الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

حماية الأديب والقومية العربية

Share

أحييكم تحية العروبة المؤمنة المجاهدة . فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته , سلام عليكم في بلدكم وبلدنا وبلد كل عربي وكل مسلم : سلام عليكم في مصر حصن العربية ، ومعقل الادب ، ومنتجع الادباء والشعراء منذ أجيال وأجيال . . .

وآمل ان يسفر هذا المؤتمر عن نتائج وحقائق وخطط نزكي بها عروبتنا . ونعزز بها وحدتنا ، وننهض بها ادبنا ، ونسمو بها الى الافق المرجو ، ونقرب بها  ثمار الغد المأمول . . . .

والادب أيها السادة هو الوشيجة القوية والوثيقة الباقية التي لم تتقطع طوال القرون وعبر الازمان . . . فهذه هي الايام تطوي الدول وتقرب البعيد ، او تبعد القريب ، وتقطع هذا السبب او ذاك من علاقات الافراد او روابط الجماعات , ويبقى اللسان العربي والبيان العربي والشعر العربي رسلا صادقين وروابط قوية بين ابناء العروبة كلهم . . .

نعم يبقى الادب العربي رباطا يجمع العرب مهما اختلفوا او تفرقوا في ميادين اخرى بطارىء من طوارىء الهم ، او لون من الوان الاختلاف في الهمم . . . يبقى الادب يصور الخواطر ، ويأسوا الجراح ، ويؤلف بين الالسنة والقلوب حتى تتصافح الايدي ، ويعود البناء ، كما كان ، ابيا لا ينال ، قويا لا يلين .

ولرب خاطرة لكاتب او همسة لشاعر ، احيت رمما ، وبعثت دارسا ، وردت ذاهبا وفجرت الينابيع في صم الصخور ...

والاديب انما يكون اديبا بحق حين يكون امين القلم صادق البيان ينقل احساسه الى قارئه في عمق وصدق ، فلغة الادب وحدها هي الترجمان الامين لعواطف هذه الشعوب ، واللسان المبين الذي يعرض خلجاتها ، ويفصح عن آمالها وآلامها ، والادب لا يعرف الاقليمية ولا الحدود ، ما دام صادقا في التعبير عن حاجات قارئيه ، نابعا عن بيئتهم ، تتمثل فيه خصائصها الانسانية ، ولا تنكسر

أمواجه عند خطوط الوهم الجغرافي ، او رسوم الحد السياسي ، بان هو كالنسيم يحمل العبير أينما سار ، يصعد في ذروة الجبل ، وينثال الى عمق الغور وينساب على صفحات الوادي . . .

انه ينطلق ابدا ، ويسعد الناس بشذاه ، ولا يبالون من أي روض نشر ، ولا اي سبيل عبر ، ما داموا يعرفون في عطره أشذاء روضهم ويحسون في تياره فوران احساسهم ويرون فيه أنفسهم جادين او هازلين ، ضاحكين او راجعين ، فنحن نسعد بالعمل الادبي كما نحسه في انفسنا من ارتباط به ارتباط المتمني بالامل الحلو ، او ارتباط الحي بواقعه سعيدا او أليما ، او ارتباط المرء بماضيه وذكرياته . . . .

من اجل ذلك نهتز له ونحس دبيب الاعجاب في اعماقنا بالاثر الادبي الذي يصور لنا أملا مرجوا ، او جانبا من حاضرنا ، او صفحة من ماضينا وامجادنا ومثلنا لاننا جزء من كل ذلك ، أو كل ذلك جزء منا .

فالادب هو خلاصة التجارب الانسانية والثقافة البشرية خلال الاجيال ، وهو رباط لا ينفك بين الناطقين بلغته والعارفين بلسانه . . .

وقضية القومية العربية تستمد اقوى حججها من واقع الادب العربي وسلطانه ووحدة الامة العربية تتمثل في وحدة هذا الادب بصورة عملية . . . وقضية القومية العربية ليست ميدان سلاح او حرب وانما هي ميدان عقل وفكر ، والاديب في ميدان الفكر كالقائد بين يدي المعركة ، يوجهها بخبرته ، ويديرها بحكمته ، ويقودها بمواهبه ومعرفته ، الى النصر المبين .

وعندي أن المواهب والامكانيات المادية عنصران لازمان للنجاح متلازمان في سبيل النصر ، ونحن العرب في نهضتنا الحاضرة لا بد لنا من ان نهيئي للمواهب ما ترتفع بأزره ، من امكانيات مادية ، وتحمي هذه القوى الدافعة الدافقة في كياننا من الخمرة والنضوب .

