الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

حلم على الطريق

Share

كان يمشى على الرصيف . . تدفعه خواطر مبهمة تلتقى فى نقطة واحدة . كان يشعر بالحزن . . انه يفكر فى هذا الشتاء الذى داهم المدينة واستقر بها . وكان عليها ضيفا ثقيلا لم يكن مثل كل شتاء . .  ما زال يمشى على الرصيف . . . يده فى جيبه الايسر ، ، ، والطريق أمامه طويلة ممتدة بقامتها الاسمنتية الباردة .

سمع صوتا لا يعرف مصدره . ربما كان من أعماقه ، ، ، لم يتبين ما يسمع فى أول الامر لكنه أرهف السمع . . . وتوقف فحأة وقد ماتت فيه كل حركة كالقط الذى نصب شراكا لفأرة حمقاء .

- أنت تفكر ؟ - ربما ! - فيم تفكر ؟ - فى كل شئ ! - أو هل أنت غريب ؟ - أكثر من غريب !

وزرعت هذه الكلمة فى نفسه ألوانا باهتة لا قيمة لها . ودفعت فى دمه لونا من موجات الحرارة المبحوحة ، ، لماذا كان حزينا ، ، ، لماذا كان يشعر بالغربة . . والغربة شعور بالموت ، بالانتحار . . . بالتلاشى .

الغربية شعور باللاشئ وبكل شئ ، ، ، الغربة شعور بالقتامة وبالقحط . تذكر أنه كان يمشى على الرصيف وحده . . سرح بنظره الى بعيد ، ، ، رأى أشباحا تمر أمامه وتزول بسرعة .

وتعجب من أمر الناس . . لماذا كانوا لا يريدون السير على هذا الرصيف ! ؟

كانت السيارات تمر بسرعة فيها جنون . . وتهور . وشعر بأن كل شئ قد تجمد . . . لقد كان الشتاء قاسيا . فجأة تمنى لو يرى الشمس مشرقة على المدينة . . وتمنى أن يتجول فى حديقة تزخر بالورد والبنفسج . .

لكنه الشتاء . ولا يعرف لماذا ضحك فى بلاهة وقال : - مسكين أبى . . أبوه يؤمن بأن الربيع قادم . . والايام السود من هذا الشتاء لن تدوم . . وصرخ :

- لكن متى ؟ ! متى ؟ ! أنت يا أبى قابع فى بيتك الصغير ، ، ، وتؤمن بالربيع . . أنت اذن لا تعرف الشتاء ! ! وأراد ان يلعن اللحظة التى هو فيها . . ولكنه لم يفعل فقد عذبته الخواطر . . . وجمدت حركاته . . . أصابه التراخى والوهن فوقف الى عمود كان منتصبا على حافة الرصيف ، ، ، وضع اصبعه على صدغه وضغط عليه فى شدة .

ضحك رغم الالم . . . حياة الناس فى المدينة جافة قاحلة ، ، ، يولدون ويموتون فيها مليون مرة . رنا بصعوبة الى الطرف الآخر من الطريق : حانة كبيرة لا يعرف ما اذا كانت زاخرة بالرواد الراغبين فى دفن برد الشتاء . . بابها كان مفتوحا . .

اشترك في نشرتنا البريدية