الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

حواجز نهضة الشعر العربى الحديث، ( خاصة بالمنهل)

Share

طلب الى الكاتب الكبير الاستاذ " الانصاري " صاحب " المنهل الغراء ان أوافى مجلته بمقال أدبي يدور بحثه حول " حواجز نهضة الشعر العربي الحديث "

والموضوع كما هو ظاهر من منطوقه ومفهومه موضوع شائك واسع لأن الباحث فيه وفي أمثاله من الموضوعات قد يعرج به القلم على غير المألوف فيرمونه باللوم أو بما هو شبيه باللوم ، ثم هو واسع متعدد جوانبه مختلف نواحيه لأن حياة الشعر " دنيا " واسعة الأرجاء ممتدة الأطراف والغايات ، ليس فى مكنة الكاتب النائر وليس في مقدور الأديب الشاعر أن يلم بأطرافها أو يبلغ نواحيها فى مجرد مقال عابر أو مقالات ، ولأن الشعر نفسه من قبل وبعد " سجل " الحياة و ديوان " الخلود .

فلا أفل إذا- والحال ما وصفنا - من قليل يغني بعض الغناء عن كثير ، ومن كلمات قد تقوم مقام السطور الطوال ، فى مثل هذا المقام من المقال

ومن اللازم الضروري قبل الخوض في موضوع المقال ؛ أن نلتفت إلى الشعر " مادة " الشعراء لنجده في مبتدئه " فطرة " وطبعا وسليقة نطق به الأولون فى بوادى الجاهلية وقبل الجاهلية في عصور الظلام شعرا مطبوعا ينساب انسياب السيل المتحدتر لا يحده حاد ، ولا يحجزه حاجز " ولا يمنعه مانع الصنعة ، والافتعال والتلوين ، تلك التى غلبت عليه فيما بعد بمر الأعوام وكر السنين .

وجاءت الحضارة الغربية بأضوائها وأصباغها ، فألقت ظلها على الشعر الحديث ولونته - إلى حد ما بألوانها ، كما لونت بها كل شئ - فكان شعر التقليد والمجافاة أو قل شعر الصنعة والمحاكاة ، ومن هنا راح الشعراء مبهورين يتأثرون كل جديد طريف ، وانصرفوا عن شعر الطبع والتطبع إلى شعر الصنعة أو التصنع أو التكلف ، فكان هذا أول حاجز من حواجز نهضة الشعر الحديث ، وأول سمار محمى دقه الغرب في نعش الشعر المعاصر

وهنا قد يعترض معترض ويسأل سائل : وهل تنكر أن يرقى شعر الصنعة والمحاكاة في قليله - إلى مستوى شعر الطبع والسليقة ؟ والجواب على هذا الاعتراض أو السؤال حاضر وهو ان القليل النادر لا ينهض دليلا على الكثير الغالب بحال من الاحوال ، ولكل قاعدة- كما يقولون - شواذ ، وهذما أيضا لا تأتي عفو الحاضر وإنماها أسبابها ودواعيها التى قد تخفى على أغلب الباحثين

ودليلنا فيما ذهبنا اليه من كون الشعر الصحيح هو شعر الطبع والسليقة أننا لو نظرنا فى دواوين العرب الأولين ، ورحنا نزن ما قالوه ونظموه بميزان الحكم السليم القائم على التذوق والاحساس لانتهينا إلى حقيقة واحدة هى ان"الغرل" كان - ولا يزال من أقوى ما خلفه الاحساس ، والانفعال وهما طبيعة من طبائع البشر لا يشوبها شائب من التقليد القائم على غير تأثر وشعور

إذا أنت لم تعشق ولم تدرما الهوى      فكن حجرا صلدا من الصخر جلمدا

وقولنا هذا في " ماهية " الشعر إنما يسلمنا رضينا او أبينا - إلى مدرستين شعريتين : مدرسة الطبع والسليقة ومدرسة الصنعة والتكلف ، يضاف اليهما بالتالي مدرسة ثالثة تلك هى المدرسة " المتوسطة " التى تنظر الى هذه مرة وتلك مرة والتى اطلقوا عليها وسموها مدرسة التوليد والتجديد كما يقول إخوان الجديد

فمن نتاج مدرسة الطبع والسليقة قول القائل :

ضيعت فيك مسراتى فما بقيت   لى من ممرة شئ غير لقياك

لولا هواك لألهانى السرور به عن  عالم ضاحك او عالم باك

وقولي الآخر          

إلى قمة الزمن الغابر              سمت ربة الشعر بالشاعر          

يشق الأثير صدى عابرا            وروحا مجنحة الخاطر  

مضت حرة من وثاق الرمان         ومن قبضة الجسد الآسر      

وأوفت على عالم لم يكن            غريبا على أمسها الدابر  

فهذن القولان لاشك يدفعامك دفعا شئت أولم تشأ إلى الأعجاب والافتتان وهكذا كل شاعر مطبوع ينطق عن طبع وسليقة مواتية

ثم التفت إلى شعر التكاف الغارق في التشابيه في قول القائل :

الدحي بحر وقلب فلكه          وشراعي من نسيج الابديه

وصفير الريح ناي : والصدى      يملأ الاجواء أنغاما شجيه

وصدى الذكر بنفسي مرجل        عاث حتى بالاماني الذهبيه

وقول الاخر :

رف فجر تعثر النور والعط          ر عليه كأنه مخمور !      

