الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

حلم آمرأة متزوجة ..

Share

آه !.. والف آه ! ومليون آه ! على هذا الزمان الغادر .. الحاقد .. الجافى .. آه !.. وألف آه !.. على حياتى !.. كيف مرت .. هكذا ، فى رتابة مملة .. سماء مظلمة ، لا نجم يظهر فيها ولا قمر !!

آه على بختى الراقد فى " ثلاثجة " لا يريد أن يرى النور ، ويخرج للشمس ، والحرارة ، لعل الروح تدب فيه فيقفز " قفزة " واحدة ... هل العالم أعمى ؟ هل العالم مجنون ؟ نعم أعمى ومجنون أيضا ، وإلا ... ما علينا .. الدنيا حظوظ .. حظوظ ؟

لا .. انها غلطتى .. نعم غلطتى .. كم رفضت من خاطب تقدم الى عندما كنت فى عمر وردة بدأت كمامها تتفتح .. نعم رفضت كل الخطاب .. رفضتهم كلهم .. وما زلت ارفض ، وارفض ، وارفض ... ما من احد منهم يستحق يدى ، اعلم ذلك .. ما من أحد منهم يستطيع الفوز بقلبى ويعطينى ما أرغب فيه من الحياة ..

ولكن .. لم يأت فارسى بعد ، لم يأت رجلى الموعود ، الذى رسمت له صورا بديعة مزهرة فى خيالى ، وعشت.. معها الليالى الطويلة . كم مرة بكيت فى هدأة الليل والناس من حولى نيام .. بكيت كأن لم أبك طول حياتى ، متوسلة الى " طيفه " ان يظهر .. ان يظهر هو ، بلحمه ودمه ويدق بابى ، وينهى عذابى ، ثم يأخذنى من يدى ويطير بى فى الاجواء أو يغوص بى فى قص البحار والمحبطات ، فأنا معه ليس لى اختيار .. انه ...

آه .. آه ... أين أنت . ؟ ان صورتك متمثلة الآن أمامى : بقدك الطويل ، وجسمك الضامر ، وشعرك الفاحم الذى يحيط بوجه منير كالقمر . وجه يعلوه حاجبان أسودان كثيفان ، وعينان فيهما سحر ، وجرأة تذيب كل طبقات الجليد التى تحيط بها المرأة نفسها ، أو تطفئ كل لهب وشرر ، ترسله أنثى متحفزة ، متنمرة .

وجه بتوسطه أنف دقيق ، تحته فم كالشهد .. آه .. أين أنت أيها الفارس الجميل ، الانيق أين أنت ؟ أين ؟..

تنهدت هذه المرة بصوت مسموع ، جذب انتباه الرجل الذى يجلس بحانبها ، مع بقية زوار الطبيب ( ع ) ، وهم قلة فى هذا اليوم الاخير من الاسبوع : بعض نساء ورجلان .

التفتت الى جليسها . وأصابعها ما زالت تعبث بمفاتبح سيارتها ، فاحمر وجهها قليلا ، ثم حولت نظراتها الى الباب لترى الزائر الجديد ، واذا ببصرها يتجمد فجأة ، وكان بدا مغنطيسية جذبتها بقوة ، ودق قلبها دقات عنيفة ، وكادت الدماء تنبحبس من خديها ، وأحست كان نارا حامية تمر بكامل جسدها : انه هو .. هو .. هو بعينه .. هو ..

القى الشاب نظرة على من فى الحجرة ، وتوجه الى أحد المقاعد ، وهو يحمل طفلا ، بين ذراعيه ، ملفوفا فى ملاءة من الصوف الاحمر .. كان الصغير ، يطلق تنهدات وزفرات حرى من تأثير الحمى التى تشوى جسده الغض .

نظر الشاب اليه نظرة جزعه ، وعاد يتأمل الوجوه ، واذا به يعثر على نظراتها ، كانت نظرات حالمة ، وعلى فمها شبه ابتسامة فأراد أن يبتسم مجاريا ، متكلفا ، ولكنه ارتبك ، وحول بصره ناحية النافذة ، ومكث مدة قصيرة ، ثم عاد بتلمس الخط الواصل بينه وبينها فوجده كما كان ، عندها ، قام واتجه الى مكتب الممرضة بينما رنت هى اليه ، تشيعه بأهة طويلة مسموعة ، اهتم لها كل من فى القاعة ، وربما رثى لحالها جارها ، مشفقا عليها من المرض اللعين وما درى ، ان مرضا آخر أشد وطأة يأكل نفسها وينخر عودها .

- جرس الباب .. انظرى يا ( ياسمين ) .. - حاضر يا عزيزى !

- من ؟

- انه البستانى يهديك باكورة ازدهار الربيع .. آه يا عزيزى .. ما أسعدنا بهذه الجنة ، البعيدة عن أعين الفضوليين .. أنا وأنت فحسب .. أتسمع أنا وأنت ..

- نعم يا حياتى .. دعينى أقبل هذا الوجه ، بل هذه الوردة التى صيغت من أنفاس الجنة .. لا حاجة لى بأزهار البستانى . . تكفينى هذه .. اننى أحيا بها .. أحيا بها ...

