الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

حوار كتاب (( منزل تميم عاصمة الدخلة ))

Share

طلعت علينا (( الأخلاء )) فى شهر ديسمبر 1984 بكتاب جديد عنوانه : (( منزل تميم عاصمة الدخلة )) من تأليف الدكتور : جلول عزونه .

وهذا الكتاب بالنسبة (( للأخلاء )) يمثل المولود التاسع والاربعين ، ولكنه مولود يختلف عن سابقيه لما له من أهمية لنا وللاجيال القادمة .

ظهر هذا الكتاب فى مائتين واثنتين وسبعين صفحة من الحجم الظريف وقد بذل الدكتور حلول عزونه مجهودا كبيرا يشكر عليه فى البحث والتنقيب والاستكشاف وذلك بالنظر الى المراجع والمصادر والمخطوطات التى اعتمدها لاستيقاء المعلومات الصحيحة والى كل ما يتعلق بمدينة منزل تميم . . فجاء الكتاب غنيا وشافيا لكل باحث متعطش لمعرفة كل ما يتعلق بمنزل تميم فى ماضيها وحاضرها ، هذه الجوهرة الساطعة الرابضة فى قلب الدخلة . . وما أسماء المراجع والمصادر التى جاءت تذيل صفحات هذا الكتاب الا دليل على ضخامة المجهود الذى بذله الدكتور فى تقصى كل صغيرة وكبيرة عن نشأة منزل تميم وتطورها الديمغرافى والاجتماعى ودورها الاقتصادى والثقافى والسياسى والعسكرى ، وفى اعتقادى أن ذلك لابد منه لنجاح أية دراسة تاريخية وخاصة                                                                                 989                                         117

ان كانت بهذا الحجم الذى لم يهمل أى جانب من جوانب الحياة قديما أو حديثا فى منزل تميم . .

اعتمد الدكتور فى دراسته لبعض الجوانب التاريخية الرواية الشفوية أحيانا محاولا الوصول الى اثبات أن منزل تميم مركز تجارى وبشرى موغل فى القدم .

ويكثر أحيانا من سرد الروايات . . فيعود ويتراجع ليعلن : ( . . ولكنى أتقدم بهذه المعلومات الى أن يقع التثبت منها أو من نقصها . . ) (1) . والحق يقال : إن استطراداته تلك لم تكن مملة وانما كانت شيقة ، وشيقة للغاية إذ هى أضفت على الدراسة نكهة أخرى ، وأحيانا أجد نفسى مع الدكتور وأنا أكاد أهتف به : (( أجل هذا صحيح! ))  وليت كل المؤرخين يخرجون فى دراستهم ولو قليلا عن الروايات المكتوبة أو المخطوطة الى الروايات الشفوية وذلك دفعا للضجر ولثقل زحمة المعلومات التاريخية على النفس . .  ومن أدرانا أن كل أحداث التاريخ صحيحة وغير قابلة للنقاش ؟ والحال أن بعضها كتب لغاية فى نفس المؤرخ ، وبعضها كتب لارضاء فئة معينة فى المجتمع ، وبعضها الآخر كتب خدمة لهذا أو ذاك !! وعلى كل حال فقد استطاع الدكتور جلول عزونه أن يجمع فى كتابه هذا بين الرواية الشفوية غير المملة والملاحظات الشخصية والدراسة العلمية المعمقة والمعتمدة على الوثائق والمخطوطات مما جعله فى آخر الامر يقدم لنا دراسة مفيدة جدا تروى عطش الباحثين عن حقيقة منزل تميم بل الدخلة كلها ، ولعل هذا الكتاب يكون حافزا لشبابنا لمزيد البحث والاطلاع على ماضيهم لأنه ـــ بما احتوى عليه ـــ يكون لهم مادة ثرية ذات بال . .

وأود هنا أن أضيف بعض الخواطر أوحت بها إلي هذه الدراسة وأرجو من الأخ الدكتور جلول عزونه ان يتقبل ذلك بصدر رحب كما عهدناه .