ولقد عرفتم في تراثنا العربي من جاهلية التليد ، واسلامية الوضاء المشرق على عهد الرسول والخلفاء ومن بعدهم . عرفتم في كل ذلك دور الادب بألوانه في توجيه الدولة وبناء المجتمع وتحديد الطابع المميز له ، وتثبيت المثل التي يحتشد عليها افراد المجتمع وفضائله . . .

فحمل الينا الادب صورة المجتمع الجاهلي وضراوته ، وصورة العهد الاسلامي

وانتفاضته والدولة الاموية وقوميتها ، والدولة العباسية ومدنيتها ، وهكذا نجد الادب في كل العصور والدول مشرقية ومغربية . . . نجده أداة بنائية ، ووسيلة حيوية ضرورية في كيان المجتمعات . . .

ولقد أدرك هذه الحقيقة السابقون من قومنا فحاطوا الادب والاديب بالحماية والرعاية ومهدوا للاديب أن يخلص لفنه ويخلص فنه له . . .

عرفنا ذلك في ايام دمشق عاصمة الامويين ، وبغداد عاصمة الرشيد والمأمون والقاهرة عاصمة المعز وصلاح الدين ، وفي المغرب على عهد حكوماته العربية الخالصة . . . ورثنا نحن كل هذه المآثر التي شهد لها العالمون ، ودان لعظمتها الاوائل والاواخر . . .

وأول ما يجب أن نحمي منه الاديب والادب هو تلك العواصف التي تطفئ جذوته وتمسخ نوره ورونقه ، وتسمه بالعوز والكدية والصعلكة ، فلا بد ان نبذل للاديب من رحابة الحياة ويسر العيش ما نجعله معتدل الحال رضي النفس صادق التعبير . غير ضجر بضيقه وعسره . . .

الى متى تظل تلك الاسطورة المشهورة ملصقة بالادب والادباء ... أعني الاسطورة التي تحكى ان الفقر أول سمات الاديب ؟ .... الى متى نظل نؤمن بالفقر الملهم والجوع العبقري ، والبؤس الموحي ... إلى آخر ما هناك من رواسم يرددونها بلا معنى او ثمرة ؟ ...

الى متى يظل الادباء منكورين مغمورين في حياتهم ، فاذا ما تواعدنا نذرف عليهم الدموع ، وننشر فوقهم العطر السجين والنور المخنوق ، ونتذكر - بعد الموت فقط - أن لهم افضالا وامجادا ، وأن علينا حيالهم واجبات ثقالا ؟ ...

ولئن كان في عصرنا أدباء عرف المجد الاجتماعي سبيله اليهم . ونزل الرخاء ببابهم ، فعاشوا في مهاد رافه ، ونعيم باذخ ، ان هؤلاء لا يجاوزون في الشرق العربي ان يكونوا آحادا لا يشكلون بمكانتهم ولا بعددهم وضعا عاما .

ولست اريد بذلك ان تقطع للادباء الاقطاعيات ، او نقيم لهم التكايا ، فقد درست تلك الاساليب وبارت ، وانما يدور حديثي حول تقدير الاثر الادبي في حياته ، وتقييم الادب تقييما عمليا لا نظريا ولا عاطفيا فقط ، فلن يقتات الاديب عاطفة مهما سمت ، ولا مدحا مهما اتسع .

واذا كنا نريد للاديب الرخاء ورحابة العيش ، حتى يفرغ لفنه ، فان الحرية الفكرية للاديب هي مداد قلمه الذي بدونه لا ينتج ولا يثمر ... لا بد من حماية الاديب من كل ما يزيف فنه ، ويدفعه الى التخفي وراء الرمز والغموض ...

ومن حماية حرية الاديب ان نتجه بالنقد وجهة موضوعية فنية ، ونبعد به عن تلك المهاترات التي تتأذى بها العيون والاسماع والقلوب والعقول ، فالنقد تابع للابداع ، وليس الابداع عبدا للنقد .

وان من حق الاديب ان نترك له الفرصة الملائمة ليجرب ويجرب ، فالتجربة ان اثمرت كانت فتحا جديدا ، والا فهي دربة وخبرة تصقل الموهبة ، وتكشف حقائق الحياة ...

