- الفيلسوف يتأدب لينمي قدرة الفلسفة على ايصال رسالتها . - الكتابة مغامرة دائمة واستبار للمجهول كالفلسفة . - قيمة الانتاج وأصالته تقاس بكثافة الصدى - الثقافة صراع كالحياة وان الالتزام يجعلها حياة من اجل الذات . . - مهمة الكاتب والفنان هي أن يعملا على اخراج الكون من صممه وبكمه !
س : في البداية أريد ، لو تفضلتم فقلتم لنا ما هى فى نظركم ، الثقافة ومن هو المثقف الحقيقي ، ليكون ذلك مدخلا لهذا الاستجواب ؟
ج : لقد خصصت كتابا ل " الثقافة والحضارة " ظهر بالفرنسية منذ بضع سنوات :louvert ' du clos a ) وسيصدر قريبا عن دار الانجلو بالقاهرة . لهذا ساكتفى هنا باشارة إلى من هو المثقف الحق فى نظرى
المثقف الحق هو من بلغ مستوى من الوعى بالذات وبماجريات العالم ، مستوى يخوله تفهم الاحداث والتكيف مع الاوضاع ، ويكسبه القدرة على افهام وتكييف الآخرين ، ويقابل صاحب الثقافة المزيفة ، وهو الذي يجتر ما انتجه الآخرون ) انطلاقا من حاجياتهم وواقعهم ( يجتره بفكر كبشى ، فيطلقها بعبعة لا فرقان فيها بين الأمل العابر الاصيل وبين الاستسلام للشعارات والعبث
ينحصر اهتمام اى واحد من هذا الصنف الثاني من المثقفين فى أن يتنطع بالحروف ويتفصح بكلمات وعبارات ) الموضة ( واذا بمستمعيه يكبرون تظاهرا بالاعحاب ، هو يتيقن انهم لا يفهمونه ) لأنه لا يقول ما يمكن أن ينتقيه الفهم وهم يعرفون أنهم لا يفهمونه ويتظاهرون بالفهم اخفاء لجهلهم أو " تأدبا والتأدب يفترسه النفاق " وان مجتمعنا لمريض بداء المجاملات "
أود ان يعتبر ما سأبديه ، فى هذا الاستجواب ، مجرد آراء لا أزعم أنها نهائية أو مطلقة ؛ فان اختلفت مع اراء آخرين فشىء طبيعي ، لان الحقيقة كالنور انه واحد وان اختلفت ظلال الاجسام التى تعكس النور
س 1 : هل لكم ان تطلعوا القراء في تونس عن اطوار حياتكم الادبية ؟
ج : لا ادري كيف أحدد هاته الاطوار ، لأنى لا أدرى كيف أحدد " الأدب " هل هو سلوك ، أم معرفة " بالادبيات " ؟ أم اسهام بانتاجات " أدبية !
اذا اعتبرنا " أدب " فى المعنى الاول ، فحياتى " الأدبية " هى حياتى " العادية " اذ قدر لى أن نشأت في أسرة تحترم المعايير الاخلاقية وتؤمن بالرحمة والمحبة ، فحببت الى اعمال الخير
أما إذا أخذنا " أدب " بالتحديد الثاني ، أى معرفة مدرسية باللغة وآدابها . اعترفت بانى لست أديبا . تخصصي ومهنتى هما الفلسفة ، ولكنى أتذوق الاثار الادبية ، فالادب بالنسبة لى هواية .
الآن أجدنى مضطرا أن أبرر موقفي من الادب ، فى المعنى الثالث " الاديب من يسهم بانتاجات من الشعر أو النثر الفنى " حقا ، نشرت شعرا ونثرا ، مع اعتقادى أنى لست ) اصطلاحا ( أديبا . هل هذه مفارقة !
لا ! فبوصفي مهتما بالفلسفة ! أتأمل فيما أعانيه من تجارب وجودية ومشاكل انسانية مختلفة ، أريد أن يفيض فكرى ووجدانى بما تكدس فيهما فيهشما قلقى أمام الحاجة الملحة الى تعابير بسيطة تكسب ما أريد قوله لوينات لاقبل اللغة الفلسفية بها .
من هنا كان لجوئى الى تلقيح المصطلحات الفلسفية الجافة المجردة بالفاظ وصور محسوسة تحرك الحدس والتخيل وغيرهما من القدرات النفسانية كما تحرك العقل المحاصر داخل ثلاجة البراهين . . وهذا ما يستطيعه الفن والادب ، فالفيلسوف " يتأدب " لينمى قدرة الفلسفة على ايصال رسالتها .
