١ ) اننا بعبارة " الادب والقومية العربية " قد وضعنا مفهوما بازاء مفهوم آخر . ولئن كان الاول عندنا جميعا لا يحتاج الى تحديد ولا تحقيق لانه قائم بأنفسنا في وضع الادراك الخالص البين ، فان مفهوم " القومية العربية " يبدو انه ليس عندنا في تلك المنزلة من الوضوح . ولست أعرف تفكيرا يطمع ان يكون قيما أو نظرا يرجى أن يكون صالحا الا ان يكون قائما على التحديد المدقق المضبوط لمفاهيم ما يتناول من الامور . لذلك وجب قبل معالجة موضوع حماية الاديب في صلته بالقومية العربية أن نتفق ولو بالوضع على حقيقة هذه القومية وقد سمعنا هنا من طالبوا بتحديد مفهوم ، وسمعنا فعلا في ذلك أقوالا اختلفت وتعددت حتى كأنها الحيرة والاضطراب . ولكني لا أرى في ذلك حيرة و لا اضطرابا ولا أخشاهما علينا منه . فاذا اختلف الناس في تحديد حقيقة ما فثق بأن ذلك لانها ليست من البسائط وانها متعددة النواحي ، فكل ينظر منها الى ناحية ويتحدث عما يرى . وجلي أن القومية العربية ليست من المفاهيم البسيطة وأن مقوماتها عديدة وعناصرها المكونة مختلفة متنوعة :
أ ) فهناك مجموعة اولى من تلك العناصر قد حللها الدكتور طه حسين وغيره من الزملاء قبلي أحسن تحليل . منها وحدة اللغة التي هي العربية ووحدة الادب الذي هو عربي ووحدة الثقافة والحضارة اللتين هما عربيتان اسلاميتان على وجه العموم وان تأثرنا بثقافات وحضارات غير عربية ولا اسلامية وأخذتا منها وشملتا في القديم وفي الحديث مشاركة اناس ليسوا من العرب جنسا وليسوا من المسلمين دينا واستفادتا منهم . هذا هو القسم الكبير الاول من عناصر القومية العربية ومقوماتها التكوينية . وهي جميعا كما ترون عناصر معنوية من ناحية وتاريخية وراثية ، تنبع من الماضي وتتصل بالحاضر من ناحية ثانية ، وعلى هذا صح
قول الوفد السوداني الكريم ان القومية العربية " رابطة معنوية بين جماعة من البشر يلتفون حول التراث الذي حملته اللغة العربية " .
ب ) لكن الى جانب هذا القسم الاول من العناصر الموروثة القارة والمتجددة الحية في آن واحد يدخل في مفهوم القومية العربية عناصر اخرى هي ألصق بالزمان والمكان وأشد ملابسة للظروف وتقلبات الاحوال . ليست من جنس القيم المعنوية التي هي نتاج تجارب الامة على وجه الدهر بل هي من جنس الماديات التي تتولد من صميم الواقع المتطور المتحول المتغير من عصر الى عصر وقطر الى قطر .
أعني بذلك المصالح الاقتصادية والسياسية والمقتضيات الاجتماعية مما يكون لدولة دولة وشعب شعب من الدول والشعوب العربية بحسب مواقعها الجغرافية ومعطيات اقتصادها ومجتمعاتها وظروفها السياسية الخاصة . وليس من شك أن المصالح والمقتضيات من هذا النوع تتحد بقدر ما تريده " طبائع الاشياء " حسب عبارة ابن خلدون وتختلف بقدر ما يريده اختلافها . فلا ريب ان الانسان لا يستطيع دائما ان يتصرف فيها تصرفه المطلق ولا ان يسيطر عليها ويسخرها كما يشاء لاهداف قوميته التي يرتضيها الا ان يتعمد الخروج عن الواقعية الفعالة الى مزالق الاوهام ومغالطات العاطفية والخيال .