- آه .. آه .. أرجوك يا حبيبى .. - ( ياسمين ) ... - روح ( ياسمين ) ؟ - ألا تجدين اليوم حرا .. أحس بيبس فى حلقى .. - سلامتك يا حبيب .. سآتى اليك ب ... - لا .. لا أريد .. ان عطشى لا يطفئه الا شئ واحد .. - ما هو ؟ - قطعة من الشهد المبرد .. هل ذقت مرة عسلا مبردا يا حياتى ؟ - لا .. ولكنى أريد أن أذوقه الآن .. - الآن ؟ - نعم الآن .

عاد الشاب الى مكانه ، وهى ما زالت سارحة مع احلامها ، ولما رأته ارتبكت وانقشع ضباب الحلم .. لتعود الى واقع اعذب من الحلم وأرق منه .

لم تزدها رؤيته الا اندفاعا ، وراء خيالها الجامح ، الذى عاد يجرها إلى عوالم مجهولة ، وخواطر محمومة .

ابنك .. نعم انه ابنك .. انت تزوجت غيرى .. لكنها حمقاء .. حمقاء لم تعرف كيف تسعدك ، انت لم تخلق لها .. انت لم تخلق لغيرى .. انظر .. ها هو ابنك مريضا بسبب تهآونها .. انها لا تريد ان تبقى فى المنزل ترعاه وتسهر على راحته ، همها الخروج ، والجرى وراء كل جديد : ازياء جديدة ، قبعات جديدة أحذية جديدة بل وحتى سيارات جديدة .. والنتيجة .. ها هو ذا ابنك يغلى

فى مرجل الحمى .. انها لم تفهمك ، لم يحاول ان تقدم اليك كأس السعادة كما أقدمه اليك أنا .. نعم .. أنا وحدى أجعلك تحيا فى جنة رضوان .. لم أخلق لا لك ولم تخلق الا لى .

أخرجها بكاء الطفل من عالمها قليلا ، ثم عادت تبنى صرح الحب " بمثال " من تخطيطها : انظر انه يبكى النار تأكل جبينه .

لم يكف الصغير عن البكاء .. رغم وقوف الرجل به محاولا اسكانه . عاد يهزه هزات لطيفة متمتما دون جدوى عندها نظر الى الحاضرين كأنه يعتذر ، وعندما أراد مغادرة الحجرة إلى الردهة نهضت هى وتقدمت منه .

- عفوا ، هل تسمح ؟..

ومدت له ذراعيها .

- لا عليك يا سيدتى .. لا أريد ازعاجك .. بل ..

- ولكن هذا لا يزعجنى .. انتم الرجال لا تتقنون هذه الصنعة .. دعنى آخذه .. عن اذنك ..

لم ير الرجل بدا من ان يسلمها الطفل فأخذت تهدهده وهى تقول فى نفسها : انه ابنها . نعم ابنها .. ولكن من أجلك .. من أجلك أنت يا حبيبى ..

سكت الصغير ، وعاد كل الى خواطره وتفكيره ، وران صمت قصير ، وهى لم تزل تحمل الولد الذى ظل يتقلب ذات اليمين وذات الشمال واذا بامرأة نقتحم المكان كالسهم ، ملهوفة الفؤاد ، جزعة العين تصبح بصوت خافت :

- ابنى ... ابنى . ولما رأت الرجل اندفعت نحوه . - كمال .. عزيزى .. أين حاتم . - لا تخافى يا حياتى .. انه بخير .

مدت الأم يديها ، وأخذت ابنها فى حضنها ، وجلست على اقرب مقعد وجدته بينما ظلت هى واقفة كتمثال من الشمع على وشك الذوبان من اثر الحرارة التى غشيت المكان فجأة ، وحذا الرجل حذو زوجته ممسكا بكتفها ، رانيا الى ابنه بحنان .

وعادت هى تهمس لنفسها : العالم مجنون ، العالم أعمى .

وما فتئت تردد هذه الكلمات بغضب ويداها ترتطم بجسد زوجها الراقد بجانبها ، حتى نهض المسكين مولولا :

- ما ماذا .. د .. دهاك يا امرأة .. ماذا دهاك !!؟

فتحت عينيها ، وفركتهما بقوة ، ولما عادت الى وعيها ، رفعت جسدها الممتلىء بتثاقل الى أعلى ، واسندت رأسها الى الوسادة وهى تقول :

- يا له من حلم !!! ياله من حلم !!!

وضحكت ... بينما قال زوجها وهو يستعد للنوم ثانية ، محركا بطنه بصعوبة ، وممررا كفه على رأسه الأصلع .

- يا لها من لكمات .. لكأنك " محمد على كلاى " فى زمانه !!! اغرقت فى الضحك وهمست بقوة :

- نعم .. ولم لا .. العالم مجنون .. والحمى أيضا !!! لم يفهم الرجل طبعا ما تعنيه ، وراح يغط فى نوم ثقيل .

اشترك في نشرتنا البريدية