1) الجانب المعرفى والثقافى بمنزل تميم :

منزل تميم كانت ولا تزال منارة الوطن القبلى فى المعرفة والثقافة والمتعارف عند التونسيين منذ القدم اذا قيل : (( دخلة المعاوين )) يتبادر الى الاذهان (( منزل تميم )) وذلك لما عرفت به من كثرة الطلبة الوافدين عليها من كل جهات البلاد التونسية بل ومن الجزائر والمغرب وليبيا أيضا لحفظ القرآن الكريم ، ثم لمواصلة التعلم بعد ذلك فى جامع الزيتونة . . ولا أبالغ اذا قلت : ان أغلب القضاة ورجالات الفكر الذين ظهروا على ساحة الوطن القبلى تعلموا كثيرا أو قليلا بمنزل تميم . .  وكان لتحمس رجلات المعرفة والفكر بمنزل تميم أن ظهر

الفرع الزيتونى بها تلك المنارة الاولى التى عملت على انارة كامل جهة الوطن القبلى وبعث الوعى بها ، والمتخرجون منها لا يدخلون تحت حصر ، وكان من بينهم الفقيه الورع والكاتب والعالم والشاعر والأديب المنشئى الخ . . ومعظم رجالات التربية والتعليم واغلب الحكام والقضاة وحتى ضباط الشرطة المتواجدون على ساحة الوطن القبلى حاليا معظمهم من خريجى الفرع الزيتونى بمنزل تميم أو من معهدها الثانوى الذى هو أول معهد ثانوى بالدخلة بلا منازع ، وقد حل مكان الفرع الزيتونى بعد اصلاح التعليم الثانوى بتونس وتوحيده وبه درس المعلم والاستاذ والدكتور ، أقول هذا ـــ بقطع النظر عمن أحيلوا على المعاش ـــ ودليلى على ذلك احصائية رجال التعليم التى قامت بها اللجنة الثقافية المحلية بحمام الغزاز .

2) الجانب الاقتصادى لمدينة منزل تميم :

منزل تميم كانت ومازالت تمثل مركزا اقتصاديا هاما فى الدخلة وذلك للاسباب التالية :

1) كانت مركزا لاستقطاب سكان الدخلة كلها وذلك لحاجتهم الاكيدة اما للخليفة او للكاهية أو للقباضة المالية أو للتداوى فى المستشفى أو لبعض الادارات الاخرى أو لقضاء بعض شؤونهم من سوقها الاسبوعية أو للتعلم فى فرعها الزيتونى . .

2) لمنزل تميم موقع جغرافى هام بالنسبة لرقعة الدخلة فهى تقع بالقرب من شاطىء البحر ، ما بين قليبية وقربة ، وموقعها هذا بوأها مكانة مرموقة بين قرى ومدن الوطن القبلى ، فالمسافة التى تفصل بينها وبين الهوارية آخر نقطة فى شمال الدخلة تكاد تكون نفس المسافة التى تفصل بينها وبين قربة التى تعتبر آخر منطقة فى جنوب الدخلة ، وبالتالى ونتيجة لذلك فهى تقع فى وسط وفى قلب الدخلة مما ساعدها على النهوض باقتصادها أكثر وعلى مساعدتها فى الرفع من اقتصاد جارتيها قربة وقليبية وبقية قرى الوطن القبلى والدخلة عموما كما عمل موقعها الجغرافى الممتاز على أن جعل منها عاصمة للدخلة وبالتالى قلبها النابض . وما ذلك الا واقع معيش وليس من باب الدعاية السياحية او المبالغة

3) منزل تميم تمسح أراضى شاسعة وخصبة وقد عرف سكانها منذ القديم بتفانيهم فى العمل الفلاحى ، فهم يتنافسون فى الانتاج الفلاحى ، ولم لا يتنافسون وصفقات البيع والشراء تتم أمام منازلهم كل يوم ثلاثاء ؟

ولهذه الاسباب فان بلديتها تعتبر من أغنى البلديات فى الجمهورية التونسية على الاطلاق اذا ما قيست بالبلديات التى فى مستواها ولذلك فانها كانت لوقت

غير بعيد ممولة لبعض البلديات المجاورة لها ، وأذكر هنا أن بلدية حمام الغزاز استعانت بها مرارا ومازالت بلدية منزل تميم تمد يد المساعدة ماديا وأدبيا كلما اقتضى الحال ـــ فتحية للمجلس البلدى التميمى على روح العطاء والبذل . . .

