الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

حوار مع الحليوي

Share

لم آسف على شئ فاتني قدر أسفي على أن الفرصة لم تتح لى ابان زيارتى لتونس ضيفا على وزارة الثقافة التونسية لكى التقى بالشاعر الكاتب المفكر الاستاذ محمد الحليوى .

والحليوى بقية صالحة من الجيل البانى للادب التونسى الحديث ، وحوارى من حواريى شاعر تونس الخالد أبو القاسم الشابى

وكنت أدخر له بعض الاسئلة والمحاورات والعتاب على أثر قراءتى لرسائل الشابى ، التى أعدها اعدادا بارعا ، وأضفى عليها من لمساته الرقيقة ما قربها للقارئ ، وجعلها حلقة رائعة فى سلسلة مكتبة الشابي التى تصدرها دار المغرب العربى

وكنت على قيد خطوات من الحليوى فى مدينة القيروان وأنا لا أعلم أنها مقر اقامته الدائمة ، ولا أدرى لماذا تعجلت العودة الى مدينة تونس فى نفس اليوم ، وكأننى أحسست بالغربة فى القيروان فسارعت الى تونس واستسهلت أن أقضى ساعات فى السيارة فى ظلمة الليل ، وفضلتها على قضاء ليلتى فى القيروان ، وبهذا ضاعت على فرصة لقاء الحليوى من حيث لا ادرى ، وفاتتنى فرصة الحوار مع الحليوى ، ومبادلته بعض الرأى وبعض العتاب

وما دام المحور الذى استقطب هذه التساؤلات والمحاورات التى ثارت بيني وبين نفسى هو رسائل الشابى فلا بأس أن نتصفحها معا ، تصفحا عابرا لنرى أى يد قدمها الحليوى حين قدم لنا هذا الجانب الرائع والخطير من حياة الشابي

فمن مظاهر الجد لدى مؤرخي الشابى المعاصرين له أنهم حريصون على أن يضعوا المصادر الاصيلة لهذا التاريخ ، حتى يكون تاريخا قائما على الاسس العلمية المعتبرة

ومن حسن الحظ بالنسبة لتاريخ الادب المعاصر أن أصدقاء الشابى وزملاءه قد احتفظوا بكل نبضات تاريخه حية دافئة حتى اليوم ، وما يزالون يبرزون الجديد من دقائق حياته التى لم نجد لها مثيلا فى حياة أدباء العصر ، كلما لم نجد مثيلا لاهتمام هؤلاء الحواريين بين نقاد الادب ومؤرخيه

لقد ساعدهم على هذا قصر حياة الشابى ، ولمعانه فى وقت مبكر ، والتفاف هؤلاء المؤمنين بعبقريته من حوله التفافا ساعدهم على تقصى دقائق هذه الحياة

واذا كانت الحياة قد قست على الشابي قسوتها المنكرة ، فاصابته بالاكتئاب والامراض ، ثم اختطفه الموت فى ريعان الشباب فان تاريخ الادب المعاصر كان حفيا به ، ساعيا لرد اعتباره ، وكانه يعتذر لذكراه عما لاقاه من عنت الحياة وضرائها .

ومن بين الذين قاسموا الشابى بأساء الحياة ومسراتها محمد الحليوى الذي تعرف عليه فى وقت مبكر من حياته ، ثم جرت بينهما مراسلات متبادلة ومتصلة على مدى خمس سنوات من منتصف عام 1929 الى منتصف عام 1934 وهى أخصب فترات حياة الشابى التى أصدر فيها كتابه " الخيال الشعرى عند العرب ، ونشر معظم شعره ، وجمعه وأعده لينشر فى ديوان

فى هذه المجموعة يعرض الحليوى أربعا وثلاثين رسالة وجهها اليه الشابى ، كما سجل ردوده عليها فى أربعين رسالة ، واستكمالا للصورة أضاف اليها عشرين رسالة وجهها اليه صديق الطرفين محمد عبد الخالق البشروش ، وهو ثالث الثلاثة الذى قضى بصحبة الشابى أطول فترة ، وكانت رسائله الى الحليوى تنقل أخبار الشابى وآراءه وصورة من نبضات حياته .

