الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

حنبعــــــــل

Share

لقد كتب الكثير عن حنبعل قديما وحديثا وما انفكت " شخصيته " مصدر وحى وحيرة علمية وتساؤل .

وقائمة التآليف الحديثة فى هذا الباب طويلة من السهل العثور عليها . ولكن فلنكتف بذكر الكتب الصادرة أخيرا والتى صنفت قصد الكشف عن شخصية القائد القرطاجى بما تحتويه من تعقيدات متكاملة وإن بدت متناقضة . ومن بين هاته المؤلفات الخاصة بحنبعل كتاب صنفه أحد الذين يتعاطون التأليف صناعة أو قل تجارة وهو جورج مصروعة . لقد ألف كتابا ضخما من حيث الحجم يتركب من جزئين كلاهما يتجاوز عدد صفحاته خمسمائة . عنوان الكتاب " هنيبعل " صدر فى دار الثقافة ببيروت سنة 1963 .

إن عنوان الكتاب يشير بفصاحة الى نوعيته وقيمته . سماه مؤلفه " هنيبعل " وأثبت بذلك انه ليس من خبراء تاريخ قرطاج وحضارتها . ذلك انه لو كان من الدارسين المختصين فى هذا الموضوع لقال كما نقول جميعنا " حنبعل " . والثابت أن هذا الاسم كان مشاعا بين القرطاجيين . فعدد الذين حملوه يكاد لا يحصى كما تشهد به النقائش البونيقية التى سطرت على نصب قرطاج . ويتبين على ضوء هاته النقائش أن الحروف التى يتركب منها اسم القائد القرطاجى هى " حاء - ونون - وباء - وعين - ولام " لذلك نقول " حنبعل " وهو اسم مركب تركيبا مزجيا . وفيه عنصران : العنصر الاول هو " حن " وتحتوى هاته المادة البونيقية على معنى العناية والحنان على غرار المادة العربية . والعنصر الثاني هو " بعل " وفيه معنى السيادة ، والملك . فحنبعل هو السيد او المالك . وهو المعنى الذى نجده فى اللفظة العربية : فبعل المرأة هو زوجها أى سيدها أى مالكها . وترون كيف ان تاريخ الكلمة يساعدنا على ضبط الماضى الحضارى حيث كان الرجل يبتاع المرأة زوجة فتصبح ملكا لديه خاضعة لمشيئته وأهدافه .

فاسم حنبعل اسم فينيقى الاصل إذ امتزاج المادتين يشير بكل فصاحة

ووضوح الى العلاقة المتينة التى تربط بين اللغة العربية واللغة الفينيقية ولا عجب في ذلك إذ هما ينتميان الى عائلة اللغات السامية أى أنهما تولدتا عن أم واحدة .

ومن هنا أتت ضرورة دراسة اللغات السامية لمن اراد الغوص فى بحر اللغة العربية وفقهها .

لقد وقع جورج مصروعة فى أخطاء فادحة . من ذلك أن الملكة عليسة تحمل عنده اسم " اليسار " واسم عليسة من الاسماء المتدولة عند القرطاجيين ( ص 34 ) وكانوا يكتبونه بأحرف " العين واللام " . والشين أو السين والتاء " علسة " ثم نرى جورج مصروعة يحرف اسم الالهة تانيت اذ يناديها " تعنيت " . لا أدرى من أين أتى بالعين فى قوله تعنيت والحال أن اسم هاته الالهة قد سطر آلاف المرات على النصب الذى أقامه البونيقيون قربانا لها وتثبت هاته النقائش أنهم كانوا يخاطبونها باسم " تانيت " . ومن الاخطاء التاريخية الفادحة التى انزلق فيها قلم جورج مصروعة إدعاؤه أن كاتون عدو قرطاج المعروف كان قريب العهد من الملك يرباص . وتعلمون أن الملك يرباص تريده الأسطورة معاصرا للاميرة عليسة فهو إذن ممن عاشوا فى أواخر القرن التاسع قبل المسيح . أما كاتون عدو قرطاج ذلك الذى عرف بكلمته Deleda Carthago فقد عاش فى القرن الثالث قبل المسيح وكان من معاصرى الملك النوميدى مسنيسا فهو اذن بعيد كل البعد عن زمن يرباص والقرن بينهما يساوى خمسة قرونا تقريبا . تجدون هذا الخلط ان رمتم الرجوع الى كتاب جورج مصروعة فى الجزء الاول ص 36-37 الى غير ذلك من الاخطاء التاريخية التى قد يطول الحديث حولها . وليس هذا موضوعنا اليوم . على كل فكتاب جورج مصروعة ليس من الكتب التاريخية التى يمكن الوثوق بها . نقول هذا حتى لا يتخذ مرجعا . وهو من الكتب التى تشكل خطرا بالنسبة للقراء غير المختصين .