ج ) على ان القومية العربية لا تقوم ولا يمكن ان تقوم على ذاك العنصر الثقافي الحضاري الاول وعلى هذا العنصر الثاني من الاتحاد المقدر في المصالح المادية فقط ، بل هي تقتضي في كنهها عنصرا ثالثا آخر يتألف مع الاثنين الاولين ويرتكز عليهما ، ولكنه غيرهما . ولا يستقيم كيان القومية العربية بدونه وهو هذا العنصر النفساني البحت الذي يتلخص في الارادة المشتركة للوجود الجماعي فقد يكون اتحاد في اللغة ويكون اتحاد او نسب قريب في الادب والثقافة كما بين الشعب الانجلوسكسونية وتكون مصالح اقتصادية وسياسية مشتركة كما بين كثير من أمم العالم دون ان ينتج عن ذلك " قومية " واحدة بعينها ، وأخص خصائص قوميتنا العربية التي غالبت الدهور هي أنها لم تزل تتجدد فيها هذه الارادة المشتركة لوجود جماعي متحد او مؤتلف قد يشمل في بعض الاحيان جميع نواحي الكيان الموحد من ثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية وقد لا يشمل الا بعض تلك النواحي في احيان اخرى ، وعلى اختلاف المحتوى فان القومية تبقى
ما بقيت الارادة المشتركة طاقة حياة وغريزة وجود مركوزة في صميم القوم تضم الفرد الى الفرد والجماعة الى الجماعة ، وقد تظهر هذه الارادة بمظهر غريزة الدفاع عن الكيان وطاقة الكفاح الحيوي في اوقات الخطر وتتجمع قواها اذ ذاك كلها في الناحية المهددة منها ، سواء أكانت لغة او دينا او مصلحة اقتصادية او استقلالا سياسيا ، كما كان ذلك منها عندما نهضت للشعوبية فكانت دفاعا عن جنس العرب ودرء لثلبه وانتقاصه ، او عندما حاربت بيزنطة في عهد بني حمدان والمتنبي او جابهت جيوش النصارى في عهد الحروب الصليبية فكانت دفاعا عن الاسلام وعن حوزة الاسلام ، ولعلها لم تظهر فى اى عصر مضى بمظهرها الكامل مثلما ظهرت في العصر الحديث تجاه الموجة الاستعمارية التي طغت على عموم بلدان العالم العربي والاسلامي ، فكانت القومية العربية دفاعا عن الاسلام واحياء له على يد محمد عبده وامثاله من المصلحين الدينيين ، وكانت ثقافية دينية على يد علماء الشرق الحديث وأدبائه الذين عملوا منذ قرن ونصف قرن على بعث الادب والتفكير العربي وتجديدهما والنهوض بهما هذه النهضة الحديثة المباركة التي لا نزال نحياها ، وكانت سياسية اقتصادية تحريرية في مختلف الحركات الوطنية التي كافحت الاستعمار حتى حررت الاوطان العربية الواحد بعد الآخر ، ولا نزال نشاهد آخر معركة لها في كفاح الشعب الجزائري الباسل المجيد .
2 ) واذ قد وضعنا بهذا ، ايها السادة ، مفهوما للقومية العربية بمختلف عناصرها ومقوماتها ومظاهرها فقد اصبح غير عسير علينا ان نجعل بازائه مفهوم الادب والاديب وان نحدد بالضبط العلاقة بين مقتضيات حماية الاديب ومقتضات القومية العربية .
أ ) واعتقد ان اول ما ينبغي ان يحتمي منه ادبنا وادباءؤنا هو الوقوع في احد خطأين يجر احدهما الآخر : خطأ سوء الفهم لحقيقتهم وحقيقة وظيفتهم وخطأ سوء الفهم لحقيقة القومية العربية وما تقوم عليه من عناصر . ومن صالح القومية العربية نفسها ان تحمي الادب والادباء . وان تصون نفسها ايضا من الوقوع في هذين الخطأين , فان صح ان القومية العربية تراث ثقافي واتجاه عقلي مشترك ومصالح مادية قد تتفق وقد تختلف ، وارادة مشتركة لكيان جماعي متحد او مؤتلف ، فان من وظيفة الادب والاديب ان يساهما فيها في الميادين التي هي من جنسهما . فليس الاديب صاحب
اقتصاد حتى يسأل العمل على التوحيد او التعاون الاقتصادي او الدعوة اليهما وهو لا يدري كيف يمكنان وهل يمكنان . وليس هو من حيث هو اديب مضطلعا بمسؤولية الحكم السياسي او الدعاية السياسية حتى يسأل بتحليل الاوضاع السياسية لمختلف البلدان العربية ووضع الخطط لتنسيق سياساتها او النفخ في ابواق الدعاية لها . ليس الاديب بشيء من هذا وان كان لا يخلو من واجبات قومية سياسية واقتصادية بصفته مواطنا عربيا ، اما من حيث هو اديب فانما هو كائن خلاق بفنه وفكره . ولو حملناه على غير ذلك عسفا لمسخناه مسخا .