ولقد تنقل الشابى خلال هذه الفترة بين تونس ، وتوزر ، وزغوان ، وعين دراهم ، وحامة ، واريانة ، زائرا ، ومستشفيا ، كما تنقل الحليوى بين القيروان ، وبني خلاد ، وسوسة ، وقربة ، ونابل ، معلما فى مدارسها وكانت رسائل البشروش تطير من نفطة ، ومن دار شعبان ، ومن نابل الى الحليوى اينما كان

ولم تكن موضوعات هذه الرسائل قاصرة على الشؤون الشخصية فحسب بل كانت ادبية علمية اجتماعية ، تدور حول شؤون الثقافة ، والصحافة والكتب ، والنهضة الادبية فى تونس بشكل عام .

ولا تقتصر هذه الرسائل على أطراف الثالوث ، بل انها تشير الى أن الشابى قد راسل كثيرا من الشخصيات فى تونس ومصر ، ومن أشهر من راسلهم الشابى الدكتور أحمد زكى أبو شادى صاحب أبولو ، والزيات صاحب الرسالة ، والدكتور محمد حسين هيكل راعي السياسة الاسبوعية ودارت بينه وبين بعضهم محاورات أدبية ، وكتب بقلمه مقدمة ديوان الينبوع لابى شادى وهو ما يزال فى هذه السن المبكرة ، وعرض أبو شادى على الشابي أن تنشر دار أبولو ديوانه " أغاني الحياة "

وهذه الرسائل تكشف عن دقائق حياة الشابي ، ومزاجه الخاص ، وآرائه فى الحياة والمجتمع والناس ، كما تعبر عن آلامه وآماله وطموحه ، وتتابع تطور حياته الفنية كما يحسها ، وتشير الى المؤثرات العميقة فى أدبه وشعره ومسلكه الخاص ، وتصور البيئة التى تحتويه ، والكتب التى يقرؤها والصحف التى يرسل اليها شعره ، ورأيه فيها وفي أصحابها وتياراتها ، وهى بكل ذلك تضع فى يد مؤرخى الشابى ودارسي فنه وثيقة تاريخية هامة

ومع أن هذه الرسائل - كما يقول جامعها - " رسائل شخصية تتناول مشاعر صديقين يتحدثان بكل حرية فى مسائل أدبية ، وعن اشخاص مختلفين من الوسط الذى كانا يعيشان فيه ، ويتبادلان عواطف ذاتية متباينة ، تتدرج من المحبة الخالصة والاعجاب المطلق ، الى العتاب واللوم والتعنيف بالرغم من أن جامع الرسائل يقول ذلك الا أن هذه الرسائل تتناول قضايا أدبية هامة ، ومحاورات حول الادب والادباء ، وتضيف حقائق ومعلومات حرة عن التيارات والشخصيات الادبية والفكرية فى العالم العربي عامة ، وفي تونس ومصر بصفة خاصة .

كما بدت فى هذه الرسائل ظواهر جديرة بالتسجيل :

أولاها : أن المتراسلين أرادا أن تكون رسائلهما أسلوبا للتراسل ، يشبه ما كان بين كبار أدباء الغرب ، فتعمدا أن يجعلاها كذلك ، وقدرا أن تنشر يوما ما ، فتحدث نفس الاثر الذى أحدثته الرسائل المتبادلة بين لامرتين وسانت بيف ، خاصة وان الحليوى كان يشبه الشابى بلامرتين ، ويقول له : " أنت لامرتين العرب " ، ويضع نفسه منه بمنزلة سانت بيف - كما جاء فى رده على الرسالة السابعة والعشرين