ومن الكتب التى صنفت خصيصا للكشف عن حياة حنبعل وعن الملحمة التى عاشتها قرطاج ، تجدر الاشارة إلى كتاب ألفه " Pernoud . J " نشر بباريس سنة 1962 . وقد وجه صاحبه جل اهتمامه الى الاحداث العسكرية فهو وصف للحرب البونيقية الثانية أكثر منه حديث عن القائد القرطاجى .

ولنا فى نفس الغرض كتاب ألفه ( Gabriel Audisio ) عنوانه " حنبعل "

نشر بباريس سنة 1961 . وفي نفس السنة تحدث ( J Carcopino ) عن قائدنا في كتابه ( Profils de Conquerants ) .

وألف بيكار ( G. P. Baker ) كتابا حول القائد القرطاجى وعنوانه " حنبعل " وهو من الذين ركزوا عملهم على وصف المعارك الطاحنة التى خاضها جيش قرطاج تحت قيادة حنبعل

ومن أحدث الكتب التاريخية التى تعنى بحياة حنبعل وأعماله بما فيها من مواطن القوة والضعف شأن الاعمال البشرية جميعها تجدر الاشارة إلى كتاب الفه الاستاذ جلبار بكار ( Gilbert Picard )وقد كان هذا الاخير يدير شؤون الآثار التونسية فى عهد الحماية ، وهو الآن أستاذ بالجامعة الباريسية وقد نشر كتابه بباريس سنة 1966 .

فالاقلام كانت وما زالت سخية فى شأن حنبعل على أنه من باب المجازفة أن يستنفد الحديث عن قائد قرطاج فى دراسة لا تتجاوز حدود بعض الصفحات . لذلك التمس المعذرة لما قد يوجد فيها من نقص .

كنت أشرت الى الذين صنفوا الكتب حول شخصية حنب عل ولكن ما هى المصادر التى استقوا منها معلوماتهم فى شأن هذا البطل العظيم ؟ ليس باحث في هذا الحقل سوى المصادر اليونانية والمصادر الرومانية . ومن بين المؤرخين القدامى الذين تحدثوا عن حنبعل مباشرة أو تعرضوا إليه فى سياق حديثهم نستطيع أن نذكر " بوليب " وهو مؤرخ يونانى عاش فى القرن الثانى قبل الميلاد وكان من اتباع عائلة شبيون . ونذكر تيت ليف ( Tite live ) و هو مؤرخ رومانى عاش فى القرن الاول بعد المسيح كما تجدر الاشارة الى   ( Cornelius Nepos ) وهو مؤرخ رومانى عاش فى القرن الاول قبل المسيح وقد  صنف كتابا تحدث فيه عمن كان يعتبرهم من أعظم شخصيات العالم القديم أولئك الذين شاركوا مشاركة فعالة ملموسة فى صنع التاريخ . لقد تحدث ( Cornelius Nepos )في كتابه عن صولون ( Solon )وعن أسكندر وتحدث عن " عبد ملقرط " وعن ابن عبد ملقرط البرقى أى حنبعل . وغير هؤلاء كثيرون فمصادرنا إذن أدبية لكنها لم تتصف دائما بالموضوعية وقد تجاوزت احيانا الحقيقة التاريخية ان لم تشوهها وتعطها ألوانا مزيفة تختلف حسب الظروف السياسية والحضارية دون أن تقرأ وزنا لحقيقة الامور . ومعلوم أن الرومان كانوا يكنون عداوة جهنمية لقائد قرطاج ذلك الذى اقتحم ديارهر

وجرعهم كأس الهزيمة فى وقائع عديدة من أشهرها وقعة كانة ( Canne ) ووقعة ترازمان ( Trasimene ) .

ولا شك أنه يعسر على العدو أن يتوخى الصدق والموضوعية في حديثه عن عدوه . من ذلك يتحتم على المؤرخ أن يستخدم هاته الوثائق القديمة بكل حذر واحتراز .

فعلى ضوء هاته الوثائق القديمة وعلى ضوء ما كتبه المؤرخون المعاصرون سنحاول التعرف على بعض النواحى من شخصية حنبعل . فقد أخترنا أن لا نتحدث إلا عرضا عن الحروب التى خاضها حنبعل فى شبه جزيرة الايبار ( اسبانيا ) أو فى الاراضى الايطالية كما لا نتحدث عن وقعة زامة تلك التى تقابلت فيها جيوش حنبعل وجيوش شبيون وكانت منعرجا حاسما فى تاريخ قرطاج . فهى حروب ووقائع معروفة تصفها الكتب باطناب . لذلك بدا لى حسب اجتهاد شخصى أنه من الاجدى أن نعرف بخلق حنبعل وبثقافته .