ولشرح ذلك : يستعين التاريخ مثلا ، بما يسمى " علوم آلية " او " تكميلية " كعلم النقود والحفريات . . وعلم الاثار . . . وتعتمد الفيزياء علي
الرموز الرياضية للتعبير عن بعض الظاهرات . . كما يبرز علم الاقتصاد السياسي معطياته اعتمادا على علم الاحصائيات ، فتكاملية اصناف المعرفة والتعايبر شئ عادى وضرورى . . . هكذا أفسر علاقتى بالادب ، وهكذا يتضح ما يجده بعض النقاد من تشابه بين قصصى وشعري ، من جهة ، وبين كتبي الفلسفية من جهة اخرى ، على أنى لا أتعمد ذلك ولكنى مرغم عليه فعندما أكتب ، في اى ميدان ، اكتب ب " كليتى " اذ لا أحد يستطيع ، دون نصنع وتنطع ، أن ينسلخ عن رؤياه الفلسفية ليكتب الادب ، أو أن يتخلى عن احاسيسه الادبية عند الانغمار فى التأمل الفلسفى
الكاتب " كائن كلي فاذا حصل تصدع فى " الكلية " انهار كيان الشخص وظل بلوك الحروف ويمضغ الالفاظ حتى يمتلئ الفضاء اصواتا برنين ودون معنى . تلك حال الالسنة المقروضة ، تتحرك ولا تتكلم ، او تتكلم دونما صدق وصدى .
الفلسفة تتطلع دائما الى ما يقرن من التفكير المستقيم ومن الحكمة ) أليس الفيلسوف اصلا ، هو " محب الحكمة " ؟ ( وصداقته بالحكمة تجعله يصبو الى أن يبلور الحقائق لتأتى بينة ناصعة ، ان الفيلسوف الحق يلتقى مع الكاتب الحق لان كليهما يتطلع الى تحقيق مطامح الانسانية ، بقدر ما له من أمل فى التقدم ومن ثقة بالانسان
فلا مفر للفيلسوف من أن يقيم بينه وبين الآخرين جسرا ، على نحو ما . فالعلم والفن والادب والفلسفة تشترك في انها تنبع من معين واحد ، من تعلق الانسان بالبحث عن الحقيقة وعن وسائل تنمية الذات البشرية بالايمان ، أو بالحب أو بالعلم . فليس من الناس من لا يرى الخير والحسن والمعرفة أسسا للسعادة .
دور المشتغلين بالحرف والكلمة هو تسهيل الطرق التى قد تؤدى الى تلك الغاية . لذا كانت الكتابة مغامرة دائمة واستبارا للمجهول كالفلسفة .
س 2 : هل لكم أن تحددوا دور الكاتب فى المجتمع العربى الحديث ؟
ج : هو دور اى كاتب ، فى اى مجتمع : أن يكون " شاهدا " ويظهر لنا ان مبدأ " الامر بالمعروف والنهى عن المنكر " قد يعطى اتجاها لنوع من أنواع تلك الشهادة " وأقصد أن الكاتب " الشاهد " على عصره ومعاصرية ، ملزم
بالصدق ( احترام الواقع وعدم استغلال قدراته الخلاقة فى التزييف والتمويه على الجماهير والا يسخر انتاجه بوقا للقضايا التى لا يؤمن بصلاحيتها ( هذا هو مفهوم الالتزام ، وهو مخالف تماما ل " التعكسر و " التخريب " انه كفاح من اجل قضايا يراها الكاتب سالمة سوية ، لا من اجل اشخاص أو أغراض ( ولو كانت وطنية ، فالشوفينية كثيرا ما تقود الى عصبيات الجاهلية (
كل عمل فكرى أو فنى يعتبر جوابا مباشرا من صاحبه على وضع ما . ان الكاتب ، والمفكر والنحات . . يتأثرون فى حياتهم بمجموع ما من الكون فيعملون على أن يأتي انتاجهم كرد فعل شخصى فقيمة الانتاج وأصالته تقاس بكثافة الصدى الذى يحدثه لدى القراء أو المشاهدين ) بالنسبة للمسرح والسينما والفنون التشكيلية ( فان هم تفاعلوا مع الانتاج رفعوه ، من مستوى الانفعال الشخصى الى مستوى الشمول أما إذا لم يحصل تواصل بين الانتاج وبين جمهرة المستهلكين عد الانتاج عملا مجانيا ، لا تفكيرا أو فنا . على تلك الفعالية ، وعلى ذلك التفاعل تتأسس مسؤولية المفكر والاديب والفنان والمسؤولية تبرر الالتزام
