فى أن تقلص حرية الشاعر مع مرور الزمن ، ومسؤوليته فى ذلك كبيرة ، قد انتفي به الصدق وضاق مجال القول وشلت حركة الإبداع وتراكم الغثاث حتى غطى على النزر القليل من الفن الحق والشعر الرفيع . ومن حق النقاد

أن لا يصدقوا الشاعر العربى فى ما يفوت نصف إنتاجه لأنه كالصوت المحنط إن جاز تحنيط الأصوات . لا يخرج من القلب ليتجه إلى القلب بل من الذاكرة ليتجه إلى الذاكرة . وفي مثل هذه الحالة التى يكون فيها مضطرا إلى المديح والرثاء والوصف التمهيدى والإجازة والمعارضة والتطريز وغيرها من الآلاعيب ، لنا أن نتساءل : أين يمكنه أن يكون صادقا إذن ؟ هل يصح آن يدخل الشاعر نهائيا فى قالب جاهز كتابوت الميت وتشل حركته إلى الآبد دون أن يكتب في يوم من الأيام بأصابعه ويتنفس برئتيه ويتكلم بلسانه نحن نعتقد أن القصيدة العربية - التى قضت عليها ظروف معينة أن تكون بضاعة خاضعة لأحكام السوق وتباع أحيانا قبل النضج لأن الشاعر يرهن مواهبه لممدوحه على امتداد زمني غير محدود - قد تتضمن من الأغراض الثانوية ما يكون أهم من محاورها الأساسية التى من أجلها وجدت . وعلى هذا الأساس نستطيع أن نجزم بأن شاعرا كالمتنبى يقظ الفكر حاد البصر دقيق الملاحظة ، إذا صرف همه لأبواب الشعر القديمة التى تضطره حتما إلى المجاراة والمشاكلة ، فإنه لن يحرم من البوح بأسرار نفسه المضطربة وإبراز أفكاره الجياشة ، أى إنه لن يستطيع أن يخفى عنا صورة الكون كما يراه وجماع هذه الصورة هو ما اصطلح بعض الناس على تسميته فلسفة المتنبى ونؤثر أن نسميها : حكمة المتنبئ

لا نريد أن نقوم بإحصاء للأبيات الحكمية التى جرت مجرى الأمثال وإنما سنحاول الوقوف على ما يمكن استخلاصه منها لمعرفة صورة من ابى الطيب ليست تلك التى عرفناها فى بلاطات الملوك والآمراء ! سنرى الشاعر يلقى إلينا بأسرار نفسه ويحدثنا عن جمال الكون لا وجه الممدوح وماساة الانسان لاميتة أحد غلمان الأمير . سنقلب سلم القيم فنجعل الغرض الاساسى ثانويا والمعاني الجانبية تحتل الصدارة لأن الأولى علب أعدت حسب ميول صاحب السوق والثانية زهرات نبتت في فصول مختلفة ، من الوانها ورائحتها نستطيع أن نعرف الوجه الحقيقى للشاعر

لعل ألذ ما يعجب قارئا عصريا لديوان المتنبى وأجمل مايراه من شخصيته ويقوى علاقته ويقربه إليه حتى يطرحا الكلفة ويتبادلا الحب هو

إحساسه القوى بالغربة . ولا يهمنا أن يكون صاحبنا حاقدا على الملوك لأنهم لم يمكنوه من ولاية أو زاريا على الشعراء لأنهم دونه موهبة وأسبق الناس إلى إذايته ، فالغربة هي ردة الفعل الصادقة على المحيط الحي والوتر المشدود بين الواقع الاليم والحلم البعيد فى نفس كل شاعر تواق إلى ما لا يدرك ومن يدعى أن الولاية لو تمت للمتنبي كانت تريحه من حيرته وتحميه من هواجسه وأحلامه

وآتعب خلق الله من زاد همه وقصر عما تشتهى النفس وجده

وهذه النفس لا ترحم صاحبها لأنها لا تطلب الممكن وإنما تروم ما يفوت قدرة البشر أحيانا وهي لاتحيا إلا من أجل العناء والملاحقة المستمرة للحلم الهارب .

إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم

أما سبب هذه الغربة الروحية المفنية فهو خيبة المتنبى فى الانسجام مع الكون ، وهذه الخيبة غذتها روافد كثيرة سنذكر قسما منها لنفهم مأساة التمزق التى كان يعانيها

أحس الشاعر بالحاجة إلى الصديق لأنه لم يستطع أن يتحمل وحده عبء الحياة وقال

شر البلاد مكان لا صديق به وشر ما يكسب الانسان مايصم

ولكن الصداقة الخالصة التى يطلبها عزيزة الوجود لأن الصديق كما ذكر أبو حيان التوحيدى ثان هو أنت إلا أنه بالشخص غيرك . وأدى أبو الطيب هذا المعنى حين قال :

ما الخل الا من اود بقلبه وارى بطرف لا يرى بسوائه

وإذا كان الانسان يحتاج دائما إلى صنوه الذي لا يختلف عنه إلا

بشخصه يحس بقلبه ويرى بعينه فإن عصر المتنبى بما ساده من اضطراب فى أحواله السياسية والاجتماعية لا يحمل إلا على الخوف والريبة لما يجعل الصداقة كنزا نفيسا وفى نفس الوقت مطلبا صعب المنال . وقد أدرك أبو الطيب هذه الحقيقة ولم يخف عنه أن الصديق قليل كالخيول الجيدة ( وإن كثرت فى عين من لا يجرب ) ولم يغتر بما بدا من علاماتها الكاذبة خليلك انت لا من قلت خلى وإن كثر التجمل والكلام

ويذهب به سوء الظن بالناس حتى لا يرى فيهم إلا مخادعين منافقين لا يصفو لهم ود ولا يصح لهم دين

ما الناس جربهم لبيب فإنني قد أكلتهم وذاقا

فلم ار ودهم إلا خداعا ولم أر دينهم إلا نفاقا

إلا أن المرء ربما آثر الخداع على الوحدة والنفاق على الوحشة فيألم لخيبته التى لا مفر منها ويستسلم لقدره المحتوم حين يقبل العيش بين أعدائه ويضطر إلى مداراتهم . أليس هذا من قسوة الدهر على نفس حساسة كالمتنبى ، فيصرخ معترفا بعجزه :

ومن نكد الدنيا على الحر ان يرى عدوا له ما من صداقته بد

وللانسان فى الحب مأرب آخر غير المتعة العابرة والشهوة الغامرة ، ولم يكن المتنبى من كبار العشاق ولا من مشاهير الشعراء الغزلين وان وفق احيانا إلى أبيات جميلة كقوله فى مستهل قصيدة يمدح بها سيف الدولة

لعينيك ما يلقي الفؤاد وما لقى    وللحب ما لم يبق مني وما بقى

وما كنت ممن يدخل العشق قلبه   ولكن من يبصر جفونك يعشق

إلا أنه لم يهمل المرأة في شعره ، ونحن لا يهمنا ذلك الغزل التقليدى الذي تستهل به مطولاته جريا على السنة القديمة كما قال هو بنفسه

إذا كان مدح فالنسيب المقدم أكل فصيح قال شعرا مقيم

بل غرضنا ان نستجلى الصورة التى ارتسمت للمرأة في نفسه ،

وهنا أيضا تكون الحكمة هي الأقرب إلى الصدق من المقدمات الآلية وإن حلا فيها القول وراقت الصناعة . ورأيه فى المرأة ينطلق من سوء ظنه بالإنسان الذي وسمه بالشر الفطرى والظلم المتأصل فى طبيعته البشرية :

والظلم من شم النفوس فإن تجد ذاعفة فلعلة لا يظلم

والمرأة التي أخرجت آدم من الجنة لا يخدعه طلاؤها ولا تبهره أضواؤها اجتمع فيها عنصر النور وعنصر الظلام اللذين يرمز بهما إلى الخير والشر غير أن الأول كان بههرجا زائفا والثاني طبيعة مستورة :