مولد حنيعل وعائلته : ولد حنبعل فى المنتصف الثانى من القرن الثالث قبل المسيح أى فى سنة 246 وكان أبوه عبد ملقرط ( يكون من الخطأ أن نعرب اسم هذا القائد بقولنا أملكار أو هاملقار ) منهمكا إذ ذاك في معارك صقلية . وقد سجل انتصارات باهرة على الجيوش الرومانية رغم تفوقها عددا وعتادا .

لم يترك لنا التاريخ شيئا عن طفولة حنبعل بل قل إننا نجهل كل شئ عن حياته بقرطاج خلال السنوات التسع الاولى من عمره . فلا شك انه فتح عينيه فى مدينة جليلة بالرغم على ما أصابها خلال الحرب البونيقية الاولى من خسائر فى الاموال والرجال ومن تقلص فى امبراطوريتها . ذلك أن قرطاج أجبرت على قبول مبدأ التخلى عن جزيرتى صقلية وسردانيا . . زد على ذلك أن خزينة الدولة كانت فارغة وقد ابتلعت الحروب مدخراتها حتى اصبحت المدينة عاجز على دفع قروض الجنود المرتزقين الذين حاربوا فى صفوفها طيلة سنوات عديدة فلما وضعت الحروب أوزارها وعاد الجنود الى صقلية أفواجا وتجمعوا بالمدينة مطالبين بحقوقهم ماطلتهم الدولة وسوفتهم حتى نفد صبرهم ورفعوا أعلام الثورة والتمرد . وتطور الامر حتى كانت المدينة وسكانها على وشك الهلاك . ولم تتخلص قرطاج من ذلك الخطر الفتاك إلا بفضل ما أبداه عبد ملقرط من عبقرية فى ضبط الخطط العسكرية وشجاعة وحذق فى

تطبيقها . وكان القضاء على المرتزقين وعادت المياه الى مجاريها فى الربوع الافريقية . وأقيمت أقواس النصر فى قرطاج اجلالا لعبد ملقرط وهو القائد المظفر منقذ الوطن لكن الدولة كانت تشكو عجزا ماليا فادحا والاعمال التى ننتظر قرطاج جسيمة . كما كان عليها أن تدفع ضريبة للسلطات الرومانية طبقا لنص المعاهدة التى أبرمت بين الخصمين عند انتهاء الحرب البونيقية الاولى .

كيف يمكن لقرطاج أن تسترجع قواها وكيف يمكن لها أن تواجه ظروفها العسيرة ؟ لذلك اتجه عبد ملقرط نحو شبه جزيرة الايببار أى ( إسبانيا ) ومعلوم ان المؤسسات الفينيقية باسبانيا تعود الى منتهى لالف الثانية قبل الميلاد وكان الفينيقيون يأتون جنوب اسبانيا لاقتناء المعادن . ومن المدن الفينيقية الموجودة فيها تجدر الاشارة إلى مدينة قادس Cadix) ( وهي توجد على الشواطئ الجنابية الغربية من هذا القطر .

ويبدو على ضوء بعض الابحاث العصرية أنه الى جانب الاهداف الاقتصادية كان عبد ملقرط يريد الابتعاد عن مدينة قرطاج وعن مناقشات مجلس شيوخها لا سيما وقد كان فيها اذ ذاك حزب يرأسه حنون يعارض سياسة عبد ملقرط لشعبية . كان حزب حنون يمثل مصالح الطبقة الثرية من كبار الفلاحين والتجار وكان يرى فى علاقات عبد ملقرط بالطبقات الشعبية خطرا على الوضع الراهن أى على مصالحه ومصالح الاوساط التى يمثلها والتقاليد السياسية والاقتصادية بقرطاج .

فعوض ان يبقى فى المدينة ويتصدى لحنون وحزبه آثر عبد ملقرط تجاوز المعارضة . عرض مشروعه المتعلق باسبانيا على الدولة وأقنع الأغلبية فى مجلس الشيوخ فكان له ما يريد بطريقة شرعية مع العلم أن الظروف كانت مراتية : فهو مشروع فيه غنم لقرطاج اذ سيزودها عبد ملقرط بما هى فى حاجة البه ، وخاصة بالمعادن التى ستمكنها من اصلاح اقتصادها ودفع ضريبة الحرب للرومان . ولعبد ملقرط فى اسبانيا ما يطمح اليه من حرية وسلطان . له فيها جيش لا يعرفه أحد سواه . وفي سنة 237 قبل الميلاد كان القائد عبد ملقرط على أهبة الرحيل نحو اسبانيا على رأس جيش بونيقى عظيم . وكان ابنه حنبعل اذ ذاك في التاسعة من عمره . وكان قد طلب من أبيه أن يصطحبه الى اسبانيا . وتذكر النصوص القديمة أنه لبى رغبة ابنه شريطة أن يقسم أمام مذبح بعل حمون أنه لن يتخلى يوما عن عداوته تجاه الرومان أولائك الذين فرضوا الحرب على أرض الوطن وابتزوا أراضى قرطاج وأموالها ويثبت المؤرخ اليونانى بوليب والمؤرخ الروماني تيت ليف    ( TITE LIVE)

أن حنبعل أدى ذلك القسم الخطير الذى سيكون له فى رأيهم تأثير عميق فى نفسية حنبعل وفي اختياراته السياسية والعسكرية .

