الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

حلم الصيف القادم

Share

"كذا المرأة لا تكون الا واهنا مقطاع الجهد فاذا همت ان تشتد أو اشتدت بعض يوم ، إذا هي رماد . . . "

أريد . . أريد أن . . أن أقوى . . عجبا ! . . لماذا لم تتحرك السيارة حتى الآن ؟ ! . الشمس محرقة والعشب متراخ . . اين الولد هذا الصباح ؟ . . ماء الناعورة متصاعد فى حركة لولبية دائما الى فوق ، الى فوق . . الشجر . . الشجر . . الشجر . . يتثاءب الشيخ الجالس بطرف المقعد الخشبى . . يفرك عينيه . . أغنية من مذياع بعيد " ياللى ظالمنى . . . " العشب مبلل . . ما هى الاخبار الجديدة اليوم ؟ . . دراجة صغيرة ، يصفعها طفل يبتسم . . رجلاه عاريتان . . ضحك . . " خصلات شعرك ناعمة ، مسترسلة كمشاعرى عندما أحس بالدفء والضما وأنا أمشى وحيدا ذات مساء ممطر . . فستانك الازرق يذكرنى بالبحر الذي قطفت منه الغد وحلمت على ضفافة وتمددت على رماله ساعات وساعات اراقب الفضاء اللا متناهى . . والنجوم . . مدى يديك . . مديها لاحس بحرارة الأشياء والاستسلام . . " أشعة الشمس تخترق أغصان الشجر وتتساقط على الارض فتترك بقعا واضحة كالجراح . . . أصوات بائع جرائد مار ، يلوح بيده،  يرتعش فى رقصة هستيرية . . أصوات . . اشتريت جريدة . . أحاول أن أقرأ . . لا جديد فى العناوين . . أضع الجريدة جانبا . . هل التقى بأمى هذا الاسبوع ؟ . . أصدقائى لم يراسلوني منذ مدة طويلة ؟ . . لقد سلونى ،  ملوا كلامي المعاد . . لكنى سأحاول البحث عنهم لأسرد لهم نفس الحكايات . . السيارة تتحرك الآن . . ما أجمل أن تتحرك بل ما أقبح ان تمشى السيارات ! انها تقلد جدى الذى مات وهو يمشى وقال لى انه سيظل يمشى رغم صغر مساحة العالم . . السيارة تتجه الآن الى الخلف . . طفلان يتشاجران .. أشعة الشمس تتسلل وتهوى على الارض ٠٠٠٠