انك " ملتزم " حينما يكون ما أبدعته صادرا عن ايمان قوى يمتلك عليك فكرك ووجدانك وارادتك ، طبقا لما اخترته من مثل فى حياتك ، ولا يغرنك بعد ذلك ما قد يصيبك من نفع أو ضر من جراء هذا الالتزام الخالص ، فالمهمة صعبة ، وقد عرف نتائجها المفكر سقراط والرسام ) فان غوغ ( وغيرهما كثيرون : أرادوا أن يكونوا شهداء على عصرهم فباتوا ضحايا له . حاكمهم اقزام دونما مجد سوى ما يكتسب بطغيان المال ، أو بتعسف السيف ، المبدع الملتزم يترفع عن مبايعة الشر ، كابحا ضميره عن الشهادة المزيفة . حقا الالتزام ليس مرادفا للخير المحض ، وانما يقاس الخير بما يحققه الواحد منا من تناغم بين آرائه وسلوكه ، وبما يبذله من جهد لكي يدافع عما يعتقده حقا ولو خالف كل الناس وينهى عما يعتقده شرا وقبحا ، مهما اختلف مع بيئته الى ان يتبين الحق من الباطل . فكثيرا ما عارض الوسط المجددين والمبدعين أو على الاقل لم يعبأ بهم ، ولكن ذلك لم يصرف انتاجهم عن مسيرته الى ما ظنوه واجبهم نحو الانسانية .
سبيل الالتزام متعددة بل متباينة ، لا طريق موحد ، لان الالتزام شهادة عيان ، وصدق فى التعبير عما سيشاهد ، فيختار كل شاهد أهدى سبيل يلائم قدراته ومثله وإيمانه .
ورد فى سؤالكم " المجتمع العربى الحديث " :
ان ما قدمناه ينطبق على كل مجتمع ، وبالإحرى العربى الحديث الذي يعرف اليوم آلاما يضاعفها مرور الايام ، حتى تسرب الريب الى النفوس فبتنا نرضع الغصة ونبلع الهزائم المعنوية والمادية : لنا زعماء ولكن أغلبيتهم الساحقة فى واد والشعوب العربية فى واد ، كرؤوس دون أرجل ودون أجساد ، لنا ضباط ولا حنكة استراتيجية ، لنا جامعات ومعاهد عليا ولكن المشادات بضاعة مزجاة تدور فى دوامة الالقاب الرنانة ، ولنا لغة ، ولكنها مقهورة على أمرها أمام غزو اللهجات العامية واللغات الاجنبية ، ولنا دور النشر ، الا انها بلا سياسة للتوزيع ، وكتبنا بلا قراء . . رأس مالنا الاول : الأمية ، وان كان أغلبية زعماء العروبة وصحفييها أكثر العالم خطبا وتفصحا ! يفضفضون بلا اقتصاد اذا تكلم أحدنا ظن ان كل لفظة من ألفاظه تساوى عملا . هكذا فقدت لغتنا تأثيرها ، ولم تبق لها قوة الشهادة . كلام دون مشاريع محددة ، وأعمال دون تصميم محكم ، رحم الله الشقيرى والشقيريون كثيرون . . .
تلك ويا للاسف ! هي أوضاعنا ) كلها تبعث على المرارة ، والقلق ، طبعا هناك استثناءات تعطينا بصيصا فى الامل . . ( فما هو يا ترى دور الكاتب !
الجواب سهل : أن يكون ملتزما ، اى شاهدا صادقا ، حتى اذا كثر هذا الصنف من الكتاب استعادت اللغة العربية أنفاسها المنعشة وأكسبتنا ، من جديد حاسة الواقع ، اذ ذاك نخط تصميمات تنير لنا الدروب بصدق ، فنسير نحو مصير واضح :
س ٣ : فى كتاباتكم كثيرا ما تلجؤون الى الفلسفة لتطعيم التراث الشعرى الذي يلمس اكثر في ديوانكم ) بؤس وضياء ( هل لكم أن تحددوا معالم هذا التلاقح في انتاجكم الشعرى ؟
ج : على هذا السؤال ، قد اجبت مسبقا ، عندما تعرضت للسؤال الاول .