شرقت صفحتاه بالشمس والظل    ( م ) يغني نور ويرقص نور

والأغاني في معبر النسم السا        رب ، همس مصبغ مسحور !

وتنبه إلى الافتعال الظاهر في الالفاظ ) بحر ، فلكه ، شراعي ، نسيج ، صفير الريح ، الصدى . ( أو انظر - يارعاك الله - وانصت إلى ) الهمس المصبغ المسحور ! ( . . أو تخرج هذه التشابيه والاصباغ عن عجوز شمطاء فى ثياب عروس؟!

وأما شعر التوليد والتجديد فهو أوسع وأفسح من أني يلم بأطرافه قلم أو لسان  وأغلب الشعر الحديث لون من ألوانه فليراجع اليه من شاء فى مظانه المبثوثة فى كل مجلة وكل كتاب . .

إذن ، وبعد هذا الذي سقناه نستطيع أن نقول : إن عدم توفر"الحوافز" التى تدفع إلى رقي الشعر ونهوضه ، هي نفسها ) الحواجز " المانعة لنهضة الشعر العربي الحديث ، وهذه الحوافز أوقل هذه الحواجز إنما تنبع فى الاصل من مسعين أو موردين هما قوام نهضة الشعر ورقيه وسموه : منبع خارجي يقوم في الأغلب الاعم على مظاهر الحضارة ، ومنبع داخلي مداره الشعور والاحساس والانفعال .

فالحضارة " صناعة " والناظر اليها او الناظم فيها يكون حاله حال مصور ينقل عن صورة ثابتة وأصل ثابت ، فهو مهما أجاد وأبدع في صنعة النقل والتقليد لن يبلغ مبلغ الأصل من الاجادة والبراعة والاتقان . وكذلك حال الشعر الحديث المعاصر ، مقوماته وانفعالاته إنما تأتيه من الخارج لا الداخل من الافتعال لا الانفعال ، فهو إذن شعر مصنوع غير مطبوع بطابع الشعور والاحساس ، وإن كان فهو إحساس بالمنظر فى اللون والبهرج الذي قد يجلب الانظار إلى حين ولكنه لا ينفذ إلى أعماق الشعور فى جميع الاحايين

ثم إن عانكب به الشرق من تدخل الغرب في خاصة شئونه قد ركب الادب العربي عامة والشعر خاصة فاتجه به إلى غير متجهه الاصيل ، من عكوف على النفس ، وانكباب على الدرس والبحث ، وتوفر على القراءة والاستزادة والاستفادة من علوم العربية كالنحو والصرف وفنون البلاغة وما اليها ، ثم الغوص من بعد على اللآلي في القرارات والأعماق لا الطفو على السطوح في الضحل والضحضاح وراء المحار والاصداف . ولكن هذا لا ينفى أن يكون الضغط السياسي الذي يرزح تحته الشرق حافزا قويا من حوافز القول والاستجاشة والاستحثاث فالشعور الوطني في كل مصر وقطر ، وإن لم ينطلق الشعر بالتعبير عنه إلا أن " ديوان " الشعر المعاصر لا يخلو على حال من " وطنيات " ترقي وتبلغ أعلى مراتب الاجادة والبراعة والابداع

ثم إن من تلك الحواجز أيضا انعدام عامل الارشاد والتوجيه من ذويه وترك الحبل على غاربه بلا ضابط ولارابط بهدى الى سواء السبيل ومما لاشك فيه ولاريب أن نهضة الشعر - فى أى مصر وقطر لا يمكن أن تقوم على أكتاف حفنة من الشعراء مهما قالوا ومهما أجادوا القول حتى إننا لنجد أن أغلب مجلات الادب هي وقف على شعراء بعينهم دون غيرهم ممن لا يقلون عنهم مادة وإجادة وحسن أداء ، وجمال ابتداء وانتهاء ، الامر الذي لا يساعد القائمين على الوقوف على الاتجاه العام للادب في البلاد ، وتهذيب ما يمكن تهذيبه ، والنهوض به النهضة التى نبتغيها ونرجوها ونعني النفس من أجلها . وبعد فقد يحكم على القارىء الكريم بالرجعية والجمود والتلفت إلى الوراء وقد يحكم بغيره ؛ ولكن حسبى أنني أوردت ما أوردت عن ثقة وإيمان . والايمان - كما قيل - هو أن تومن بما تقول ، وليس بما يقول الناس

وبقي أن أقدم خالص الشكر ، ووافر التحية للاستاذ " الانصاري " إذ تفضل - حفظه الله - فأتاح لي بهذا المقال الموجز الأعراب عن شعور طالما عاش فى النفس جائشه ، واضطرب في الصدر مضطر به ، ابتغاء النور والضيا وقد بلغ والسلام .

اشترك في نشرتنا البريدية