ثانيتها : يقترح الشابي في حاشية رسالته الحادية عشرة اتخاذ موضوع ادبى يصلح للحوار ، ويكون محورا للتراسل ، يتجاذب فيه الصديقان اطراف الحديث حتى تظل الصداقة حية ، ويظل غذاؤها روحيا جميلا ، ويؤيد ذلك الحليوى في رده على الرسالة الثانية والعشرين ، ولكن هل حدث ذلك فعلا : لقد شغلتهما اهتمامات الحياة وهمومها عن ذلك ، فظلت رسائلهما خليطا من المسائل العامة والمسائل الشخصية معا دون تحديد

ثالثتها : طرح الشابي في رسالته الحادية والعشرين اقتراحا بتاسيس مشروع مشترك بين الاصدقاء الثلاثة - الشابى ، والحليوى ، والبشروش - للنهوض بالادب ، وبذر نواة الحياة الادبية فى تونس ، وذلك بان يضع كل منهم مقدارا من المال بأحد البنوك أو مكاتب البريد ، وما يتجمع من الاصل والفائدة يكون تحت طلب من يريد من المؤسسين أن يطبع كتابا ، ويعتبر ذلك قرضا يرده فيما بعد . وقد عارض الحليوى هذا المشروع لتوقع عدم نجاحه واقترح بدلا منه الانضمام الى جمعية التأليف والنشر المزمع انشاؤها بتونس

وبالاضافة إلى ذلك تنطرح قراءات الشابي ومشروعاته على مراة هذه الرسائل فى حرية وصدق ، فمنها نتبين جملة قراءاته ، وهى فى الغالب قراءات عادية يمارسها الناشئة من الادباء ، فقد قرأ للعقاد ، وعلى الاخص كتب الفصول ، والمطالعات ، وساعات بين الكتب ، وديوان وحي الاربعين وقرأ للمازنى حصار الهشيم ، ولميخائيل نعيمة كتاب الغربال ، ولجبران كتابى العواصف ، والاجنحة المتكسرة ، وقد أغراه هذا بالعودة الى المعرى وابن الرومي ، وابن الفارض ، وابن عربى ، كما قاده الى قراءة الادب الرومانتيكى في نماذجه المترجمة عن الفرنسية ، كذلك قرأ شعر أبى شادى ونقد الرافعى ، وفصول الزيات ، وبعض كتب طه حسين ومقالاته التى كان ينشرها في الرسالة ، وفصول هيكل فى السياسة الاسبوعية ، وبعض كتب أحمد أمين

ومن خلال هذه الرسائل نتابع نشاط الشابى ، فهى تخبر عن عزمه على تكوين ناد أدبي في بلده توزر، وعن المكاتبات المتبادلة بينه وبين أعلام المفكرين المعاصرين من أمثال أبى شادى ، والمفاوضات التى جرت بينهما حين حين عرض أبو شادى على الشابى أن يجمع ديوانه ويعده ليطبع فى مصر باشراف أبي شادى ، وعن عزمه فى وقت من الاوقات ان يمول طبع ديوانه عن طريق الاشتراكات المقدمة ، كما نحس فى هذه الرسائل بنبض آلام المرض ،

ومعاناته وهو يعيد نسخ ديوانه وتنقيحه واعداده للطبع ، وكيف كان حزنه عميقا على ضياع اصول الديوان فى البريد ، الامر الذى أوقعه فى ازمة نفسية عنيفة لم تنفرج الا بعد عثوره على هذه الاصول .

وقد بدأت تاوهاته وشكواه من المرض فى رسالته الثالثة عشرة في مايو 1932 ، ثم توالت الشكوى من العلة التى أخذت تشتد عليه ، وتضطره إلى كثرة الاسفار هنا وهناك بناء على نصائح الاطباء .