ومن خبر الغوانى فالغواني   ضياء فى بواطنه ظلام

والصفة الأولى التى أطلقها المتنبى على المرأة هى الغدر ، فكأنها مخلوقة لهذه الغاية حتى إذا وقت خالفت طبعها وإذا غدرت صدقت نفسها فوفت لها العهد

إذا غدرت حسناء وقت بعهدها فمن عهدها آن لا يدوم لها عهد

وماعسي أن يرجى من كائن جبل على هذا الطبع ، لذلك لا يكون الحب إلا غرة وطماعة والعاشق مغفلا واهما :

وما العشق إلا غرة وطماعة يعرض قلب نفسه فيصاب

أما إذا عدنا إلى النسي فإننا نجد شخصا آخر تسبيه للعيون وتتيمه القدود وتسهده الذكريات ، ولا يخدعنا ما في نسيبه من رقة موهمة بالصدق فإن للمتنبي من البراعة ما يحول في نظر القارىء المستعجل صورة الدمية الاصطناعية كائنا قريبا جدا من الآدمية ويضفى عليها من الماكياج الفني ما لا يقدر عليه كبار المخرجين السينمائيين . فالمرأة الحية التى تعيش فى وجدان أبى الطيب ليست الخربوعوبة التى لها كفل يكاد عند القيام يقعدها ولا الربحلة السبحلة التى سهر منها الليالي ولكنها تلك التى يانف من يورثها عقبا وكانت سببا من أسباب عزوفه عن الدنيا

وما الدهر آهل أن تؤمل عنده حياة وأن يشتاق فيه إلى النسل

وأبو الطيب . خلافا لما روح بعض النقاد عنه لا يكن عداء للحياة

ولإ يرفضها رفضا فلسفيا أو وجدانيا كمينا فى طبعه . بل هو يتعلق بها كاشد ما يكون التعلق ويغازلها برقة وحنان ولكنه لاينكر من صفاتها إلا التحول الذى هو حتمية يفرضها سير الزمان ، هذه الحتمية المأسوية التى جعلت جان جاك روسوا يقول : " لا توجد السعادة وإنما يوحد الفرح لان من صفات السعادة البقاء والزمن عدو الإنسان ينغصه فى حالآت السرور باحتمال التحول والخوف من فوات اللحظات التى بين يديه . لذلك كانت حسرة المتنبى على الحياة مرتبطة . بزوال الشباب ، ولنا في صورة الشيخ المتافف من ضعفه والعاشق الذي تفك يديه بالقوة ما يعبر لاعن تشاؤم المتنبى بل عن ماساة الانسان فى مواجهة الزمن بما لا يدع مجالا للشك فى آن آبا الطيب كان من عشاق هذه الغادة الحسناء التى لا تتمم الوصل

ولذيذ الحياة انفس فى النفــ   س وأشهى من أن يمل وأحلى

وإذا الشيخ قال اف فما م    ل حياة وإنما الضعف ملا

الة العيش صحة وشباب    فإذا وليا عن المرء ولى

ابدا تسترد ما تهبب الد      نيا فيا ليت جودها كان بخلا

فكفتت كون فرحة تورث ال - غم وخل يغادر الوجد خلا

وهذا التحول الذي تقتضيه طبيعة الزمن هو الذي جعله يعدها أنثي كبقية النساء مجبولة على الخداع ولكنها معشوقة على الغدر وغدرها لا يورث الحقد والضغينة لانه معروف سلفا بل يزيد عاشقها تعلقا بها وأسفا عليها .

