الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

حوار المبادئ والقيم، الأستاذ محمد مزالي والتجدر في الذات

Share

دأب أصحاب المبادئ الثابتة والقيم الراسخة على أن يؤكدوا مواقفهم وأفكارهم ولا ينقضوها أبدا أو يناقضوها . ونجد فى طليعة هؤلاء الاستاذ محمد مزالى الذي ما انفك يسخر كل المسؤوليات التى تحملها ويتحملها سياسية كانت أو فكرية أو رياضية لخدمة نفس المبادئ ونفس المثل التى آمن بها وسخر لخدمتها وتركيزها واشعاعها كامل وقته على حساب واجباته نحو نفسه ونحو عائلته ووجد فى كل ذلك متعة لا تضاهيها متعة ولذة روحانية تتجاوز كل تصور ، وهل أنبل من انسان حينما شعر فى يوم 25 أوت 1965 بشئ من الاختناق وخيل اليه انه سيختنق ويموت كانت الفكرة الاولى التى راودته فى تلك اللحظة هى الخوف على مآل مجلة - الفكر - وبالتالى الخوف على الثقافة وعلى الانجاز الادبى التونسى الذى ظهر بظهور بشائر الاستقلال وما زال يبرز صامدا فى خدمة الثقافة العربية .

إن ما أردت من هذه الاحاديث التى اخترتها من عمق أقوال وكتابات الاستاذ محمد مزالى هو التذكير والتأكيد على ان النهج الذي اختاره مؤطرا بالمبادئ والافكار التى لم يناقض بعضها بعضا مطلقا ، وهى مستندات ثقافية لم تؤثر فيها الاحداث ولا الاشخاص ولا حتى المؤامرات الفكرية وهى قيم جاءت فى كلمات واجابات متشابهة بالرغم من تباعد المناسبات التى قيلت فيها واختلاف الظروف التى حفت بها .

ان اختيار صيغة الحوار المستمد من ذاكرة الايام أملته ارادة تجسيم العلاقة الروحية التى حرص الاستاذ محمد مزالى على ان تجمع دوما المثقفين وقد سخر لذلك مجلة " الفكر " وهى علاقة تتأكد اليوم وتتجدد بمناسبة الاحتفال  426                                         74

بمرور ثلاثين سنة على صدور هذه المجلة الغراء وهى مناسبة لا اعتقد انه فى امكان أحد ان يضيف اى جديد حول ظروف تأسيسها والاسباب التى دعت الى ذلك فشهادة المجلدات الثلاثين أبلغ من كل وصف غير أن هذا الاحتفال يفرض التذكير بصفة هامة وهى أن الاستاذ محمد مزالي لم يتحول عن الخصال والافكار التى ميزته منذ صدور العدد الاول من مجلة " الفكر " بل ان المتتبع لمسيرته الطويلة الموفقة ، وكم يسعدنى ان اكون أحد مواكبى بعض مراحلها . يدرك ان المجلة لم تكن الا تجسيما للافكار والخصال التى عددها الاستاذ البشير بن سلامه الذى حينما سئل عما اثبتته المجلة للاجيال لاحظ انها اثبتت اولا وبالذات انه بالامكان ان تدوم مجلة وان يطول عمر مدرسة هي ملتقى الادباء الذين يجمعهم الايمان بكل ما فيه خير تونس وخير الادب والفكر ، فهى مدرسة ايجابية فى ايمانها بالوطن وفي تمسكها باصالتها واندفاعها نحو التقدم ، لقد أقام الاستاذ محمد مزالى الدليل بهذه المجلة على ان التربية التونسية ثرية خصبة وان الانسان التونسى اذا ما آمن بنفسه وانتصر على اسباب الوهن والخذلان والتهافت قادر على ان يؤسس المشاريع الادبية وأن بكتب لها طول العمر واطراد الفوز وقادر بالخصوص على ان ينتج انتاجا ادبيا اصيلا يمكن ان يساهم به في اثراء الادب العربي . هكذا يؤكد الاستاذ البشير بن سلامه موقف مجلة الفكر وهو الموقف الذي من أجله كان هذا الحوار الذاتى المستمدة أسئلته وأجوبته من كلمات ومواقف تجذرت فى الماضى البعيد والقريب وهى الآن تتصدر الحاضر الذهبى وتتحفز للانطلاق نحو المستقبل الوضاء ...