ومن السمات الغالبة على هذه الرسائل أن يضيف اليها الشابي ملحقا ، او ملحوظة ، أو حاشية ، أو هامشا ليستدرك به شيئا خاصا أو عاما ، يبدو انه نسي أن يذكره فى صلب الرسالة ، أو يريد أن يؤكد عليه ، وقد تطول هذه الحواشى احيانا حتى تستغرق صفحات بكاملها ، وأحيانا يكفيها سطر أو سطران

وكان الشابى يوقع هذه الرسائل فى الغالب باسم " بلقاسم بن محمد بن بلقاسم الشابى " ، وقليلا ما كان يوقعها باسمه المشهور " أبو القاسم الشابى " وفى الرسالة التى نعى فيها والده وقعها باسم بلقاسم ابن المنعم المرحوم محمد بن بلقاسم الشابى "

وأسلوب الرسائل أسلوب حر طلق مباشر ، متحرر من الصنعة الا فيما يسترسل فيه من خواطر ، أو شكوى الدهر والآلام ، لكنها من الأسلوب الادبى المتخير فى الصميم ، فهى قطعة رائعة من فن الشابي الذي لا يقل نثره الطلق المعبر شيئا عن مستوى شعره ، فهو كذلك مفعم بنبض الحياة كما تشيع فيه لمحات من السخرية بالحياة ، والتهكم أحيانا ، والامبالاة بازاء الالام والاوجاع ، ففيه العناد ، وفيه التحدى والأصرار .

وبعد فهل كان الدخول فى عمق رسائل الشابي استطرادا بعدنا به  عن الحوار مع الحليوى ؟ ان كان هذا فهو كذلك فى صميم الحوار لأنه دل على مدى ما اسداه الحليوى للادب المعاصر وتاريخه بجمع هذه الرسائل ونشرها ، لانها تاريخ نابض بكل عناصر الحيوية لميسرة حياة الشابى فى . الطريق القصير الى هالة الخلود

لقد استوعب الحليوى ما استطاع استيعابه من نبضات قلب الشابى فى . هذه الرسائل وهى كافية فى تصوير حياة فرد وأمة وحقبة وتراث ، وبقدر ما حرص الحليو ى على استيعاب كل رسائل الشابى فاته البعض وان يكن قليلا وهذا شئ لا حيلة له فيه ، لانه لم يتعمده ، لكن الذي تعمده هو حذف بعض الوقائع والاسماء التى رأى أنها تسئ إلى بعض ) القراء فى تونس ، وذلك بداية الحوار والعتاب .

وبهذا بدا الحليوى حواريا صادقا للشابى الذى يصدقه الرأى ، ويمحضه النصح ، ويوجه فنه وجهة الطريق الصحيح دون مجاملة أو تملق ، حتى ليمكن ان نرى فيه الزميل الواقعى الذى يضع الحدود لمطامح الشابى وتخيلاته ، كموقفه الواقعي من اقتراح تكوين جماعة النشر ، فهو يتحفظ دائما بالنسبة لتهويمات الشابى وتفاؤلاته ، وهو فى الوقت نفسه يبادله التشجيع فى الاعمال والمشروعات الادبية الجادة والواقعية ، ويؤازره في القراءة والتحرير والكتابة فى الصحف ، ويستحثه على مواصلة البحث والكتابة

كل ذلك جميل من الحليوى ومذكور ، وجدير بالتقدير وفى كل هذا يبدو الحليوى دبلوماسيا مجاملا ، وهو يعرض رسائل الشابى ، اذ يحاول تجنب بعض المواقف التى يمكن أن تسئ إلى بعض القراء ، وبالتالى تثير حول ذكرى الشابى بعض المتاعب التى تحمل الشابى الكثير منها فى حياته ، خاصة وما زال الناقمون على جراة الشابى وتجديده يتلمسون فى حياته الثغرات التى ينفذون منها الى تجريحه ، ونبش الماضي . هذه دبلوماسية مقبولة من الحليوى ، ربما كانت لها مبرراتها الاخلاقية او الاجتماعية أو السياسية ، مهما اغضبت التاريخ والفن والحقيقة ذاتها. وتلك تونسية اقليمية مجاملة مائة بالمائة

أما خارج حدود تونس فليحرق الحليوى كل سفن طارق فى اكثر من موضع من رسائل الحليوى تحامل يبلغ حد الهجوم والتشفى بالادباء المصريين ، وخاصة بالنسبة للقمم ، فى أكثر من موضع هم متهمون بالفرعونية - ان كان ذلك اتهاما فى أكثر من موضع هم متعالون متغطرسون ، وله فيهم رأى جارح يجادل به رأي الشابى ، ويحاول أن يسخر منه .