س 4 : ما رأيكم فى التزام الشاعر خاصة ؟
ج : اسمحوا لي ، بهذا الصدد ، ان أضع لكم سؤالا : لماذا تريدون الالتزام
من الشاعر خاصة " ما يطالب به الشاعر هو ما يطالب به اى كاتب ، أى فنان بل نرى : ان الالتزام فرض عين على كل مثقف . فالثقافة اما كفاح واما مجرد لعب ولهو وتفاخر بالالقاب المزيفة ) وأكرر هنا ان الالتزام ليس دائما مرادفا للتحزب ( : فالمدرس ملتزم عندما يخلص فى مهنته ، والصانع ملتزم عندما لا يغش فى خدمته والتزام الشغالين فى تنمية الانتاج و " رحم الله من عمل عملا فأتقنه " .
س 5 : هل في نظركم امكانية قيام حدود بين الفلسفة والشعر
ج : ممكن أن توجد حدود فى اى شئ وشئ آخر ، كما يمكن حصول تكامل بين أي شئ وشيء آخر ) فالاستتيكا الجمالوجيا ( كانت دوما من اهتمامات الفلسفة ، مثلا ألم يؤلف أرسطو كتاب الشعر ! ، الشعر تعبير عن تجارب معاناة ، ومن هنا يهم التأمل الفلسفى ، إن الجانب الخيالي من الشعر هو أيضا موضوع للتحليل الفلسفي ، ما دام تعبيرا عن ذات ، أى عملية تصدر من جهاز انسانى ، ثم ان الشعر لم يكن دائما وأبدا " شعر مناسبات " للهجاء ، المدح والرثاء مقابل " دريهمات " انه صدى آلام وآمال أو أمته " أو مجموع الانسانية ومن هنا فهو " شهادة " صادقه وقد يكون الشعر مجرد ايحاءات ، وهذه ايضا من اوجه صدق - الشهادة - ان افظع أكذوبه ورثناها هي قول بعضهم : أعذب الشعر أكذبه .
س ٦ : يعرف أدباء المغرب العربي انكم تعالجون كتابة الشعر والرواية والقصة والنقد الفلسفي ، هل تحددون معالم هذا فى انتاجكم للقراء ؟
ج : أولا اني أولف من الفلسفة كما هو طبيعي لمن احترفها وتزوجها عن ميل وعشق . ثم في أوقات الفراغ ، أداعب القصة والشعر . . . بيد أن ما . كان مجرد دعاية قد تحول " الى زواج ، اذ لا أبيح لنفسى تعدد الزوجات . . " تطور مفهومى للادب من علاقاته بالفلسفة .
لقد استخلصت من تجاربي أن الادب يعيننى فى حقلين يخولني وسائل تعبيرية مما يوسع أمامى الافق الفلسفي 2 ( اني شخصانى ، والشخصانية ، كما تعلمون ، تجعل منى ) تواصل ( الانا بالاخرين ) بعدا عمقيا ( بدونه لا يتشخص الكائن البشرى
بما أننا ما زلنا فى طور النمو نصارع الأمية ، فالقراء قليلون ، وبالتالى وعلى الخصوص إن قراء الأبحاث الفلسفية أقل من القلة ، هكذا رأيتني في حاجة ماسة الى التواصل فأعطانى الادب وسائل لهذا التواصل أكثر مما تعطيه الفلسفة فى الفترة الحالية . ليس معنى هذا أن الادب مزدهر بالقدر الكافي ولكن على كل حال انه فى متناول القراء ) على قلتهم ( اكثر من الفلسفة ، ففي عالم تسوده الأمية ، يبقى ( الأعمش أفضل من الأعمى ( الى ان يدخل النور كل الأعين
س 7 : هل هناك ترابط بين الفن والفلسفة ؟
ج : كل ما قلناه عن الادب ينطبق على الفن
س 8 : القصة فى المغرب العربى عالجت موضوعات جانبية هل لكم ان تعطوا فكرة عن حركة القصة فى مغربنا الكبير ؟
ج : من المفيد احاله هذا السؤال على الزملاء المختصين فى ) الادب ( أو فى تاريخ الادب
س 9 : هل تجيزون اللهجة العامية فى القصة والرواية ؟
ج : أبدا . . . أبدا . .
إن اللهجات العامية خصم عنيف وخطير على لغتنا ، بل إن لغتنا العربية كانت وما زالت ، سخية لها ، فمن الاجرام أن يترك العابثون يتآمرون سرا وعلانية ، على شخصيتنا أى على أسسها ، على اللغة !
