هناك بعض الحقائق التى أريد أن أدرجها فى مقالى البسيط هذا الذى ضمنت فيه بعض أفكار راودتنى ، عند اطلاعى على مقال حول هذا الموضوع (*) فكبحتها لكنها أبت الا أن تظهر فى هذه السطور التى أود صادقة أن تلقى صداها لدى الذين عاهدوا الله والنفس على البناء والتغيير الجدى رغم الاعاصير وان كنا فى أغلب الاحيان نحن الاعاصير نفسها .
وانه لمن دواعى الغبطة أن يتواجد بيننا من الشباب من ينطوى على نية جدية فى البلورة والتحوير لا فقط باعتناق آراء علمية وانما بالعمل على تطبيقها ايمانا بأنها آراء سديدة نحتاجها لننتقل من هوة الجهل التى وقعنا فيها ولست هنا فى مجال بيان أسباب ذلك ولكن منها نظرتنا الى الطفل على انه انسان ناقص او وعاء لا يجب ان يحتوى غير ما نضعه فيه أو صفحة بيضاء نحن الذين نختار أن نرسم عليها ما نشاء من حياتنا بماضيها وحاضرها ومستقبلها فنقضى على أول حق لهذا الطفل فى الحياة المستقلة ونكون قد اعتبرناه صورة منا نحن ، تواصلا وامتدادا لنا وتنتقل بذلك جميع عاداتنا اليه بجميلها وقبيحها ولا نترك فرصة ازالة ما نبغضه منها بافساح المجال للطفل للخلق ولتوسيع رقعة استقلاليته . فنقع فيما نحن فيه من اشكالات وتمزق بين نزعتى التواصل والاستقلالية بين الوالد والمولود ، بين المربى والمربى بين المراهق والراشد .
نأخذ مثلا المراهقة على حدة كأخطر مرحلة فى حياة الطفل ذلك الرجل الصغير سنجد انه يمكن لنا تحديدها بين سن الحادية عشرة والرابعة عشرة
وعلى الاصح بين نهاية الطفولة وبداية المراهقة ويعرفها الدكتور مصطفى فهمى فى كتابه سيكلوجية الطفولة والمراهقة « هى التدرج نحو النضج البدنى والجنسى والعقلى والانفعالى » .
لو عدنا المراهقة عند الآباء لوجدنا أن الاغلبية تنظر للمراهقة على أنها تحورات وتغييرات تطرأ على الطفل جسديا فينتقل على اثرها من الطفولة الى الرشد ويهملون الناحية العقلية . لكن هذا المفهوم يتضارب مع المفهوم الصحيح للمراهقة أو على الاصح هذا هو مفهوم البلوغ كما هو وارد على لسان الدكتور فهمى : أما معنى كلمة بلوغ تكاد تقتصر على ناحية واحدة من نواحى النمو وهى الناحية الجنسية ونستطيع أن نعرف البلوغ بأنه نضوج الغدد التناسلية واكتساب معالم جنسية جديدة تنتقل بالطفل من فترة الطفولة الى فترة الانسان الراشد (*) .
اما اذا رجونا من المراهقين أنفسهم أن يعرفوا لنا المراهقة فانهم يقتصرون على الناحية الاجتماعية بناء على احساسهم الشديد بالقوة فى المجال العقلى وهذا يخول لهم حسب اعتقادهم مجابهة الوسط الاجتماعى دون معونة الآباء .
واعتقد ان كلا من الآباء والابناء على حق فى كلتا الحالتين بحيث لو جمعنا المفهومين نجد أن المراهقة مجتمعة فى النواحى الثلاث : الجنسية ، العقلية ، والاجتماعية ولا ننسى أن تفتح شبابنا على كل ما تهب به ريح الغرب جعله يطلع على وضعية المراهقين الغربيين والتى تختلف قطعا عن الوضية العربية ومرد ذلك الى أن الآباء الغربيين يمنحون لابنائهم أكثر ثقة رغم الاباحية المطلقة وانعدام ما نسميه نحن : الاخلاق . وهذا بدوره مرده الى أن الطفل الغربى يحيا طفولته بأكثر ثقة فى النفس وروح الاستقلال خاصية فيه مما يجعله قادرا على فرض احترامه ، واحترام ميوله ورغباته وآرائه واختياراته بدون عقد أو مركبات بينما يظل الطفل العربى فى تبعية تامة للآباء لانه تواصل لهم وامتداد فلا يقبل ولا يرفض الا ما يقبلون وما يرفضون وعندما يكون مراهقا ستتواصل الحالة تلك ولكن هنا فقط يشعر بأنه قادر عقليا وجنسيا على أن يختار بنفسه وتنبت بذرة روح الاستقلال ولكن هل يقبل الآباء هنا أيضا هذه البذرة فيساعدون على نموها بربها ورعايتها لانها ما زالت نضرة ؟ هذه هى شرارة الازمة التى إذا ما انطلقت لا تعرف لها هدفا لانها لم تنبت فى أرضية خصبة . هذه هى الازمة ذات الاسباب البعيدة التى لا نعرف أن نعود لها لنقضى عليها
ونبنى من جديد صرح شعب حر مستقل ذاتيا . ماذا لو تخلى الآباء عن بعض الحقوق المشروعة لابنائهم ؟ هذا يعود الى أن الأب الذى يحرم نظرا لبعض الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية ينظر لابنه كصورة ، كطموح ، كغد بديل ليومه وماضيه ، لهذا لا يرضى الا ان يكون امتدادا فيعيش الابناء منذ الوهلة الاولى محرومين من امتع احساس فى الوجود . أنهم أحرار فى أن يفكروا ، فى أن يحيوا حياتهم ولا ينتظرون من يفكر لهم أو يعيشون حياة الآخرين .