س : أنتم انسان متميز بالحركية اضافة الى عديد الخصال الاخرى هل يمكن اعتماد هذه الحركية لتغيير الواقع ؟

ج : الحركية تعنى التمرد ضد ما هو ليس عادلا ليس جميلا ، ليس مطابقا للحقيقة يعنى ان تكون لنا قوة الشخصية والطاقة الضرورية للنضال والكفاح ولتغيير ما يسير كما لا ينبغى ، ما لا يطابق أحلامنا ذلك هو محرك التاريخ .

س : كيف تقيمون العلاقة بين الماضي والمستقبل والمثل الأعلى في الحياة ؟

ج : انه بدون الانتماء الى ماض وبدون الوفاء لجانب من حياتنا لا نكون أقوياء بما فيه الكفاية لمواجهة المستقبل الذى هو المصير ، فالانسان في الاصل يصبح بخلقه للمستقبل هو ذاته فهو لا يقطع صلته بالحاضر ولا ينبغي ان تكون هناك قطيعة بين ماضى الوعى ومستقبله ، واضافة الى ذلك فانه من قبيل 75                                             427

التصنع ان نحوجز الزمن وان نوهم بانه بين الماضى ، بين الامس واليوم او بين اليوم والغد لا بد من ايجاد القطيعة او فحوة لقد قيل : ان الماضى - كل ماض - كان مستقبلا كبيرا .

س : دعوتم دائما الشبان الى ان يعيشوا الحياة الحق وان يكون لهم مثل اعلى وان يرضوا بالألم من أجل تحقيق ذلك المثل ، ما هو تصوركم للحياة الحق ؟

ج : إن - رامبو - يفرق بين الحياة الحق التى اليها نطمح وبين الحياة الحقيقية اى الحياة الواقعية التى بها نصطدم وعليها نتمرد ودعوة الشبان الذين يوجد المستقبل أمامهم لا ورائهم الى ان يعيشوا الحياة الحق اى ان يحلموا وان يكون لهم مثل اعلى جاءت اعتبارا الى ان هذا يمثل العظمة الحقيقية لان الحياة المادية حسب مثل صينى قديم أشبه بحياة الضفادع تعيش تحت الماء فلا تلاى الا جزءا من السماء ، والانسان مطالب بالتحمس لما يعمل وبمحاولة انارة ذلك الحماس وتهذيبه بضرب من الزهد الفكرى بضرب من الانضباط فى منطق الفكر اذ بدون حماس لا يتوفر ما يكفى من الطاقة لتغيير الواقع ، لا يتوفر ما يمكن من الحوافز لنلقي بأنفسنا في الماء . لمواجهة العراقيل والاخطار وللمجازفة .

س : يرى بعضهم ان السعادة حل وسط بين عوامل مختلفة وانتم ترونها نوازنا فما هو تقييمكم لمفهومها الصحيح ؟

ج : السعادة ليس شيئا قارا فهى التوازن بالفعل ولكنه توازن غير قار يتعين التمكن من بنائه عن طريق عوامل بدنية وعوامل نفسانية واجتماعية . ان كثيرا من الناس بؤساء لانهم مرضى جسمانيا وقد تحدث جان جاك روسو كثيرا عن هذه النظرية القائلة : بان الصحة الجسمية والرياضة البدنية من عناصر هذا البحث عن السعادة وكثير من الناس ينسون قولته الشهيرة : " كلما ازداد الجسم قوة اطاع اكثر وكلما ازداد ضعفا أمر أكثر " فالسعادة طلب ولكنها أيضا نتيجة وانضباط ، نتيجة مجهود ضاغط على الذات فهى اعتدال يحافظ عليه بفضل جدلية يومية بين التصور والواقع أى بين الحلم والممكن .