ب ) فاذا كان الاديب هو هذا فان اوجب ما تجب حمايته له هي " حريته " لانها شرط قدرته وخلقه ولانه لا يستطيع بدونها ان يخدم العنصر الثقافي من القومية العربية الذي هو مهيأ الى المشاركة فيه بالطبع ، وقد تتفجر قريحته تفجرا حرا تلقائيا بالقصيدة القومية الحماسية او بالمسرحية او القصة الممجدة للقومية ولعظماء القومية . ولكنه قد تنصب قريحته على غير ذلك ويكون منصرفا بالطبع عن الناحية السياسية او الدعائية من القومية العربية دون ان يكون خائنا بهذه القومية او مظهرا لها عقوقا . ويكفيه شرفا في هذه الحال وخدمة لقوميته ان يكون الادب الذي يحدد لى سلم القيم الفنية او وجهة النظر الى المشاكل الوجودية فيجدد لي بذلك تعلقي بثقافتي العربية واعتزازي الانساني بالانتساب الى القومية القائمة عليها . ولو هو انصرف في ادبه عن كل ما يتصل بالقومية العربية من مشاكل فانه يكفيه شرفا وخدمة ان يغذي فكري ويزيد نظرتي للوجود وللحياة خصبا ووضوحا ويقوي في الذاتية وشخصيتي الانسانية فيعزز امتيازي وامتياز قومي بخصائصنا الفذة التي تحتم احترامنا كمجموعة انسانية وتفرض وجودنا على التاريخ فرضا .
ج ) وحرية الاديب هذه التي تجب حمايتها كأقدس ما يحمى من القيم البشرية لا تحتمل اي حصر ولا تحديد لانها في جوهرها مطلقة اولا تكون ، فانه لا يكفي ان نعتق الاديب من رق المسؤوليات السياسية او الدعاية لاوضاع اقتصادية او اجتماعية او سياسية معينة لنضمن له حريته كاملة . بل يجب ان يكون اطلاقنا له في ميدانه الخاص به - ميدان الادب والفكر - اطلاقا كاملا لا قيد فيه ولا تضييق . فلا نحاول حصره في " ايديولوجية " ميعنة فنحمله على الماركسية
مثلا او على ما يقابلها من مذاهب فكرية غربية او شرقية . ولا نرى ربط شعوره بقومية معينة قد تفيض عنها نفسه الكبيرة ، ولا حبسه في ثقافة دون غيرها . وبعبارة اشمل لنتجنب توجيهه نحو نوع من الفن او ضرب من التفكير دون الانواع والضروب الاخرى . فان اخطر ما يجب ان نخشاه وان نحتمي منه هو ان يصير مجتمعنا العربي خاضعا لهذا النظام الذي لا ينجو فيه من التوجيه والتسيير والمراقبة نشاط سياسي ولا ادب ولا علم ولا فن ، هذا النظام الذي يابي على الفكر والادب ان ينتهيا في طلبهما للحقيقة وجوسهما عليها الى نتائج قد لا تلائم اهدافه واغراضه ويراها خطرا عليه فيزجر عليها زجرا ، الا وهو نظام " التسخير الكلي " - ان صح هذا التعبير - الذي اطلقت عليه اللغات الاجنبية لفظ " توتاليتارسم Totalitarisme " ذاك ما يجب ان نصون انفسنا عنه حتى لا يصبح مجتمعنا اشبه شيء بالمصنع الذي يخرج النسخ المتعددة من المصنوع الواحد على مثال واحد ووتيرة واحدة . ان الانسان جوهر فرد ذلك ما ينبغي له ان يكون وذلك هو سر شرفه الاسنى في الوجود بل انه لمن الحق المبين ان الانسان ما اشتدت فردية جوهره الا اشتد اتصاله بإنسانيته ووفاؤه لرسالته في الكون . على ان الاديب قد يجد اكتمال انسانيته في الاتجاه بفرديته الى التعمق في الذات والتيه في ابعادها فيبدو منقطعا الى " الفن للفن " او الى " الحياة في الابراج العاجية " كما يقال ، ولكنه لا يزال مع ذلك ومن خلال فنه ذاك وحياته تلك يجتذبنا الى انسانيته الكاملة ويرفعنا افرادا واقواما الى منازل الشرف والسمو . وقد يجد اكتمال انسانيته في الاتجاه بفرديته الى التوسيع من نطاقها بالملابسة للكثرة والاتحاد الوجودي بالملايين . فاذا هو يشرف بنا من هذه الطريق الاخرى على نوع من الكيان الانساني لا يقل جلاله ولا تقل عظمته عن ذلك النوع الاول .