لقد سبق أن أشرنا إلى أننا سوف لن نتحدث عن حنبعل القائد العظيم الذى بهر وما أنفك يبهر العالم بعبقريته العسكرية حتى أنه يبدو أن الطرق التى ابتكرها حنبعل أثناء الحرب البونيقية الثانية ما زالت تدرس في كشر من الكليات العسكرية الاروبية والالمانية منها بالاخص . فلنترك القائد لمناسبة أخرى ولنتحدث عن الرجل وتربيته وثقافته .

لا شك أن روح حنبعل فطرت على الشجاعة وحب الجندية ولا شك أن أباه عمل على صقل روحه وتغذية حب الجندية فيه . بل كان حنبعل قدوة للجنود . عرف عندهم بالقوة والقناعة والصبر والمثابرة . وكان لهم مثلا أعلى ينظرون اليه بعين ملؤها المحبة والتقدير وهو رمز الشجاعة فى ساحة الوغى ورمز لحكمة عند التبصر فى الامور والتفكير فيها . لقد عرفه الجنود منذ صغر سنه وكانوا معجبين بجرأته ومهارته فى ركوب الخيل وسل السيوف حتى أنهم بايعوه بالقيادة سنة 221 قبل المسيح هاتفين بحياته مع أنه لم يتجاوز اذ ذاك الخامسة والعشرين من عمره .

حياته العائلية : الزوج والأب ولكن بجدر بنا أن نقول كلمة بادئ ذى بدء عن حياة هذا الرجل العظيم وتجدر بنا أن ندخل منزله ونشاهده صحبة أهله وذويه .

يبدو على ضوء الوثائق القديمة والدراسات العصرية أن حنبعل عاش منذ نعومة أظفاره حياة الجندية في المعسكرات فلا ندرى شيئا عن أمه ولا ندرى شيئا عن مدى تمتعه بحنان الأمومة . ولعل الظروف أبت الا أن تحرمه من حرارة صدر أمه كما حرم المؤرخ من المصادر المتعلقة بطفولته . فلا جدوى اذن فى سبك الافتراضات السلبية الخاوية .

أما فيما يتعلق بحياته الزوجية فيبدو حسب ما ورد فى كتب القدماء انه لم يتزوج إلا بعد تبوئه عرش القيادة . ولقد تزوج بفتاة تنتسب الى عائلة أسبانية عريقة فى الشرف كانت من سكان مدينة كستولو Castulo))وهي تقع فى صعيد الوادى الكبير وكانت من المدن المتحضرة تأثرت بحضارة اليونان وحضارة الفينيقيين .

ولئن تزوج حنبعل بفتاة اسبانية فلم يكن ذلك على ما يبدو تحت عوامل الحب والغرام فحسب بل دفعته الى ذلك الزواج أيضا واجباته السياسية العسكرية . وكان الزواج السياسى من التقاليد التى عرفتها قرطاج . واحتفظ التاريخ لنا بأمثلة عديدة منها .

فكثيرا ما كان أشراف البونيقيين يستخدمون الزواج لتدعيم روابط الصداقة وتمتين علاقات المودة وكسب الاحلاف علما منهم بوزن العاطفة فى سر البشر ومجرى الاحداث . تزوج إذن حنبعل بتلك الفتاة الاسبانية فكان زواجا مشرفا لمدينة كاستولو ( Costuto ) مما دفع اهلها الى التقرب من حنبعل والاخلاص اليه ومؤازرته فى نضاله ضد الرومان . وبقيت المدينة ملتزمة بصداقتها نحو البونيقيين سنينا عديدة .

أما زوجة حنبعل فليس لدينا عنها الا ما ورد فى أبيات قالها شاعر رومانى عاش فى القرن الاول بعد المسيح وهو سليوس إيطاليكوس ( Sillus Italicus ) وهي أبيات جديرة بأن تؤخذ بعين الاعتبار كما أقره المؤرخ الفرنسى جيروم كركوبنو (  Jerome carcopino ) .

