الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

حوار مع الزمن

Share

الساعة تدق . . تدق ، تشق الصمت كالنصل حزا ، تخترق الكيان تمزق الوجود .

الساعة تدق ، لا تنى تقرع القلب لطما متتابعا . واحد . اثنان . ايقاع رهيب بليد طقطقة سخيفة وقور . لغة الجند . لغة العنف تريد أن تغزو بها حرية الاطفال . . براءة الاطفال .

الالة تنتصب استاذا للانسان تلقنه فن الحياة ، تتولى رئاسة جوقة قلبه وموسيقى كيانه .

وما الحياة ؟ هل هى إلا فوضى تتلاشى ونظام يحول . هذا بتلك . جد لحظة وعبث دهر . ذرة من عقل وحفنة من جنون . وهكذا دواليك . كفرا بالبساطة والوضوح ! الفكر منعرجات ودوائر . الفكر دهاليز وكهوف ، الفكر اعماق وابعاد مغامرة وتمرد . نفي وبناء . بعث وممات . خلق يحدث في كل آن .

كل يطيقه الفكر ويهضمه ويقوى عليه . إلا الرتابة . . إلا السامة . فناوله إياها إن أردت قتله سما زعافا .

الساعة تدق . تدق . كل دقة تنسل كأنها الطائر ينفلت وبذوب عبر الفضاء صافرا مصفقا فى سخرية ماكرة .

كل دقة قطرة من فناء مدوية متجاوبة في أرجاء هذا القلب كأنه الجب العميق العميق . قطرة وراء قطرة في حساب صارم بديع ودقة قاسية رائعة

كل دقة فلذة من حياة نابضة تموت . أن تري نفسك تنعم العدم البطئ - نعم ، وتشيع نفسك بنفسك .

كل دقة وداع لا لقاء بعده . جزء يستل منك قهرا ويطوى ويمحى فورا . مصرع متكرر ، آبدا متجدد في كل لمحة . كوقوفك بالنهر تريد ان تقبض على الماء ، ان تحبس تياره الدافق . . لجه العاتم بيديك عبثا .

كل دقة ، كل نقرة تصعد بك هويا الى الفلك الدائر وتصلك حالا في لمحة الطرف بالديمومة والابد . فإذا أنت - بين هذا الخضم الهائل الكبير - ومضة توشك أن تنطفىء ، رعشة تهم بأن تفتر ، سكرة كالحلم كالسراب إلى زوال . هنة صغيرة صغيرة يعاجلها العدم اختطافا حتى لكأنها تموت قبل الميلاد .

من أنا ؟ ماذا أكون ؟ ما شأنى هنا ؟ كيف المصير ؟ ! يمكن ألا أكون فكنت . أما وقد كنت ، فما وزن كيانى وما معنى وجودى ؟ . . كريشة فى مهب الريح طائرة ، . إلا التفاهة . . إلا التفاهة . عبد صغير .

أبعدوا عني الساعة . اصرفوا عني هذه الصورة المسخ ، هذا القلب المجنون .

أبدا ناطقة حتى فى عزلتها تهذى ولا تشعر بخواء المكان . كالإنسان - سيد الخليقة - يبدئ ويعيد ، عبثا يصول ويجول ينبح بالاوامر والنواهى فى خلاء الاكوان .

الساعة تبددنى ، تفتتنى . تحولنى شظايا . وإنى لاشهد مصرع نفسي مضروبا على يدى ، نهبا لقوة تأكل إعصابى وتقترس كالوحش كيانى .

ماذا تريد منى الساعة وقد نفضت منها يدى فإذا جيش منها يتمثل لي في كل مكان ، جم غفير من مثيلاتها تلاحقني بأشباحها المنكرة وثرثرتها المسعورة ! ؟

الطلاق ! الطلاق ! أنا أريد أن أهيم على وجهى فى متاهة الزمن الكبير حيث لاساعات ولا ثوانى ولا لحظات . حيث يقاس العمر بالافراح والاتراح ، بالاحلام والتأملات ، والاخيلة والمشاعر .

" لكم زمنكم ولي زمني ! " صيحة تتبع من صميم كل شاعر فنان وكل متأمل حكيم .

" أنتم تقسون زمنكم عدا شأن التجار وأنا أبذل العمر جزافا لا وزن ولا مكيال .

" لن أدين لك يا زمن . . أيها الرب الدعى ، أيها القزم الجبار الذي صنعته صنعا بيدى . . الذى عشش وفرخ فى دماغي .

كنت حسا ، كنت فكرة ، مجرد وهم فإذا أنت كالظل لا تفارقني ،

كالشبح يترصدنى ليل نهار يضبط منى الحركات والسكنات ، ويحصى على حتى الانفاس .

لن ادين لك مهما امتدت يدك إلى حرم ذاتى ، مهما رمت ان تقطع بينى وبين نفسى ، وتحرف صورتى شكلا أشوه على مثالك

الزمن الجلمود والمعدن الرصاص أفرغ افراغا . شئ واحد هو من حيث تلمسته . مطلق التشابه والاستواء . ذرات متماثلة متساوية . نسخة ذلك كذلك . دنيا القرار والثقل والخواء .

لكم زمنكم ولى زمنى ! ! زمنكم وحدة سخيفة ملول ، ضجر اصم عنيد ، وزمان النفس ألق متصل ، دفق مرسل متجدد الصورة ، متبدل الروعة فى كل حين . بكر أبدا .

زمني السحب رفافة الوانها تتهادى رشيقة في سيرها ، سارحة عابثة ، اوتخب منذرة بالويل تسد اقطار السماء

زمني المطر يرش أو يهطل أمتص نداه أعب منه ملء الفؤاد ولا أشبع ولا أرتوى

زمنى مقياسه البحر فى سورته أو غفوته والغاب مهيبا باسما وقورا مهللا فى أنسه ووحشته .

زمني هو الطبيعة الام فى شبابها الدائم ومخاضها المتصل وسحرها الابدى .

اشترك في نشرتنا البريدية