وللحليوى رأيه وعليه تبعته ، ولكن هناك - بلا شك - فرقا بين ابداء الرأى ، وبين التهجم والاتهام بالظنة بالرغم من اعترافه بالعقاد يتهمه بالتعصب للمصريين ، ويجاهر بسخطه على الشرقيين عامة وعلى المصريين بصفة مركزة ، لانهم - فيما يظن لا يعترفون للتونسيين بأية مكانة ، انه يقول عن ديوان " وحي الاربعين للعقاد : انه يعجب الفكر ، ويدعو الى التأمل والتفكير ، ولكنه لا يثير العاطفة او يحرك الشعور ، وقد ساءنى حرص العقاد على نشر كل شعره حتى الضعيف منه . . والحق ان العقاد أراد ان يكون شاعرا فكانه بالارادة لا بالإندفاع النفسى الذى لا يقهر الى قول الشعر . . وهو في نثره أجمل

بهذا الاعجاب ، وتكون النتيجة انه أكتب كاتب واشعر شاعر فى العربية فى بهذا الاعجاب ، وتكون النتيجة انه ليتب كاتب واشعر شاعر فى العربية فى العصر الحاضر

وعندما يتحدث عن أبي شادى بصدد المقدمة التى كتبها الشابى لديوان الينبوع يقول للشابى إن أبا شادى سيتخطى كل ما كتبته عن الأدب المعاصر ليرى ما كتبت عنه ، لان الرجل لا يقنع بما دون التاليه ، وانها لسنة سيئة في مصر في هذا الزمن ، فلا يكاد يكون لاحدهم بعض الشهرة او بعض العمل في سبيل الادب حتى تنتفخ اوداجه ، ويتعمل قعدة الزعماء ، ويحيط نفسه بأذناب ينفخون فى الابواق وفى كل الجهات " : " هذا زعيم مدرسة كذا وهذا شاعرنا الاكبر الذى يتلقى وحيه من السماء . . هذا شكسبير العصر يقول الحليوى ذلك وهو لم يقرأ ما كتب الشابى عن ينبوع ابى شادى يعلق على كتاب " أبو شادى فى الميزان قائلا : " ما هذا ) الأبو شادى ٠٠ ؟ . . ما هذه الحماقات ما هذا الخرف والمهاترة ؟ " :

وحينما يتحدث عن الشرق ومصر يبدو فى حديثه التجنى حين يقول : اننى اسخط وأحنق على الشرقيين عامة ، والمصريين خاصة ، اولئك الذين لا يزالون يحسبوننا من الهمج ، فلا يرون لنا أية مزيه ، ولا يعترفون لنا بآية مكانة ، ويسقطوننا من حسابهم ، كما يسقطون من حسابهم زنوج افريقيا وهنود أمريكا ، بل ولا يعرفون بالضبط حتى موقع بلادنا من افريقيا الشمالية

من قال لك هذا يا سيدى الحليوى ؟ ان رأيك فى الاشخاص وأعمالهم قد يقبل على انه وجهة نظر من حقك ان تبديها ، أما هذه التصورات القائمة على مجرد التوهم فليس لها فى اعتبار أى انسان ما يبررها ، لانها تجن صارخ وتجديف بحق الشرقيين والمصريين والتونسيين جميعا ، ولو قد قرات او سمعت أو رأيت لعلمت أن الصلة بين مصر وتونس بالذات عميقة الابعاد فى الزمان والمكان والناس ، منذ ابن خلدون ، وقبل ابن خلدون ، وفى افواج الحجاج والتجار والوافدين على الازهر ، ان التونسيين هم انشط عناصر شمال افريقيا فى التفاعل مع المصريين فى القديم ، والحديث وفى المستقبل