كانت زوجة حنبعل تسمى إملكا فى رواية الشاعر الرومانى الآنف الذكر ( lmilce ) ويرجع أنه اسم فينيقي الاصل ، وقد يكون تحريفا " لخيميك " وهو اسم متداول عند الفنيقيين والبونيقيين . فان ثبت هذا الافتراض أمكن استخدامه ركيزة لافتراض آخر يتعلق بمدى تأثير الحضارة الفينيقية البونيقية فى بعض القبائل والعائلات الاسبانية حتى أصبحت أبناؤها تحمل أسماء فينيقية بونيقية . فزوجة حنبعل إسبانية الاصل لكنها تنتمى الى عائلة استوعبت الحضارة الفينيقية البونيقية ولعلها شاركت فى تطعيمها واثرائها .

على كل فلقد انجبت إملكا طفلا من حنبعل . ولد أيام كان القائد يحاصر مدينة ساغونته ( Sagonte ) . وفى ربيع سنة 218 قبل المسيح أى عند انطلاق الجيوش البونيقية نحو إيطاليا لما يتجاوز ابن حنبعل السنة الاولى من عمره .

ومما أورده سليوس إيطاليكوس ( Silius Italicus) أن القائد حنبعل سافر الى مدينة قادس ( (Cadix من أعتق المدن التى شيدها الفينيقيون فى غربى البحر المتوسط . سافر الى مدينة قادس صحبة زوجته وابنه . ومن بناء قادس أرسلهما الى قرطاج حتى يكونا فى مأمن من أحداث الحرب وتقلبات الدهر .

ولقد تأثر حنبعل شديد التأثر عند فراق زوجته الفاتنة وابنه الصغير . كما تألمت زوجته شديد الألم . وما أنفكت تنظر اليه بعينين ملؤهما دموع الحب والحنان وظلت عيناها متعلقتين بالارض التى بقى فيها حنبعل حتى غابت تلك الارض وراء البحر وأمواجه العارمة .

توارت السفينة عن بصر حنبعل كما توارت عن بصر التاريخ أخبار زوجة حنبعل وأخبار ابن حنبعل وكأنهما لقيا حتفيهما قبل رجوع القائد الى أرض الوطن .

خلق حنبعل : بقى حنبعل طيلة الحرب البونيقية الثانية بعيدا عن عائلته أى عن زوجته وابنه . وقد اعجب المؤرخون بعفاف حنبعل واخلاصه لزوجته اخلاصا لم ينل منه جمال الأسيرات بل يرجح أنه لم يقترب من امرأة طيلة اقامته فى أرض العدو باستثناء مجازفة لا وزن لها فى حياة القائد وردت فى كتب المؤرخ الروماني (Tite Live ) حيث يثبت فى كتابه الرابع والعشرين أن حنبعل قد تعرف باحدى فتيات الهوى فى مدينة سلابيا ( Salapia (وجاء فى الكتاب الثالث من مصنفات إبلين ( Pline ) الاكبر أن مدينة سلابيا(Salapia ( ما انفكت تذكر بافتخار تلك المجازفة الغرامية التى عاشها حنبعل بين جدرانها . ويبدو حسب المؤرخ الفرنسي جيروم كركبنو (Carcopino ( أن ذلك الحدث الطفيف يعود الى سنة 214 قبل الميلاد . وقد غادرت إذ ذاك زوجة حنبعل دنيا الاحياء. اما الاخبار التى أوردها أبيان (Appin ( والتي تثبت أن القائد البونيقى انجب طفلا أيام إقامته في مدينة كابو (Capoue (فلا نصيب لها من الصحة . بل من المرجح أنها وضعت من طرف الذين غالوا فى تلوين حياة الترف والقصف التى آنغمست فيها جيوش حنبعل يوم كانت عدة معسكرهم منصوبة فى مدينة كابو . وكثيرا ما يشير المؤرخون الى انحلال جيش حنبعل من جراء حياة القصف والالتذاذ التى عاشها القائد وجنوده فى تلك المدينة المشؤومة التى كانت وطنا للذة حسب قولهم وقبرا لقوة أبناء قرطاج وجيوشها . على أن هذه الافكار والتعاليق لا شأن لها فى نظر المؤرخ الحق . أجل ! لقد انهزم حنبعل ولكن لذلك أسبابا سياسية وعسكرية لا علاقة لها بمدينة كابو (Capoue ( ولا علاقة لها بحياة الترف والقصف التى عاشها الجيش القرطاجى فيما كانوا يزعمون .

ومهما يكن من أمر فالابحاث العصرية التى أجريت حول شخصية حنبعل

تثبت جميعها تمسك القائد البونيقى بالاخلاق الحميدة والاتزان لا سيما فى الحياة الجنسية . بل كان كما أشرنا زوجا مثاليا يؤمن بما يحتويه عقد الزواج من حقوق وواجبات كما كان يؤمن بالقيم البشرية . فهو من ألد أعداء الأنانية . وذلك ما جعل المؤرخ الفرنسى تيار ( Thiers ) يعده أعظم من الاسكندر المقدونى وقيصر وحتى نابوليون .