كل دمع يسيل منها عليها وبفك اليدين عنها تخلى شيم الغانيات فيها فما أد رى لذا أنث اسمها الناس أم لا

من هذه الشيم الغرور

إني لأعلم واللبيب خبير ان الحياة وإن حرصت غرور

والغدر وقلة الحفاظ على العهد

وهي معشوقة على الغد لا تح فظ عهدا ولا تتمم وصلا

والكذب

ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت على عينيه حتى يرى صدقها كذبا

وهيهات أن ينقص حب الإنسان للحياة رغم ما يرى من عيوبها وكان أبو الطب فى هذا الزحام يأخذ نصيبه منها بلهفة وشوق ويعرف أن هذا الحب قدر مشاعر بين كل الناس ولعله يمتاز على غيره من انواع الحب بأنه لا يثير حسد المتنافسين ويتركهم جميعا على نفس اللهفة من شجع منهم ومن جبن

أرى كلنا يبغى الحياة لنفسه حريصا عليها مستهاما بها صبا

فجب الحبان النفس أورده البقا وحب الشجاع الحرب اورده الحربا

والموت عند المتنبي ليس شعارا حربيا يرفعه لتمجيد البطولة فحسب انما هو كذلك فكرة فلسفية تفسر كثيرا من مواقفه وتلقى ضوءا كاشفا على جزء كبير من حياته . صحيح أن جل قصائده تجعل الموت مطلبا ساميا لكل إنسان شريف ، فهو الرحي التى تطحن الاعداء والالة التى تحرر المقاتل من الذل والجبن ، إنه يكاد يكون مفتاح السلوك البشرى على أي مستوى ، به يفهم الكرم والبخل والوفاء والغدر والصدق والحدب والجرأة والخوف ! وإذا حاولنا الوقوف على المعاني الدقيقة لهذا المفهوم وسر أغواره أجابنا الشاعر بأنه لا يعرف إلا بالوصف لان كنهه يخفى

على من لم يجربه :

فالموت تعرف بالصفات طباعه لم تلق خلقا ذاق مونا ائبا

وهو لص يختلس الأرواح دون أن تقع عليه الحواس

وما الموت إلا سارق دق شخصه يصول بلا كف ويسعى بلا رجل

وأول صفاته أنه قوى قاهر ، يعجز دونه الجيش الجرار وينكسر أمامه الشجاع ، ثم إنه قدر محتوم يسلط على المرء ليحرمه متع الدنيا ، فهو بذلك مصيبة عظمى وداء عضال أعى كل الأطباء ، وهو غادر يأتي بلا استئذان ، بل لعله يتحين منا فرص الغفلة والإطمئنان ليهاجمنا بقسوة :

إنا لنغفل والأيام في الطلب وبهذا المعنى ، تنتفي عن الموت صفات الخصم الشريف الذي يواجه خصمه وينتصر عليه - إن انتصر - بشجاعته وفتوته ويتحول الموت إلى قاتل مغتال لافضل لمن يهرب من كيده فيعمر طويلا ولا ضير على من يقع في فخه فيموت قبل غيره . بل لعله من شرف الفتى أن يسير إليه مبديا من نبله ما لا مجال معه للشك في تحديه لغدر الموت ، وقوة الموت . وهكذا تأخذ الشجاعة أبعادها الفلسفية ولا تبقى خلة موروثة عن المجتمع القبلى وصفة يحملها الإنسان للاستظهار بها أمام الناس . وكما كان المتنبى قويا فى هذه المواجهة ، كان كذلك قويا فى مواجهة هذه الحقيقة الكونية القاضية بأن تكون لكل حياة ، فلم يهرب إلى التفجع والبكاء ولا إلى الوعظ والإرشاد وتقبل الحلول الدينية السهلة ، وفهم الموت فهما يدل على أنه ليس من صنف زهير ابن ابي سلمي وطرفة بن العبد وأبى العتاهية ، بل هو عقل كبير لا يرى الأشياء بالمنظار الذى لا يبدى منها إلا السطح وإنما يتعمقها ويفحصها عن كثب لتبين حكمة الكون أو مقاصده على حد تعبير الفقهاء ، من قيامه على هذه السنن - فالموت - وهو انتفاء الحياة ضمان لبقائها لأن الخلود يقضي عليها بالتوقف ويسلب حق الوجود من الذين لم يوجدوا بعد :

سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها منعنا بها من جيئة وذهوب

تملكها الآتي تملك سالب وفارقها الماضى فراق سليب

ألا نرى أن الموت يستعمل ميزان العدل في منح حق الحياة للكائنات وهو في هذه الحال يرضى الذين يعانون الظلم ولا يستطيعون له ردا . لنتصور أن البشر كان بإمكانهم أن يشتروا الخلود أو يدفعوا الموت بقوة الجيوش وأن يفسحوا من مساحة الأرض بالمال أو بالقوة أيضا لمن شاؤوا وكيفما شاؤوا ، فهل سيموت راعي الضأن أم يملك عبد سيف الدولة ؟

يموت راعي الضأن فى جهله ميتة جالينوس فى طبه

وربما زاد على عمره وزاد فى الامن على سربه

وغاية المفرط في سلمه  كغاية المفرط فى حربه

والشاعر تروقه هذه المساواة فى الحظوظ والعدل في القسمة فيذكر بأننا مدينون بالحياة للموت وأننا أبناء موتى ، وأننا مثلهم ميتون :

ونحن بنو الموتى فما بالنا نخاف ما لا بد من شربه

ويدفع الشاعر إلى التأمل في حقيقة الكون وبالأحرى فى بداية الإنسان ونهايته ، وإذا كان رأيه فى أصل الخليفة لا يعبر عن حيرة كبيرة بل شجعنا على القول بأنه آمن بوحدة الوجود فى بعض حالاته وبشكل من الأشكال حين قال :

تبخل أيدينا بأرواحنا على زمان هى من كسبه

فهذه الأرواح من جوه وهذه الأجسام من تربه

إذا كانت البداية سليمة ، فالنهاية أليمة لان مصير الروح مجهول والآراء فيه متضاربة :

تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم إلا على شجب والخلف فى الشجب

فقيل تخلص نفسر المرء سالمة وقيل تشرك جسم المرء فى التعب

ومن تفكر في الدنيا ومهجته اقامه الفكر بين العجز والتعب

إن هذه الحيرة دليل على أن الموت ليس عند المتنبي حلا مريحا او جسرا يعبر عليه إلى عالم السعادة المطلقة ، إنما هو كما كان بالنسبة للشاعر الفرنسي بودلير مثلا تجربة من التجارب التى حاول بها التخلص من القلق . ولئن جرب بودلير وأبواب ديوانه عناوين لمراحل هذه المحاولة الحشيش المخدر والخمر والحب والسفر وانتهى به المطاف إلى الموت فان طبيعة الشاعر العربي وظروف عصره لم تفسح له مجالا على هذه الدرجة من الاتساع ولم يتسل بالحشيش والخمر ، بل بالسفر والحرب وسعى وراء غاية تجل عن الوصف والتسمية ( ما أبتغي جل أن يسمى ) تتلخص فى تلك الكلمة العجيبة الطاغية على شعره : المجد

ولا تحسبن المجد زقا وقينة فما المجد إلا السيف والفتكة البكر

وتضريب أعناق الملوك وأن ترى لك الهبوات السود والعسكر المجر

وتركك في الدنيا دويا كأنما تداول سمع المرء أنمله العشر

ولا تكون حكمة المتنبى كاملة ما لم تقم على دعامتها الأولى وآلتها القوية : العقل . إن الشعراء العرب الذين تجاوزوا وصف الظواهر النفسية العارضة وحاولوا استبطان الإنسان وسبر أغوار عالمه الداخلى قلة قليلة ، والذين جمعوا بين هذا السير والإيمان بالعقل ولم يكتفوا بالغنائية الضحلة بل فكروا ودبروا هم أقل من هؤلاء . وليس من الغلو في شئ آن نعد أبا الطيب امام الشعراء المفكرين وهو الذي لم ينفك يمجد العقل ويحكمه فى كل شئ . العقل هو انفس ما للفتى وكنزه الذى لا ينبغى الإنفاق منه إلا بمقدار

وانفس ما للفتى لبه وذو اللب يكره انفاقه

وهل أكثر تقدير المكانة العقل فى حياة الانسان من الذي يخضع الحب للعقل ويجعل صلاحه رهن ارتباطه به وخلوه منه :

