هذا الجمال الخلاب الذى كنت اتمثله فى ذهنى منذ ان اصبحت فتى يافعا فى الفتاة بديعة التكوين كاملة الصفات بدون عيب يشين ، رأيتها منذ لحظات
رأيتها ، واغلقت عينى وفتحتهما عدة مرات ، وانا لا اكاد اصدق بأن الكون يحمل على ظهره مثل هذه المخلوقة الرائعة ، ولكأنها حورية من الجنان هبطت من جنتها لتزور ارضنا الى حين . . الحوريات هن اللواتى يملكن من الجمال اروعه ، ومن الفتنة ذروتها ، ومن الصفات المثالية اسماها وانبلها . . هكذا جاء ذكرهن فى الكتب المقدسة ، ووعد بها المؤمنون المتقون فى القرآن الكريم ، الذين لا ينوؤون من القيام بأمور دينهم قبل دنياهم ، ويتفانون فى عمل الخير والاحسان والجد والكد ، لضمان مكان فى الجنة ، يتقابلون فيه مع احدى الحوريات الحسان
ولكن ها انذا وجدت حوريتى فى هذه الدنيا ، بدون ان اضع مخططا لاعمالى حتى لا اقع فى الاغلاط وبدون ان ابذل اى مجهود خارق يساعدنى على الوقوف امام باب الجنة مستجديا الدخول حيث يتقابل المؤمنون الصالحون القانتون ، ويتمتعون بالحور العين .
انا شاب عادى ، فى الخامسة والعشرين من عمرى ، لى عمل طيب اربح منه دخلا لا بأس به ، ولى ارض خلفها ابى ، يشرف عليها أخى الاكبر ، وتدر علينا بمبلغ كبير فى نهاية كل عام . امى تقطن مع شقيقى المتزوج ، وانا اسكن بمفردى فى شقة مؤثثة على احسن طراز ، ولى خادم امين يقوم بشؤونى بتفان واتقان . . .
اقوم بعملى كما يجب ، ولا احرم نفسى من بعض الملذات الدنيوية بدون نملو او اسراف . . منذ عام اخذت أمى تردد على مسامعى بأنها تريد ان تفرح بزفافى كما فرحت بشقيقى واختى ، وعلى ان افتش عن بنت الحلال التى تلائمنى لتقاسمنى الحياة . . . وبنات الحلال كثيرات ، كل منهن تتمنى ان يقع اختيارى عليها فى اقرب الاوقات ، لانى الى جانب مركزى فأنا بكل تواضع جميل وجذاب
املى كبير اذن ان احظى بحوريتى ، وان اتقدم الى طلب يدها . . امى هى التى ستتكلف بذلك ، ولكن قبل ان اخطو هذه الخطوة على ان اتعرف على الفتاة واعرفها بنفسى واصارحها بنيتى الشريفة نحوها . . على ان اتأكد من انها حرة ، وبأن اتيقن بأن الحظ سيحالفنى ، ولن ابوء بالخذلان .
بعد ان اضفر خيوطا وحبا لا من الامانى والاحلام !
وقفت مرة بسيارتى بجانب ربوة وهبطت منها لأتأمل منظر المدينة الساحر ، واريح ناظرى بلون البحر الازرق المنبسط . . وسرت متئدا ، اتوقف تارة هنا وتارة اخرى هناك . . وفجأة فى حديقة احد المنازل المبنية على تلك الربوة ، برزت لى تلك الحورية ، ولكأنها هبطت من السماء . . كانت تتمشى ولا تبعد عنى الا بضع خطوات ، ولا يفصلنى عنها الا سياج الحديقة . . وتسمرت فى مكانى . . قامة هيفاء ، وشعر اسود منسدل على كتفيها كموج البحر فى بهيم الليل . . ووجه ملائكى تلتمع فيه نجمتان آسرتان اخاذتان . . انف دقيق ، وفم قرمزى صغير ، وبشرة ناعمة بيضاء كالياسمين المعطر . . . محال ان تكون حوريات الجنان احلى منها واجمل ! . . .
وكان ثوبها الازرق منسدلا ببساطة على جسمها ، وعلى خصرها يلتف حزام جلدى مطرز . وكانت وحدها فى تلك الحديقة تتنقل . . بمن تراها تفكر ، وماذا تنتظر ، وماذا تريد ان تفعل ؟ انها لا تتجاوز العشرين من عمرها ، وفى مثل هذه السن ، لابد ان الكثيرين حاموا حولها املا بنظرة رضى منها . . هل اجابت احدا من هؤلاء ، ام تراها تنتظرنى انا بدون وعى منها ؟ فى الجنة انتظر آدم حواء : وعلى الارض حواء هى التى تنتظر . . ولم لا اكون انا الذى انتظرتها كما فى الجنة ؟
ومن ذلك اليوم ، اخذت اتردد على ذلك المكان مرة ومرتين فى النهار ، حتى اظفر ولو بنظرة واحدة من حوريتي من بعيد ، وفى غالب الاوقات كنت اجدها نتفسح فى الحديقة ، وربما لا تنتبه لوجودى لان هناك كثيرين يأتون لذلك المكان للتنزه وتنسم النسيم البليل . . .