..." لم أنم البارحة لانني . . لانني عندما التفت الى ركن الغرفة الضيق تذكرت ملامحك فجأة . . وكنت . . كنت تطلين من الشرفة وتبتسمين . . فأحس بأنى أفقد دورتى الدموية وانى اسمر فى مكانى . . ويحملنى تيار جارف الى دنى غريبة شفافة راقصة . . وأحس بأنى فى حاجة الى البحث عنك فى عالمي المختنق . . " . . . الازهار ! أزهار الحديقة متفتحة ، وماء الناعورة مندفع وبعض الطيور تحلق . . قطع الاوراق التى أحملها مع واسجل عليها بعض الارتسامات تطل على من جيبى الصغير وأحس بأنها قطع من جسمى تقص اربا اربا فأتألم وافنى . . افنى . . " ارجوك لا تحطمي العالم الذي بنيناه بأحلامنا وارهاقنا وطموحنا . . لا تحطميه فترتكبى جريمة لا تغتفر . ." لا شئ . . أجل لا شئ على الاطلاق يقلقني ما دمت قد تعريت . . فتاة تدخل الحديقة وتتجه صوب المقعد حذو الشيخ ..يكتشفها الشيخ بجانبه فينتفض انتفاضة حارة ويسكن الى تأمل وذهول . . الفتاة تفتح حقيبة يد ، تخرج مرآة وتغلق الحقيبة وتنظر الى ما حولها . . الممر الذى يتوسط الحديقة ممتد الى الامام ، فى عمق متناه . . نسيت هذا الصباح أن أغلق نافذة غرفتى التى تطل على ساحة المدرسة المجاورة . . من النافذة أترصد معلمة تدرس أطفالا وكانت تحقد عليهم فلا تنفك تضربهم . وذات مرة اكتشفتني أترصدها فتوقفت عن الكلام كانما فقدت لسانها وصارت من يومها تترك الاطفال يعبثون ويصيحون وينتقلون فى ارجاء القاعة . . الازهار التى حملها هتلر لحبيبته،  بل الازهار التى بجانب مقعدى متفتحة ، تحتضن أشعة الشمس في انطلاق وتطاول . . لماذا يقترب الاطفال من النافورة ويداعبون رشاش الماء ؟ . العشب متناثر فى أطراف الحديقة . . " العشب جنة خضراء في جزيرة نائية يا حبيبتى وأنا وانت حب وشوق واحتراق أبدى ممل ، نلهث على شاطئ متوحش ممتد الرمال والزرقة والحرارة . . سنقطف الثمار والكروم ونقدمها الى أقدام الصخور ونعصر الكروم ونستحم بها علي دفء الشمس وعرائها . وامسك ولا تمسيننى وتشربين ناظرى ولا أجذب خصلات شعرك . . ونجرى . . نجرى بدون توقف ولا كلل ، نجرى على الرمال الممتدة . . الممتدة فى فصل الصيف . . الصيف الحنان والعطش والكروم الزرقاء . . وأنا وانت موت وانبعاث وحرقة وتنهد وذوبان . . على رمال عطشى . . في جزيرة نائية . . على الارض يا حبيبتى على الارض . . " .

لماذا لا أقف ؟ لا احاول الحركة ما دام الشيخ لا يقف والممر متسع عميق ؟ وقفت وتجاوزت الحديقة الى رصيف الشارع . . اختلطت بالمارة . . وجوه تزحف أمامى . . تلتصق بجانبي ، تقصدنى وتهرب فجأة . . الزحام متواصل

هذا المساء على رصيف المدينة . . أحاول أن اتطلع فى الوجوه . . ابحث عن شئ ضائع بين هذه الافواج . . ربما سأجده . . ربما . . انى متأكد من ذلك ما دام الزحام لا ينقطع وما دمت ألاقي الوجوه من كل جانب وما دام الرصيف ممتددا . . " سنقطف الازهار يا حبيبتى . . فى الصيف القادم سنلبس اللون الابيض ونجرى وحدنا مع الريح ونصرخ ونتعانق . . فى الصيف القادم يا حبيبتى سنحرق اسطواناتنا وكتبنا وثيابنا وصورنا . ونضحك . . نضحك لاننا نسخر من قصور . . " بابل " وجنون " هتلر . سنضحك وننطلق في حمرة الشمس وسنرد أغانينا التى حفظناها ونسينا بعضها . . فى الصيف القادم سأضمك الى وننظر معا الى النجوم ونعدها واحدة واحدة . . فى الصيف القادم سنقبل البحر . . ونعصر الكروم ونقبل الصخور . ونضحك . . في الصيف القادم يا حبيبتى . . فى الصيف القادم . . تصورى فى الصيف القادم . . الصيف الذى لن يأتى . . سأفقد اسطواناتى وكتبى وأزهارى وحبات الرمال ونجومي . . وسأكون . . سأكون على شاطئ مهجور أتمشى . . أبحث عن أسراب النورس الهائمة . . أبحث عن شئ . . لا شئ . . في الصيف الذى لن يأتى . . فى الصيف . . لا شئ . . الذى لن يأتي . . لا شئ . . فى الصيف القادم . . القادم . . تصورى الصيف الذى لن يأتي . . . " .

كان الرصيف قد انتهى ، وكان الافق ممتددا وكان المساء يزحف من حولى . . وكنت حمى وعبئا على كاهلى . .

اشترك في نشرتنا البريدية