فإن قليل الحب بالعقل صالح وإن كثير الحب بالعقل فاسد

بل إن القلب بلا عقل يكون فى عمى مطبق لا يرى به حقيقة بينة وكأن العقل قوة مضافة إلى طاقة الإنسان تضاعفها وتمكنها من النفاذ إلى أشق المسالك . فهذا الحيوان الاجتماعي الذي ليس له ظفر حاد وناب كاسر ولا جناح طائر ، عوضه الله عن كل ذلك بآلة التفكير والتدبير فانفتحت أمامه الصعاب وتصدع صم الصفا :

ولابد للقلب من آلة ورأى يصدع صم الصفا

هذا هو فرق ما بين الانسان والحيوان ، ولئن كانت هذه حقيقة بديهية ترددت كثيرا على ألسنة الناس فإن جريانها على لسان شاعر يعطيها أبعادا خاصة . وأبو الطيب الذى تغنى كثيرا بالحرب ومجد الشجاعة باعتبارها صفة ملازمة كالموهبة والطبع لمن تحلى بها ، لا يراها فضيلة مستقلة بذاتها

بل يفضل عليها العقل ، ويرجع له شرف الانتصار الذى يقرر مصيره قبل السيف والرمح :

الرأى قبل شجاعة الشجعان هو أول وهى المحل الثاني

فإذا هما اجتمعا لنفس حرة بلغت من العلياء كل مكان

ولربما طعن الفتى أقرانه بالرأى قبل تطاعن الأقران

لولا العقول لكان أدنى ضيغم أدنى إلى شرف من الإنسان

ولما تفاضلت النفوس ودبرت أيدى الكماة عوالى المران

ولكن إذا كان العقل شرف الانسان وهدية السماء المفضلة ، فإنه كذلك عنوان شقائه وبلائه في كون لا تخضع سننه لصرامة العقل ولا تدخل صورته فى منظاره . وإن آردنا أن نتبين فرق ما بين المتنبي وغيره من الشعراء فى هذا المجال فلنتذكر شقاء هؤلاء بقلوبهم وشقاءه هو بعقله . يقول آبو القاسم الشابى

والشقى الشقي من كان مثلى فى حساسيتي ورقة نفسي

ويقول أبو الطيب :

ذو العقل يشقى فى النعيم بعقله واخو الجهالة فى الشقاوة ينعم

وما شقاؤه إلا لانخرام التوازن بين الانسان المفكر ومحيطه ، وهذا التمزق الذي عاشه المتنبى جربه كبار الفلاسفة والمصلحين ، وجربه بالخصوص من كانت حكمة المتنبي دون سائر الأغراض الشعرية . مدرسته الفكرية الأولى : أبو العلا المعرى . وتأثير أبي الطيب فى أبي العلا لا يظهر في تعبير شاعر اللزوميات عن الإعجاب وحده بل في المنهج الادبي والحكمى الذى سلكه على غراره فأتم حكمته بخير ما يمكن لها أن تتم مع اختلاف الرجلين فى الطبع ونمط العيش

وقد تجد من شعر المتنبى فى الحكمة ما هو أشهر بين الناس وليس فيه هذه الأغراض الجليلة التى استعرضناها لأن الشاعر كان قادرا على صوغ حياة الناس العملية فى كلام جميل لا يتميز بتفكير طريف أو تحليل مبتكر بل باستيعابه أخلاق المجتمع الذي عاش فيه ومعتقداته ، فمنها ما يتعلق بالشرف ومنها ما يتعلق بالكرم ، وهذه في رأينا أكثر دلالة على انتماءات المتنبى الاجتماعية والحضارية منها على فلسفته الخاصة

وقد يكون من المفيد أن ينظر - من الناحية الفنية - فى السياق الذي تولد فيه الحكمة وارتباطها الغرض الأساسي الذي تأتي كاشفة لبعض جوانبه وهذا لا يكون إلا بتخصيص جانب من الدراسة لأسلوب المتنبى

اشترك في نشرتنا البريدية