ثم من قال ان المصريين يجهلون موقع تونس على الخريطة ، وهم يعرفون اين موقع الحليوى نفسه من خريطة الثقافة والفكر التونسى ، وهو قد شهد حفاوة المصريين بزميله الشابي ، واستمرار هذه الحفاوة فى جيله ، ممثلا فى الفاضل بن عاشور ، وحسن حسنى عبد الوهاب ، وعثمان الكعاك ثم في أبي القاسم كرو ، والعروسي المطوى ، والشاذلى زوكار ، وليت الحليوى عاصر يوسف وهبي في جولاته الفنية بتونس ، أو بيرم التونسي

وهو يشارك شعب مصر آلامه وآماله ، أو أدرك مهرجانات قرطاج ، او حتى مؤتمر الادباء التاسع ومهرجان الشعر الحادي عشر ، وراى كيف كانت مشاعر ؟ الشرقيين والمصريين نحو تونس الشعب ، وتونس الدولة ، وتونس أبورقيبة

- ومن قال ان مصر تسقط من حسابها زنوج افريقيا وهنود امريكا انها تتعاطف مع كل هؤلاء ومع كل مظلوم حتى يسترد حقه فى الحياة ، ويغتصب حريته من جلاديه

وعندما يريد الحليوى أن يعيب مصر تجيء كلماته تمجيدا غير مقصود . ان مصر ستردمنا بكتبها ومجلاتها فلا نعود نجد مكانا نتنفس فيه الهواء او يدخل لنا منه النور . . " عجبا ! ! أليست هذه الكتب والمجلات هى مصدر النور بالنسبة للمثقف فضلا عن المفكر والشاعر

انا اشك ان ذلك هو الرأى الحقيقي للشاعر المفكر الحليوى ، واذا كان هذا هو رايه فى فورة الشباب فى منتصف العقد الثالث من هذا القرن فلا شك انه قد تغير الآن بعد التجربة والاحتكاك ، وبعد أن انصهر المشرق والمغرب فى النضال من أجل الحرية والاستقلال والتقدم ، وبعد أن رحل الاستعمار الذى كان يصور الشرقيين والمصريين بصورة التعالى والجهل والغفلة فى نظر التونسيين ، بل - للأسف - مثقفى التونسيين ، ويؤيدني الحليوى حينما يقول : ان هاته الرسائل تمثل عهد الشباب بما فيه من حماس وعفوية وتطرف

لا شك ان رأى الحليوى اليوم قد تجاوز هذا الموقف المتجنى ، ولكنها حقبة من تاريخ الادب والفكر ، ولا أقول محنته ، ومن حق التاريخ ان تسجل هذه الحقبة كما هى ، فذلك أولى بالحقيقة وأجدر بجلال التاريخ لو كنت لقيت الحليوى لهنأته على شجاعته فى تسجيل رأيه الذي مضى عليه أكثر من أربعين عاما . . فان ذلك خير

ولو لقيته لعاتبته على " حذف بعض الاسماء والوقائع " ، ولو أساءت الى بعض القراء في تونس أو غيرها لو لقيته لشددت على يده ، ولدعوت الله أن يجزيه خيرا عن عبقرية الشابى ، وعن النهضة الادبية فى تونس ، وعن مكانة تونس اليوم فى قلب كل عربي فى مشرق الامة العربية ومغربها . ولئن فاتنى لقاء الحليوى فى زيارة تونس الاولى . . . فالى لقاء قادم مع الحليوى . . وسلام عليه فى حواريى الشابي ومؤرخى عبقريته التى فرضت نفسها على الزمان وسلام على الشابى فى الخالدين

اشترك في نشرتنا البريدية