س : يقول أبو العتاهية : لدوا للموت وابنوا للخراب ويدعو أبو نواس وعمر

الخيام الى التغلب على ضيق الحياة بالسمو والعبث واغتنام الحياة قبل فواتها وهو ما يفعله اليوم كثير من الشبان فهل هذه من مؤشرات الظفر بالسعادة ؟

ج : كلا . وما انغماس هؤلاء في التمتع الا دليل فشلهم ذلك ان الانسان يظل تائها ما لم يحركه ايمان فهذا معنى ان الحياة عقيدة وان الانسان المؤمن تزول حيرته وشكه وان الحياة الاجتماعية هى مدار الايمان ومحور العبادة باعتبار الانسان غاية ووسيلة وقد أكد الاسلام ان خدمة الناس والالتزام لقضاياهم عبادة ، فالسعادة تكمن فى استشفاف الحقيقة واعلانها وفى العمل على تغيير الحياة والبشر لرفعهم الى الكمال .

س : كب ترون معالجة حيرة الشاب لجعله يتوق إلى الفعل ولا ينساق مع ما دعا اليه أبو نواس وأمثاله من ضرورة التغلب على الضيق باللهو ؟

ج : ينبغى الرجوع الى مصادرنا وخصائصنا الحضارية ولا يكون هذا العلاج الا باعطاء الحياة محتوى ومفهوما ويتعين ان نبدأ بالجهاد الداخلى حتى يتبلور تصورنا للخير وطرق الوصول اليه ، يجب اذن ان نروض الشباب بتدريبه على مقاومة الانانية ونوازع الجسد وان نخطط لذلك وفق ما نخططه لاى مشروع آخر كما انه على الاولياء ان لا يظنوا بأن مهمتهم تقتصر على الانجاب والايواء والطعام والاكساء وتدليل الابناء والاعتماد بأن أمر تربيتهم موكول الى المدرسة فقط ، بل عليهم ان يتحاوروا معهم وان يكونوا لهم بسلوكهم أسوة حسنة .

س : يواجه الانسان اليوم اخطارا جسيمة من جراء انعدام التوازن والتطابق بين التقدم العلمى والتقنى والتكنلوجى من جهة وبين الارتقاء بالضمير الى مستوى الحال ، ان صح التعبير ، فهل انتم متفائلون بمصير الانسان ؟

ج : يجب أن نكون متفائلين . بلا تفاؤل لست أدرى ان كانت الحياة جديرة بأن تعاش لماذا نحيا ؟ نحيا لتحسين منزلتنا لخدمة الآخرين من أجل التخفيف من الحيف ومزيد السعادة والتآخى ، واعتقد ان تطور العلم المدهش قد وهب الانسان سيطرة على المادة هى من العظمة بحيث لم يتمكن الضمير من أن يرقى لها وهذا ما جعل الانسان يواجه اليوم اخطارا جسيمة من جراء انعدام التوازن والتطابق بين التقدم العلمي وبين الارتقاء 77                                       429

بالضمير الى هذا المستوى ، فيجب على الانسان اذن ان يتعلم اليوم ثانية وان يطلب من نفسه ، اكثر مما يطلب من العلم ، مفتاح السعادة والتعايش السلمي وشروطهما .

س : آمنتم دوما بمسؤولية الكاتب وبحريته ورفضتم ما اسميتموه - بتسخير الكاتب - للانتاج فكيف تقيمون مسؤولية الكاتب وحريته وعلاقته بالمجتمع ؟