د ) ذلك ايها السادة اهم ما ينبغي ان نحميه من حقوق الاديب وان نرعاه له من حرمة ، ويبقى بعد هذا بعض وجوه الحماية والرعاية مما لا يثير مشاكل في المبدإ سأكتفي بذكرها ذكرا موجزا .
من ذلك ان الاديب العربى لا يزال كمنتج وكمالك لما ينتج غير متمتع بحماية القانون لملكيته الادبية . ان نظم دول العالم المتحضر لها قوانينها الداخلية والتزاماتها الدولية في هذا الصدد . ومن العار ان يبقى شرقنا خاليا عن مثل هذه القوانين والالتزامات وان يستمر الناهبون والسارقون والمستغلون على السطو على انتاج الادباء دون ان يزجرهم عن ذلك قانون ما بعقاب ما . ومن المضحكات
المرة ان لا يكون في يد الاديب سلاح يدافع به عن نفسه في هذا الميدان الا قلمه الضعيف يخط به في اول صحيفة من كتابه هذه العبارة الجوفاء " جميع الحقوق محفوظة للمؤلف " وقد يليق بمؤتمرنا هذا ان يتخذ توصية خاصة في هذا الغرض يتجه بها إلى جميع الدول العربية مطالبا لها بسن قوانين تحمي حق الملكية الادبية على غرار ما هو موجود في القوانين الداخلية للامم الاخرى وفي المعاهدات الدولية الرابطة بينهما .
ومن رعاية الادب والادباء ان يجدوا من قبل الحكومات والمؤسسات العلمية والثقافية ما هم في حاجة اليه وما هم حقيقون به من مساعدة مادية مالية وغير مالية . ولست اعني بذلك ان الاديب يجب ان يوضع بموضع المستجدي او المتصدق عليه فان كرامته تربا به ويجب ان تربا بالحكومات والمؤسسات , عن ذلك ، وانما اعني
هذه الاشكال المختلفة من المساعدة التي تيسر على الأديب وترفه حياته المادية والمعنوية بتوفير وسائل التفرغ للعمل الادبي وتشجيع النشر بما يضمن للاديب التخلص من استغلال دور النشر التجارية لجهوده وانتاجه دون كبير مقابل وبتسهيل الاتصال على الادباء بالحركات الادبية والفكرية في العالم وارسالهم على غير نفقتهم الى الخارج للمؤتمرات وغير المؤتمرات وباحداث الجوائز الادبية المختلفة خاصة للاخذ بيد الادباء الناشئين الى غير ذلك من وسائل الاعانة والرعاية ولتعتبر انه اذا بقي الاديب في حياته المادية منكبا على الارض ليرتزق ويعيش فانه كثيرا ما ينكب معه ادبه فيلتصق بالحضيض . وكاي من اديب قضى عليه واجب الارتزاق بادبه ان يتنازل الى درجة الادب الصحفي والى مضيق المقالة او الاقصوصة المعجلة الصنع وهو قادر على احسن من ذلك بدرجات .
٣ - هذه ايها السادة الخواطر الفطيرة التي عنت لفكري عندما سئلت التحدث اليكم في هذا الموضوع . وقد قدمتها اليكم على علاتها ومع اني - كما قلت أول كلامي - غير راض عنها كل الرضا فاني ارجو ان اكون بما الححت في بسطه من قضية حرية الاديب قد ساهمت في شرف اظهار هذا المؤتمر في مظهر مؤتمر رجال أدب صحيح وفكر حق وثقافة مفتحة وفن قيم حتى يبدو لجميع الملاحظين من الاعداء والأصدقاء ان قوميتنا العربية التي حاولنا بيان علاقتها بادبنا تأبى العسف والاكراه وانها بالعكس في اهدافها تطلع جماعي الى حال انسانية افضل واسمى وقيم حضرية اثبت واعلى وفي جوهرها اوساع مترامية من الحرية والخلق والانشاء .