هذا وجه للازمة . أما الوجه الثانى فالسبب الرئيسى فيه هو غياب العنصر النسائى ان لم نقل موته . وهذا الغياب جميعنا مسؤولون عنه ، المرأة مسؤولة بدرجة أولى ، لانها لا تحاول أن تحضر وتفضل حالة الحاضر الغائب فترضى بقارير الرجل لها . وتنسى أن الرجل الذى عهدت له بالتقرير نيابة عنها يضع فى اعتباره عدة مخلفات أولها نشوؤه على فكرة أن المرأة عضو ناقص بدون الرجل ثم استمرار عيشه فى وضع أقل ما يقال فيه : انه متخلف فكريا ومنحط ثقافيا تطغى عليه آراء عليلة لا تخدم المرأة بل على العكس تنزل بها الى رتبة العبيد والاطفال القاصرين .
وفى محاولة بسيطة منا لجنى نتائج مفاهيمنا المتضاربة مع المفهوم القويم للمراهقة ننسى ان المراهقين الذين لا نهتم بهم ولا نهتم بأن نكون معهم على وفاق ، هم فى نهاية الامر التلاميذ والطلبة . الفئة الام فى مجتمعنا والتى نعول عليها فى بناء مجتمعاتنا الآتية فتزيد فى شعورهم الملح فى رفع القيود والرقابة الادارية المعهدية والنظرة للمسؤولين نظرة عداء وكراهية مع تطور واضح فى الرؤى والمواقف فيصبح جليا أن طلائع المجتمع تتسم بالعدوانية والرغبة فى العنف ونحكم على آرائهم ومواقفهم الاديولوجية والسياسية مجرد رد فعل لمرحلة المراهقة . والحقيقة وان كانوا يحملون بقايا هذه المرحلة الا أنهم اما سيحاولون السير لتدعيمها أو كبح أنفسهم للسمو بها خصوصا أنهم يحملون من الوسائل ما تخول لهم أن يكونوا أصحاب مواقف قد تكون معادية للمواقف الاسرية . وليس هذا فحسب بل اننا خلقنا جيلا جائعا جنسيا والسبب فى ذلك طبيعة الشاب العربى وأعنى بذلك العوامل المناخية والبيئة اللذين يؤثران فى الهياكل الجنسية لكلا الجنسين وورث شبابنا إلى جانب كل هذا من المجتمعات الراقية النزعة الفردية فأصبح شبابنا أنانيا لا يفكر الا فى نفسه ولا يؤمن بالغيرية ولكن هل تساءلنا عن المتسبب في هذه الحالة الشائعة .
السبب هو انعدام الثقة بين أفراد المجتمع الواحد والمتسبب بدوره فى هذه الحالة وفى هذا الشعور بانعدام الثقة : شيوع ظاهرتى الجشع والاستغلال لدى العامة والخاصة فى مجتمعاتنا وخلاصة القول : ان الازمة تعقدت نسبيا ولا مفر لنا من الاهتمام بهذه الاسباب النفسية والاجتماعية والتربوية والسياسية والحل يكون باللجوء الى الحوار الديمقراطى البناء البعيد عن كل موقف سلبى .
ونحن كغيرنا من شعوب العالم نطمح الى تحقيق الحرية فى تعاملنا لكنها باتت الفوضى ولا شىء غير الفوضى . والكبت الذى شمل مختلف المستويات هو الذى تسبب فيما نحن عليه من تفسخ وانحلال وتدن على المستوى الفكرى والاخلاقي والاجتماعى والسياسى فالى ماذا صرنا ؟ شعب مطموس الهوية يخلق شيئا فشيئا جيلا بلا هوية هو الآخر بناء على أن فاقد الشىء لا يعطيه . شعب لا يؤمن بالطموح الذى يحل العقدة : لا حدود ولا اقليمية وارتمى فى أحضان الفرقة حتى بتنا نحن أنفسنا الوسيلة التى يستخدمها اعداؤنا لطمس ثقافتنا وسلب هويتنا ونجحوا فى أن يفكوا كل عضوية كانت تربطنا واعتلتنا أقليات سلبية لا تعبر مصلحتنا أية اعتبار وهذا هو حالنا ، انفصام روحي الى ذوبان شخصية انتهت بنا الى أن ننظر نظرة امتعاض الى الماضى الذى يندثر ولا يتجدد .
ثم ماذا غير السقوط فى جب التمزق الى ما نراه من كتل وأحزاب يناوىء بعضها البعض ننتظر الجراح الماهر الذى سينجح فى عملية جمع شمل هذه الاشلاء الممزقة بقنبلة فجرتها عدة أزمات كأزمة المراهقة لكننا تجاوزناها فكانت نتائجها أسرع منا فالتحقت بنا ثم تجاوزتنا .