ويبدو أن الامبراطور الفرنسى كان معجبا بشخصية حنبعل حتى أنه درسها استنادا الى المصادر القديمة أيام عزلته بجزيرة سانت هيلان ( Sainte Hélène ) ولئن تحلى القائد البونيقى بالاخلاق الحميدة فذلك لأن أباه  عمل على أن تكون الفضيلة من طبعه . غرسها فيه فنشات ولعلها وجدت تربة فتغذت ونمت . لقد أحسن أبوه تربيته حتى كان لا يفكر إلا فى مجد قرطاج ولا يؤمن بواجب كايمانه بواجبه نحو قرطاج .

ولم يختل عن القائد البونيقى عن الاخلاق السامية فى معاملته للاسرى . على أن تيت ليف(Tite Live (وديودور الصقلى Diodore de Sicile) })وأبيان ) (Appien نددوا غير ما مرة ، بقساوة حنبعل . قساوة لم يثبتها المؤرخ اليونانى بوليب وهو أجدر بالثقة . بل أثبت بكل تجرد وموضوعية أن أعمال القسوة التى نسبوها الى حنبعل تعود في الحقيقة الى ضباط تجاوزوا أوامر القيادة . ولا شك أن الظروف تسيطر أحيانا بقوة وعنف فتتولد عنها القسوة وتداس فيها قيم الانسانية فيكون العذاب والتخريب والتقتيل وليس فى إمكان أحد أن يحول دون ذلك .

ورع حنبعل وتدينه : ومما لفقه بعض المؤرخين القدامى للقدح فى حنبعل أنه أمر بنهب معبد كان بالقرب من مدينة كانة ( Cannes ) حيث سجل الجيش البونيقى انتصارا باهر على الكتائب الرومانية . إنها تهمة ملفقة لأن قائدنا قد اشتهر بالتدين والورع واحترام الآلهة . كما تشهد به كتب القدماء انفسهم . ومن الاخبار المتعلقة بتدين حنبعل وبورعه أنه كان يذكر الالهة فى خطبه التى يتوجه بها الى الجيش والقبائل الاسبانية .

. ولم يكن ذلك من باب الاغراء والدعاية بل ينم عن روح تؤمن بوجود قوة وراء الطبيعة قوة لها مظاهر عديدة وأسماء تختلف باختلاف الزمان والمكان . وقد يكون لتلك القوة وزن في مجرى الاحداث .

ولعل ذلك من العوامل التى دفعت حنبعل الى زيارة معبد ملقرط بقادس غداة رجوعه من ساغونته ( Sagonte ) لقد قام للاله الهدايا والضحايا ودعاه أن يحيطه بعنايته وأن يؤازره على تكسير شوكة العدو. ثم غادر القائد مدينة قادس نحو قرطاجنة الاسبانية ومنها انطلق على رأس جيوشه نحو أرض العدو .

/ وذكر المؤرخ اليونانى سيلينوس  (Silénos) وهو من الذين كانوا صحبه حنfعل وعاشوا معه في المعسكرات وكان (Silénos)  مكلفا بتاريخ أعمال القائد اثناء الحرب . وذكر سيلينوس ان الاله بعل حمون بدا للقائد فى منامه وأمر بالزحف على أرض إيطاليا .

لقد عرف حنبعل إذن بورعه واحترامه لآلهة قرطاج كما كان أيضا ينظر الى الآلهة الاجنبية بعين الاعتبار والوقار . كان يحترمها كما يحترم ملقرط أو بعل حمون . من ذلك تراه يأمر باحترام معبد الآلهة أرتميس ( Artémis ) أيام زحفه على مدينة ساغونته . وكان له نفس الموقف ازاء معبد هيرا ( Héra ) بجنوب إيطاليا حتى قيل أنه امتنع عن أخذ سارية من ذهب صلب كانت بالمعبد . وامتنع عن أخذها رغم حاجته الملحة للنقود وقتئذ .

تلك ثلة من الاوصاف الحميدة والاخلاق الفاضلة التى كانت تتحلى بها شخصية حنبعل .

ثقافة حنبعل : وكانت ثقافة حنبعل واسعة ذات مستوى عال وكانت تتلاءم والتقاليد البونيقية وقد كان أعيان قرطاج يهتمون اهتماما كاملا بتربية أبنائهم وتثقيفهم بل وكانوا يسهرون على تثقيف بناتهم حتى يجمعن بين الجمال وروح الادب والفن .