فلنبسط العربية ما استطعنا ، لنستعمل الاسلوب السلس ، دون نبش القواميس لبعث الالفاظ المهجورة ولنوحد المصطلحات . . و . . فلا معارضة في ذلك لكن العربية أولا وأخيرا . . .
نلاحظ بكل حسرة وأسف ، انه لم يبق رابط ) باستثناء الآلام المشتركة والتخلف ( يجمع شمل العالم العربي الا اللغة : لا اقتصاد موحد ولا سياسة خارجية منسقة . . . اما الانظمة الداخلية فمتوازية بعضها يشرق وبعضها يغرب اختلطت علينا الدروب ، وصمت الاذان بالكلام الفضفاض المتناقض ، لا أحد يفهم الآخر ومن هذه الحال يريد بعضهم أن نزيد فى الطين بلة فنقضى على
العامل المشترك الاخير الذي تبقى لنا والذى اذا أحييناه أحيانا أيريدون أن نفصم عروبتنا ، أن يفت فى الوحدة العربية
لغتنا صعبة ، هذا واقع حق !
لغتنا في حاجة الى تسهيل وتكييف هذا أيضا واقع مسلم به ! ولكن اللغة العربية وحدها دونما شريك ، هى ما يجعل المصرى والسعودي والكويتى يشعرون في أعمق أعماقهم ، أن بينهم وحدة وأخوة ، يريد المتآمرون أن يكسروا هذه ) الوحدة ( ليصيحوا " قضى الأمر " لا أبدا . . الطوفان لكل العاميات . .
" إني بكل صراحة أفضل الاستماع الى حديث بلغة حية أجنبية على الاستماع اليه باللهجة اللبنانية أو العراقية أو المغربية مثلا .
أحب أبا القاسم الشابي والفيتورى لا لأن الاول تونسى والثانى سودانى ، ولكن لأن شعرهما عربي أتواصل معه كما يتواصل معه التونسيون والسودانيون ، أحب نجيب محفوظ لا لأنه مصرى ، بل لكونه يكتب بالعربية أى من أجلى ، أنا المغربي كما يكتب من أجل المصريين ، إنى لا أجد أية متعة فنية فى الشعر العامي المغربي ولا أحس بأية رابطة تجمعني بالشعراء ) الدارجيين الذين احترفوا العامية في بلاد ولو كانت بلهجة ) فاس ( مسقط رأسى
نضيف بهذه المناسبة : هل العامية لغة
انها لهجة ، واللهجات لم تختلف لتكون روافد فن وأدب وثقافة اللغات تحيا وتحيى ، تأخذ وتعطي لانها فى صيرورة : تهب أغنى دقة لبلورة المفاهيم والعواطف ولا تغنى وبقدر ما تهب تزداد قوة ومناعة ، تعطى ولا تبخل ، اما اللهجات العامية فليست للوسق وانما لاستهلاك محلى . . . على نطاق ضيق تزن الاشياء بميزان سوق الخضر والسلع بالجملة ، بالقناطير . . . أما اللغة فهي وحدها التى تستطيع تعابيرها الهامسة أن تزن الرمشة والغمزة ومختلف انواع الابتسام التى تغير الاكوان ، وهي دون ثقل العامية للنكتة العابرة الباردة ، والاسفاف الفني والكلام المعاد أى للغو اليومي ولتفجير الحناجر ، لقد حرمت على بيتي دخول الاسطوانات بالعامية . ولو كانت لأم كلثوم ، كما تشمئز نفسي من مشاهدة الافلام بالدارجة ، وهذا أضعف الايمان " .
استمعوا الى من فضلكم الى هذه الجملة " كيلو خبزو ، بالزربه ، رانى غادي نشرى خبيز وكفته من عند لكويحي
هذا انموذج من عامية المغرب اخترناه من كلام الصفوة ، أفهمتموه ! طبعا لا فلا بد من ترجمته اذا
نقطة أخرى لنفرض أن العالم العربى يقبل وأد لغته لتتبوأ مكانها العامية فأية عامية ستعمنا فتعمينا . . لا بلد من البلدان العربية سيقبل التخلى عن عاميته ليتخذ عامية أجنبية . فمن سيطرب بشعر سعيد عقل مثلا لو نظم بالعامية ، فليس أمامه الا الاقلية اللبنانية . . .