شئ واحد استغربته . . كيف تقضى فاتنتى معظم اوقاتها فى الحديقة ، ما بالتمشى او بالمطالعة . . هناك اشخاص آخرون يخرجون هم أيضا الى الحديقة ويتمشون فى ارجائها ، ( يجلسون على المقاعد ويتحدثون ، ثم يدخلون المنزل ، ولكن فتاتى تبقى وحدها . . . )
اتراها فطنت الى وجودى ، واخذت تنتظر ان ابادئها الحديث من وراء السياج الحديدى ؟ ايمكن لها الخروج من المنزل يا ترى لنتمشى معا ، وتتحدث ، ونضع المشاريع لحياتنا المستقبلة ؟ ولكن كيف أبادلها الحديث بدون اية مقدمة ؟
على ان ابتكر لذلك حيلة صغيرة . . ماذا لو تركت محرمتى الحريرية تطير الى الحديقة ، ورجوتها بكل لطف أن تناولنى اياها ؟ ستكون هذه البداية فاتحة لاحاديثنا ، إذا عرفت كيف اكون حذرا لبقا . . .
انا متأكد من انها ليست مخطوبة ، اذ لا خاتم خطوبة فى اصابعها ، لقد اجتهدت حتى توصلت للتأكد من ذلك . . اما عن العفاف والرزانة ، فهيهات ان تتحلى بهما فتاة اخرى مثلها . . بقى لى ان امهد لزواجى منها . . ستكون هى زوجتى والا فلا . . لم يعد فى امكانى ان اتزوج فتاة سواها . . .
انها حبى الاول والاخير . . هذا لا شك فيه . . انا لم اكن خياليا قط فى موضوع كهذا . . انا واقعى ، ولا انكر ان الجمال يفتننى ويأسرنى . . ومن المحال ان اجد فتاة اخرى تملك ولو النصف من كل هذا السحر والروعة . . اية فتاة اخرى لبس فى طاقتها ان تسحرنى وان تفتننى مثلها . . اذن فعلى ان اتقدم حتى انال مأربى ومبتغاى فى هذه الدنيا . . اننى سأملك حورية من الجنان ، وليس هذا بالشئ القليل ، وان يكن على بذل ولو المستحيل . . .
تركت المحرمة للنسسيم ، فطارت برفق ، وسقطت امام فاتنتى ، وناديت وانا احاول ان يكون صدى صوتى عذبا للغاية . . يا آنسة . . من فضلك . . والتفتت حين ناديت مرة ثانية : من فضلك ، محرمتى طارت وسقطت امامك . . ايمكن ان اطلبها منك ؟
رأيتها تنحنى وتلتقط المحرمة ، وتتقدم . . واخذ قلبى يدق بسرعة . . يا للروعة . . انها حقا للسحر الحلال . . كلما اقتربت تبدى بهاؤها اكثر واكثر
مدت يدها وفتحت فامها القرمزى : هل هذه المحرمة لك ؟ انتبه مرة اخرى ، ولا تدع محارمك تطير هكذا الى بيوت الناس من يدك . . .
احسست بأنى سيغمى على . . بقيت محدقا فيها ، مادا يدى بدون وعى ، ولكن بدون ان اتناول محرمتى : دوامة فظيعة تدور فى رأسى ، وخلايا جسمى تتجمع لتصرخ : اسكتى ، اسكتى لماذا نطقت ؟ لماذا فتحت فاك ايها التمثال
الرائع . . لماذا حطمت روعتك فجأة ، وكأن سيفا من السماء سقط فجأة من الفضاء وفصل عنقك . . .
سقط الرأس مضرجا بالدماء ، وهمد الجسم ، ولم يعد هناك سحر ولا بهاء . ذلك الصوت الاجش المزعج اخترق طبلة اذنى كسهام حادة ثاقبة ومدمرة . .
لم انزعج فى حياتى كلها كما انزعجت حين سمعت ذلك الصوت الخشن الابح . . . كيف يخلق مثل ذلك الصوت فى مثل هذا الجسم . . . وكيف نخترق تموجاته الثقيلة عنق ذلك الهيكل الرقيق الآسر ؟ . اننى لم اتصور قط ذلك . . فيا للحلم الخادع البشع ؟
استدرت بهدؤ وامتطيت سيارتى بدون ان آخذ محرمتى . . لقد بقيت فى يد حوريتى الواقفة بذهول وتعجب . . ولاول مرة فى حياتى تمنيت لو خلقت اطرش ، حتى لا اصدم هكذا . . انها صدمة فظيعة لن ابرأ منها ابدا . . صدم زعزعتنى وهدمت كيانى . .
حقا ان الطرش فى بعض الاحيان نعمه عظيمه من النعيم . . لو كنت اطرش لاحتفظت بحوريتى . . ولكننى مع الاسف لست اطرش . . .