أما بالنسبة لحنبعل فلقد أوردت كتب القدماء انه كان يتحلى بالثقافتين اليونيقية واليونانية . ومن المرجح انه تعلم لغة اليونان منذ صغر سنه . وذكر المؤرخ الرومانى كرنليوس نيبوس ( Cornélius Népos ) أن أباه عبد ملقرط وضعه تحت رعاية معلم يونانى يدعى سوزلوس (Sosylos)   . وكان الطفل يحب معلمه حبا عميقا حتى كان القائد لا يتحمل فراق معلمه وأبى إلا أن يأخذه معه أيام زحفه على إيطاليا . وطلب منه أن يؤرخ أعمال الجيش البونيقى

وأجاب سوزلوس (Sosylos)       الدعوة وصنف سبعة كتب تحت عنوان " تاريخ حنبعل " . لكنها كتب لم يبق لنا منها شئ .

على أنه لم يكن فى إمكان سوزلوس (Sosylos) أن يكون فى آن واحد هنا وهناك . الامر الذى جعل حنبعل يكلف مؤرخا يونانيا صقلى الاصل يدعى سيلينوس (Silénos) كلفة بتسجيل مآثر الجيش البونيقى باسبانيا .

كذلك نلاحظ أن حنبعل كلف مؤرخين يونانيين لتاريخ الحرب البونيقية الثانية . ومن ذلك استنتج الفرنسى جيروم كركوبنو  ( J . Carcopino  ) أن اللغة اليونانية كانت مفضلة لدى القائد البونيقى .

لا شك أنه كان يحسين اللغة اليونانية كلاما وكتابة . لكن لا أظن أنه كان يترفع عن لغة بلاده وأجداده ولعله كان مصحوبا عند زحفه على إيطاليا بمؤرخين من قرطاج ليؤرخوا بلغة قرطاج .

على انه ليس من الغريب أن يلاحظ حنبعل تفوق لغة اليونان من حيث وضعها فى أقطار العالم إذ ذاك . كان القائد يرغب فى اشعاع قرطاج وذلك دفعة فى رأينا الى استخدام اللغة اليونانية . كان حنبعل يسعى إلى أن يتعدى ذكره وذكر قرطاج حدود ساحة الوغى وحدود قرطاج . كان يستعمل إذن لغة اليونان للدعاية والتعريف والإشعاع .

وكان حنبعل من الذين كتبوا باللغة اليونانية كالرسالة التى توجه بها الى سكان جزيرة رودس ( Rhodes ) يحذرهم فيها من توسع الرومان وهيمنتهم . فالظروف هى التى جعلت حنبعل يكتب رسالته بلغة اليونان إذ هى اللغة التى يفهمها أهل الجزيرة .

كان لقائد البونيقي إذن على درجة من الثقافة ساعدته على اكتساح اسرار الخطابة والفصاحة وقد بلغتنا عن ذلك اصداء ضئيلة نلمسها فى كتب تيت ليف .

وكانت لغة حنبعل الخطيب تتلاءم والمستمعين . فكان يحسن مخاطبة الجيوش كما كان يحسن مخاطبة أرباب السياسة . فلقد حذق مزج القوة باللطف حتى كان لا يجد صعوبة فى التأثير على الذين يبغى مساعدتهم أو إقناعهم . فلما

ولعل ذلك من العوامل التى دفعت حنبعل الى زيارة معبد ملقرط بقادس غداة رجوعه من ساغونته ( (Sagonte ) لقد قام للاله الهدايا والضحايا ودعاه أن يحيطه بعنايته وأن يؤازره على تكسير شوكة العدو . ثم غادر القائد مدينة قاديس نحو قرطاجنة الاسبانية ومنها انطلق على رأس جيوشه نحو أرض العدو .

وذكر المؤرخ اليوناني  سيلينوس (Silénos) وهو من الذين كانوا صحبة جنيبعل وعاشوا معه في المعسكرات وكان (Silénos) مكلفا بتاريخ أعمال القائد اثناء الحرب . وذكر سيلينوس ان الاله بعل حمون بدا للقائد فى منامه وأمره بالزحف على أرض إيطاليا .

لقد عرف حنبعل إذن بورعه واحترامه لآلهة قرطاج كما كان ايضا ينظر الى الالهة الاجنبية بعين الاعتبار والوقار . كان يحترمها كما يحترم ملقرط أو بعل حمون . من ذلك تراه يأمر باحترام معبد الآلهة أرتميس )  (Artemis أيام زحفه على مدينة ساغونته . وكان له نفس الموقف ازاء معبد هيرا (Hera) بجنوب إيطاليا حتى قيل انه امتنع عن أخذ سارية من ذهب صلب كانت بالمعبد وامتنع عن أخذها رغم حاجته الملحة للنقود وقتئذ .

تلك ثلة من الاوصاف الحميدة والاخلاق الفاضلة التى كانت تتحلى بها شخصية حنبعل .