والآن نقطة أخيرة : إن للعامية ) أية عامية ( لهجات فلهجة عامية شمال المغرب مثلا لا يفهمها بسهولة سكان الجنوب المغربى والعكس صحيح . . . بل هناك أفظع من ذلك فى الداخل ، لهجة الجنوب المغربي نجد فيها بعض التباين من ناحية لأخرى مثال ذلك فى ) فاس ( يسمى البرتقال ب ) اللبتشين ( ويطلق لفظ الليمون على ( citron بينما اهل الرباط يسمون البرتقال ب ) بالليم ( ويجعلون الحامض في مقابل : ( le citron
س 10 : كثر الحديث حول العامية والفصحى والتعريب وبصفتكم تجربون ذلك ولكم مسؤولية تاريخية فى كل ذلك هل لديكم اراء فى الموضوع ؟
ج : بقيت لكم علينا قضية التعريب ، نرى أن لا محل لها من الاعراب الآن لأن الحديث طال فلنتركها الى فرصة أخرى بحول الله ومن هنا الى ذلك الحين قد يكون القوم قد اختاروا بين العربية وبين العامية " العاميات على اختلاف لهجاتها . . . "
وفي الختام نؤكد ان الكتابة ، وبصفة عامة الثقافة صراع كالحياة وان الالتزام بجعلها حياة من اجل الذات ومن اجل الآخرين ، طبعا الالتزام لا يبرر رداءة المضمون والاسفاف الفنى
دور المثقف أن يعين جميع الناس أو يحاول ، على أن يخرجوا من فوضى القلب والفكر وهو ينير السبل لهم وله بهم ومعهم ، ان كل تعبير يبرز فتيلا مشعولا ) كلما تلاحم الهدف بالشكل الفنى الذى يقتضيه الوضع ( .
قلت فى بداية الاستجواب انى لست ) أديبا ( اصطلاحا لكن المهم ليس فى معرفة تقنية اللعبة التى تسمى - قصة - أو - رواية - أو شعرا - بقدر ما هو
فى الجو الماورائى الذى تخلقه حولها وفيما تتركه من اصداء فى وعى الآخرين ! الفن كالفلسفة مغامرة من اجل التواصل والمشاركة . . بهذه الاهداف يصل التامل الفلسفى ، كما تصل اللعبة الفنية الى الشمول أو ( العالمية ( حيث تتأطر زمانيا ومكانيا قبل أن ترتفع فوق الزمان والمكان
الكاتب انسان يغنى انسانيته بعمله المبدع ويعين الآخرين على أن يستأنسوا داخل هذا الكون الغفل ومهمه الكاتب والفنان هى أن يعملا على اخراج الكون من صممه وبكمه ، انها عملية استيعاب وافصاح لا اكثر ولكن على مستوى الشمول ، يسعى الكاتب والمفكر والفنان والعالم ، الى اكتمال تجارب الانسانية والى الاسهام فى الحركة الكونية التى لا تنتهى . . من هنا كان الحديث عن الفلسفة وعن الأدب هو ايضا لا ينتهى . بيد أن الوقت يلزمنا أن ننهى الاستجواب بعد إبداء ملاحظة صغيرة .
طالما تساءلت هل قضى على العالم العربى ، قدر غاشم فى اللوح المحفوظ - أن نبقى ببغائيين - اما نقتبس من الخارج ما لا تستسيغه ذهنيتنا وإما نجتر الماضى بفضائله ومساويه لأنه ماضينا
كاد مثل هذا التساؤل أن يرمى بى فى أحضان التشاؤم لولا أن المثقفين العرب ) المثقفين الحقيقيين ( اصبحوا ملتزمين وأمسى عددهم فى نمو يبعث ، والحمد لله على التفاؤل ، فقد أدركوا من أين يجب أن يبدأ الصراع ضد التخلف وكيف يسكتون الكلام الكثير ليبنوا الجسور للاعمال الكبيرة . . انهم من أولى الالباب الذين يعنون أنه اذا مس طائفة من أمتهم طائف من الشيطان شيطان الطيش أو شيطان الكسل والجمود " تذكروا فاذا هم مبصرون لربهم ملتزمون بتغيير ما بأنفسنا من فوضى وتخلف خلقي ليتغير ما بنا من نخلف ثقافى وحضارى : واذا نحن مبصرون ، واذا نحن فى فترة الاستحمام بتوفيق من الله وحسن البينات وعزم الارادات الطيبة