وهنا أريد أن أشير الى الرابطة القوية الضاربة فى القدم والتى ما تزال تربط حمام الغزاز بمدينة منزل تميم ، فلقد كان أجدادنا يعملون معا فى ميدان التجارة لتغذية العاصمة بالبيض والدواجن والتوابل والفهواكه والغلال ، اذ كانوا يسافرون على ظهور الخيل الى تونس العاصمة وطريقهم فى ذلك ـــ ثنية الوسط ـــ وهى طريق جبل سيدى عبد الرحمان الجديدة حاليا ، والبراكة التى كانوا يستريحون فيها من عناء السفر ما زالت آثارها قائمة الى حد الآن حذو الغابة على يمين المسافر الى تونس ما بين قرية الرحمة واكبر مرتفع قبل الاشراف على سهل سليمان ، وكانوا يسافرون جماعات لأنهم يخشون هجمات قطاع الطرق وهؤلاء لعلهم من أصل أولاد امحمد ! وهذه السفرات التجارية القديمة دليل آخر على أهمية مركز منزل تميم التجارى قديما فضلا على ما عرفت به حاليا سوقها من رواج وأهمية بالغة التأثير على كل مدن المنطقة بلا استثناء ومن ذلك نذكر ـــ على سبيل المثال السوق التى ظلت تقام يوم الجمعة بقليبية سنوات عديدة دون أن يحدث لها من التوسع التجارى الذى ترجوه لذلك رأيناها فى السنوات الاخيرة تتحول من يوم الجمعة الى يوم الاثنين اليوم المتاخم لسوق منزل تميم يوم الثلاثاء وذلك لاغراء التجار الوافدين لسوقها يوم الثلاثاء بالتوغل داخل الدخلة الى سوق قليبية يوم الاثنين وبذلك يكونون قد أصابوا سوقين بسفرة واحدة . وهذا وجه من أوجه التدعيم الاقتصادى من طرف منزل تميم لكل ما حولها من المدن .

3 ) الجانب السياسى بعاصمة الدخلة منزل تميم :

تمثل منزل تميم بحق مدرسة حزبية بورقيبية متميزة .

وقد عرف الانسان التميمى بأنه لا يرضى بالذل والعبودية ولا ينام على ضيم ولا تحول العوائق دون تحقيق ما تعلقت به همته من أهداف نبيلة . كما عرف بأنه سباق لنصرة الحق ، وهو الى جانب ذلك شهم ، كريم ، شجاع ولنا أمثلة كثيرة على ذلك وعندنا فى حمام الغزاز رجال مازالوا على قيد الحياة من بينهم الاخوين : حسن القربى وعبد السلام القربى ممن تطوعوا ضمن جماعة كثيرة العدد من منزل تميم للثورة فى فلسطين من بينهم الأخ : عبد القادر التبر وذلك سنتى 47 - 1948 992                                                120

واى مدينة بالوطن القبلى قبلها سارع سكانها الى بعث شعبة دستورية بها سنة 1933 أى فى نفس السنة التى انعقد فيها مؤتمر الحزب الحر الدستورى التونسى بنهج الجبل بالعاصمة تونس . . !؟

ومن من التونسيين لم يسمع بشيخنا المناضل الحاج البشير بن فضل ـــ اطال الله فى عمره ـــ والذى كان سباقا وداعيا المجاهد الاكبر الزعيم الحبيب بورقيبة لعقد مؤتمر الحزب الحر الدستورى التونسى بقصر هلال ؟

والحق يقال : ان الثورة التحريرية المسلحة بالوطن القبلى كانت تأتمر بأوامر قادة منزل تميم ، وأذكر هنا أن مظاهرة 25 جانفى التى انطلقت من حمام الغزاز للهجوم على مركزى الجندرمة والبوليس بقليبية سنة 1952 ما كانت لتتم لو لم تسبقها تعليمات واردة من قادة منزل تميم لرجال الثورة بحمام الغزاز ، كما أذكر كذلك أن لقادة ولرجالات السياسية بمنزل تميم اليد الطولى فى الهجوم على ما عرف بعصابة اليد الحمراء والقضاء عليها بالتعاون مع ثوار حمام الغزاز فى وادى القصب قرب الغزاز

واذكر كذلك ان شيخنا المرحوم سليمان بن قاسم بن حمودة مؤسس أول شعبة دستورية بحمام الغزاز سنة 1937 كانت له اتصالات مكثفة بقادة الحزب آنذاك بمنزل تميم وأخص بالذكر منهم الشيخ الفاضل : الحاج البشير بن فضل وكان مكتب عمله بها مدة من الزمن بل وكان متزوجا من إحدى نسائها أيضا . وانى مهما جاولت أن آتى على كل الأنشطة الحزبية لرجالات الحزب بمنزل تميم ما استطعت ويكفى ان أقول : ان مدينة منزل تميم أصبحت قلعة للثوار أيام الثورة التحريرية المباركة وأن مساكن التلاميذ الذين كانوا يزاولون تعلمهم بالفرع الزيتونى بمنزل تميم آنذاك أصبحت مخابئى لسلاح المقاومين وملاجئى لهم . . !