ج : أول ما يجدر تقريره هو أن الكاتب مسؤول عما يكتبه وعما يسكت عنه لانه فرد من جماعة فى حدودها القومية الضيقة أو فى حدود الانسانية الشاسعة ولانه بقدر ما يتأثر بهذه الجماعة ويتجاوب معها ويستمد منها ويستوحيها يؤثر فيها عاجلا أو آجلا ما دام للكمة مفعول ولومضة الفكر رسالة . فاذا شعر الاديب بمسؤوليته وادرك جنس التضامن الذي يربطه ببئته وعصره هل من واجبه بعد ذلك أن يتلقى التوجيه من المجتمع وينتظر التعليمات من معاصريه ويعرف قيودها فلا يتجاوزها وهل نستند الى - تكليف - الكاتب لنضع حدودا عقائدية أو فلسفية أو اقتصادية سياسية لنشاطه العقلى وعمله الادبى ؟ ان تسخبر الكاتب هو شر ما يهدد الادب الاصيل وبنزل به الى مستوى الدعاية المحدودة والفرص المتصلة بالملابسات العارضة والظروف المتبدلة الزائلة ، من هنا فانه اذن من الصلف أو من ضيق النظر ان نصدر الحكم على هذا الاثر او ذاك بانه يخدم او لا يخدم هذه القضية أو تلك ، بانه ينسجم مع هذه الفلسفة او تلك العقيدة أو هو لا ينسجم ، والخلاصة ان الكاتب وان كان مسؤولا أمام التاريخ فهو حر فى عملية الخلق والابداع ولا تحتمل حريته أى قيد فهي كاملة مطلقة أو لا تكون .

.س : هل تعتقدون أن التأثر بأهداف معينة يلتزم الكاتب بخدمتها هو التزام طبيعى أم هو نوع من التسخير الذاتي لفائدة اغراض معينة ؟

ج : يجب التمييز بين الالتزام الطبيعى بخدمة البشرية ونشدان القيم ، هذا الالتزام الذى لا يكاد يشذ عنه كاتب اصيل منذ اقدم الحضارات الى اليوم ، وبين التسخير الكلي الذى يمسخ الاديب وبطمس فنه ويخمد جذوته ، ان الاديب مسؤول ولا يكون أصيلا ولا تبقى آثاره على وجه الدهر الا اذا التزم خدمة الإنسان ولكن ليس لاحد أن يوجهه وجهة دون أخرى ويسخره لاجترار شعار دون آخر وهو ملتزم ولكن 78

لا يمكن أن يعرف أحد الطريق الواجب سلوكه فمنزلة الكاتب شاقة حقا ولكنها مشرفة مقدسة اذ لا يمكنه ان يكون تابعا او منفذا وهو فى حقيقة الامر لا يحتاج الى الحرية لانه هو باعث الحرية ورائدها ، انه فى جوهره حرية وتحرير .

س : ماذا يمثل التجديد فى الادب بالنسبة اليكم ؟

ج : التجديد فى الادب وفى غير الأدب مظهر من مظاهر الحياة الانسانية وتوق الانسان الى اسلوب فى الحياة أحسن باعتبار ان الانسان يحيا بحسب ما اعتقد انه الحياة الفضلى اذ التجديد وظيفة حياتية من وظائف الانسان المدعو الى ان يحيا حياة الكرامة ، حياة الانسانية الحق ، والعبرة ليس بالجديد أو بالقديم بل العبرة بالمحتوى والاسس وكذلك بمستوى صاحب الاثر .

س : أخذت "الفكر" دوما بيد الناشئة واعانتهم على تحس الطريق المستقيم فهل هذا تحت شعار التجديد فى الادب ؟

ج : حرصت "الفكر" على الاخذ بيد الناشئة لمساعدتهم على التقدم في درب صعب ولأعانتهم على قطع مراحل فى طريق الجودة والتوفيق فى ميدان التجربة الادبية وربما في ميدان الخلق الادبى وكان من نتيجة هذا التشجيع ان كثر عدد الذين يقرضون الشعر ويكتبون القصة والمقالة والبحث الادبى ، وقد اعتمدت المجلة تقييم الانتاج الادبى لا بحسب المدارس والاتجاهات وانما بحسب ما يكتسبه صاحبه وما يختص به فى مجال الخلق الفكرى والادبى . فمجلة " الفكر " لا نمثل فئة معينة وانما هى عائلة تجمع كل الغيورين على الأدب التونسى والعاملين من أجل الثقافة العربية فى هذه الديار ، ومن هذا المنطلق ساعدت المجلة المواهب الطريقة اذ يجب ان يعبر كل فرد حسب عبقريته الخاصة وتبعا لحساسيته الذاتية سعيا وراء هدف واحد وخدمة لقضية واحدة ناضلت من أجلها "الفكر" وهى تأكيد الذاتية القومية وحضور الثقافة التونسية وازدهارها .

اشترك في نشرتنا البريدية