ومن حق الاديب العربي ان نحميه من تميع الشخصية وتحلل المقومات ، فلكل ادب طابعه ولكل امة نهجها ومشكلاتها الخاصة وطبيعتها المعينة التي تملي حلولا معينة ، فلا بد من الرجوع الى بيئتنا وماضينا وتراثنا ومقومات جنسيتنا وقوميتنا ، قبل ان نحاول جديدا ...

نستهدي كل اولئك ، ونتعرف الطريق من خلال تلك النظرات ، حتى تجيء محاولاتنا بيئية واقعية ، تتطلبها ضرورة الحياة وتستدعيها ظروف لها اصالة في مجتمعنا ، ووشائج بعروبتنا وماضينا ...

وأحب أن أحذر هنا من التقليد للتقليد ، ومن التجديد للتجديد ، فليس كل واقع صالحا للبقاء ، حتى نقلده ونتمسك به ، وليس كل جديد له هدف ، او يحقق فائدة ، حتى نسعى اليه ونتهافت عليه .

فلتكن في طبيعتنا الايجابية المبصرة تعرف ما لها وما عليها ، وتعتز بالحقائق وتنثني عن الاوهام . ويحلو لي ان ألمح ، الى هدف استعماري خفي ، ما زال حتى الان ينهش في كياننا القومي الادبي ، وهو محاولة تمييع الشخصية العربية في الادب بحركات تتسمى بأسماء كثيرة ، ومدلولها كلها واحد ، وهدفها جميعها التشكيك في مقومات الادب العربي ومحو خصائصه وهدم بنيانه من القواعد .

وكما اشرت في اول الحديث : ان الادب العربي هو الرباط الذي لم تفلح السياسات الاقليمية المفرقة في حل عروته . والذي يبقى على الدهور يجمع العروبة ، ويوحد آلامها وآمالها ...

فاذا افلح المستعمرون او اذنابهم في تشكيكنا في اصالته وتحطيم خصائصه لم يعد لادبنا هذه الذاتية القوية العارمة ، وهذه الخاصية الجامعة التي يرهبها اعداؤنا ويعملون على سحقها .

فيجب ان يظل ادبنا عربيا في اصوله وقواعده - لا شرقيا ولا غربيا ... يجب ان يظل ادبنا عربيا يستمد شخصيته واهدافه من حاجاتنا الواقعية لا المفتعلة ولا المزيفة ...

ولا بد من ان نذكر حماية حقوق الاديب في هذا المجال ، فالاديب العربي لعله الوحيد في العالم الذي لا تكفل حقوق له ، ولا يحمى انتاجه من استغلال المستغلين وسرقات السارقين ...

والاديب العربي هو الوحيد بين رجال الفنون من العرب الذي يغفل حقه ويهمل شأنه في الاعمال التي تشترك فيها عدة فنون كالمسرح والسينما والغناء وغيرها ، فهو في الغالب اقل مكافأة وادنى حظا في الدعاية والاعلان ، ان لم يحدد حقه في كل ذلك ، مع انه صاحب الفكرة ومبدع الهيكل الاول للعمل الفني ...

ولعل من حماية حقوق الاديب حمايته من الدخلاء على فنه الذين يهبطون بالمستوى الرفيع الى حضيض الابتذال ، وربما كان هذا هو السبب في ضياع الاديب الحق الذي يتمسك بفنه ، بينما يتاجر غيره بالاسفاف وينجح في ظل المعايير المختلفة والمقاييس المضطربة وربما كان ذلك ايضا سببا من اسباب ضياع المكانة الاجتماعية للادباء ، بعد ان كانوا في ايام العباسيين مثلا وزراء وأمراء لهم الصدارة والحكم بين الناس ...

يجب ان نعلم ان خلاصة الثقافة والفكر تتمثل في الانتاج الادبي ، فلنحم الاديب من نفسه بأن نطالبه بعمل فني يصور خلاصة ثقافته وتجاربه ، ولنفسح له في حياتنا العامة مكانا من أماكن الصدارة او التقدم فهو بهذا جدير . ولنعلم فوق هذا أن الادب والادباء عنوان العصر ومرآة الجيل ، وعلى لهواتهم يتردد تاريخ الامم والشعوب ، ويظل وراءهم خالدا باقيا . فلنحرص على أن يكون لقب " الاديب " عنوانا على ذروة الكمال النفسي والفني ، ولنرتفع بهذا اللقب عن ان يتسمى به من لا يرتفع الى مستواه ....

هيأ الله للامة العربية ما تبلغ به الاوج وتحقق به الامل والسلام عليكم ورحمة الله .

اشترك في نشرتنا البريدية