ولذلك فاننا لا نعجب اذا ما رأينا أهالى حمام الغزاز يشعرون بميل الى منزل تميم اكثر من ميلهم الى أية جهة أخرى ، وانى لا أبالغ اذا قلت بأننا نتفق مع أهالى منزل تميم فى كثير من العادات وخاصة فى أسلوب التخاطب والعيش . .  والغريب فعلا أن الدكتور جلول عزونه تحدث فى سياق حديثه عن العهد البونيقى عن أغلب البلدان والقرى والارياف المتواجدة بجهة الرأس الطبيب حول مدينة منزل تميم ولم يشر الى حمام الغزاز ولو اشارة عابرة الا فى تعليقه على الكلمة التالية (Aguzzio) صفحة 116 وسأفرد لذلك التعليق مقالا لاحقا ـــ ان شاء الله تعالى ـــ مع العلم أن هناك رواية تناقلها الاحفاد عن الاجداد تقول : ان (( أڤاتو كل ))  الذى نزل بالقرب من الهوارية سنة 310 ق م أو سنة 311 ق م بجيشه وزحف على مدينة كركوان وعلى مدينة (( تينس البيضاء )) التى                                         121                                                                                            993

قد تكون هى تميم الآن وكانت آخر معركة له مع متساكنى مدن ساحل الوطن القبلى بسهل قرب حمام الغزاز وهو يدعى الآن ب ( المڤيتله ) والسؤال الذى يفرض نفسه ، لماذا أهمل الدكتور عزونه حمام الغزاز ولم يشر اليها فى كتابه بالرغم من أن لها وشائج قربى وعلاقات قديمة ومتينة ومتجددة بالمدينة الام منزل تميم ؟

وازدادت دهشتى أكثر لما وجدته يفرد فصلا كاملا عن بعض اللآثار تحت عنوان (( منزل تميم فى عصور ما قبل التاريخ ))  وقد تحدث باسهاب عن الاماكن التى توجد بها ( الخلاوى أو المغارات أو الكهوف ) ولم أجد أيه اشارة للمغارات الموجودة فى وادى (( هنشير حارورى )) جنوب وادى الخطف والتى على ما أظن نادرة الشكل وقد اتخذت مخابئى وملاجئى لبعض عائلات الغزاز فى الحرب العالمية الثانية . . كما أننى لم أجد ولو لفتة واحدة للكهوف الموجودة بكثرة فى ( الحويله ) بهنشير الفرش مع الملاحظة أن الساحل الشمالى للرأس الطيب وبالتحديد فى منطقة بئر الجدى توجد آثار مازال بعضها قائما فى حاجة الى الدراسة ـــ ومن باب الاعلام فقد عثر مكسرو الحجارة فى مقطع جنوب الغزاز على خلاو وكهوف عجيبة . .

وبودى هنا أن يعمل رجال الفكر مستقبلا فى منزل تميم أو حتى فى بقية الجهة على تناول كتاب الدكتور جلول عزونه ( منزل تميم عاصمة الدخلة ) بالتحليل عنصرا عنصرا ولو فى شكل محاضرات أو مسامرات حتى يتعرف الجيل الصاعد على الجهود التى بذلت من طرف أجدادهم وآبائهم والتى خلقت من مدينتهم منزل تميم عاصمة للدخلة ومنارة لها . .

وباختصار فان مدينة منزل تميم أو (( تينس البيضاء )) تعيش فى أعماق كل مواطنى الدخلة ، وتشدهم الى الماضى البعيد بمؤسساتها وبناءاتها ، وبمعالم  أوليائها ، وبآثارها الناطقة بامجاد الماضى ، كما تهز مشاعرهم لحظة الحاضر بكل زهو وخيلاء برجالاتها ومفكريها ، وهى تحتضن كل جديد متجدد ، وتواجه المستقبل فى تحد بمشاريعها العملاقة وبطاقاتها الخلاقة وبكل مرافق الحياة العصرية .

وأخيرا أرفع تحية اكبار وتقدير للدكتور جلول عزونه على هذا المجهود الطيب والذى جاء بمثابة مصباح ينير لنا بعض الجوانب التاريخية عن مدينة مدائن الدخلة ، ولعل كتابه هذا يكون سببا فى ايقاظ بعض المفكرين والمؤرخين بالخصوص فى بعض الولايات الاخرى لينسجوا على منواله .

وتحية ثانية . . تحية حارة للأخلاء التى ما انفكت تتحفنا وتطلع علينا كل يوم بوجه أكثرا أشراقا . .

اشترك في نشرتنا البريدية