ثقافة حنبعل : وكانت ثقافة حنبعل واسعة ذات مستوى عال وكانت تتلاءم والتقاليد اليونيقية وقد كان أعيان قرطاج يهتمون اهتماما كاملا بتربية أبنائهم وتثقيفهم بل وكانوا يسهرون على تثقيف بناتهم حتى يجمعن بين الجمال وروح الادب والفن .

أما بالنسبة لحنبعل فلقد أوردت كتب القدماء انه كان يتحلى بالثقافتين البونيقية واليونانية . ومن المرجح أنه تعلم لغة اليونان منذ صغر سنه . وذكر المؤرخ الروماني كرنليوس نيبوس( Cornelius Nepos) أن أباه عبد ملقرط وضعه تحت رعاية معلم يونانى يدعى سوزلوس (Sosylos). وكان الطفل يحب معلمه حبا عميقا حتى كان القائد لا يتحمل فراق معلمه وأبى إلا أن يأخذه معه أيام زحفه على إيطاليا . وطلب منه أن يجرخ أعمال الجيش البونيقى

وأجاب سوزلوس (Sosylos)       الدعوة وصنف سبعة كتب تحت عنوان " تاريخ حنبعل " . لكنها كتب لم يبق لنا منها شئ .

على أنه لم يكن فى إمكان سوزلوس (Sosylos) أن يكون فى آن واحد هنا وهناك . الامر الذى جعل حنبعل يكلف مؤرخا يونانيا صقلى الاصل يدعى سيلينوس (Silénos) كلفة بتسجيل مآثر الجيش البونيقى باسبانيا .

كذلك نلاحظ أن حنبعل كلف مؤرخين يونانيين لتاريخ الحرب البونيقية الثانية . ومن ذلك استنتج الفرنسى جيروم كركوبنو ( J . Carcopino  ) أن اللغة اليونانية كانت مفضلة لدى القائد البونيقى .

لا شك أنه كان يحسن اللغة اليونانية كلاما وكتابة . لكن لا أظن أنه كان يترفع عن لغة بلاده وأجداده ولعله كان مصحوبا عند زحفه على إيطاليا بمؤرخين من قرطاج ليورخوا بلغة قرطاج .

على انه ليس من الغريب أن يلاحظ حنبعل تفوق لغة اليونان من حيث وضعها فى أقطار العالم إذ ذاك . كان القائد يرغب فى اشعاع قرطاج وذلك دفعة فى رأينا الى استخدام اللغة اليونانية . كان حنبعل يسعى إلى أن يتعدى ذكره وذكر قرطاج حدود ساحة الوغى وحدود قرطاج . كان يستعمل إذن اليونان للدعاية والتعريف والاشعاع.

وكان حنبعل من الذين كتبوا باللغة اليونانية كالرسالة التى توجه بها الى سكان جزيرة رودس ( Rhodes ) يحذرهم فيها من توسع الرومان وهيمنتهم . فالظروف هى التى جعلت حنبعل يكتب رسالته بلغة اليونان إذ هى اللغة التي يفهمها أهل الجزيرة .

كان لقائد البونيقي إذن على درجة من الثقافة ساعدته على اكتساح اسرار الخطابة والفصاحة وقد بلغتنا عن ذلك اصداء ضئيلة نلمسها فى كتب تيت ليف .

وكانت لغة حنبعل الخطيب تتلاءم والمستمعين . فكان يحسن مخاطبة الجيوش كما كان يحسن مخاطبة أرباب السياسة . فلقد حذق مزج القوة باللطف حتى كان لا يجد صعوبة فى التأثير على الذين يبغى مساعدتهم أو إقناعهم . فلما

وضعت الحرب أوزارها وعاد القائد الى قرطاج أبرز مهارته فى فن الخطابة . مما ساعده عل كسب عطف الجماهير وتنفيذ سياسته الاقتصادية التى كانت تهدف إلى انتشال قرطاج وتضميد جروحها . فشعر الرومان بالخطر وأيقنوا أن لا نجاة لرومة ما دام حنبعل بقرطاج . فأرسلوا يطلبونه . لكنه كان أحذق من أن يسقط بأيدى الذين يريدون به شرا . فخرج من المدينة خفية وبات يجوب الأقطار سعيا وراء القضاء على عدوه .

قد يطول بنا الحديث عن حياة حنبعل فى المهجر فلنكتف بقولنا انه مات فى بلاد الغربة وكان طيلة حياته مخلصا للقسم الذى أداه أمام مذبح بعل حمون وهو فى التاسعة من عمره . وانتحر حنبعل حتى لا يسقط بأيدى الرومان وهو فى السبعين من عمره بعيدا عن وطنه . ذلك الوطن الذى ناضل فى سبيله طيلة حياته . ورفعت جثمانه يد أجنبية . وحفرت له خندقا قرب شاطئ بحر مرمرة فى شمال البلاد التركية حاليا .

اشترك في نشرتنا البريدية