تخوفت ، وأنا اقرا مسودة ملاحظاتى هذه ، ان يرى فى القارئ مدعيا عموميا ، يرافع ضد " افلاس " ويطلب الحكم عليها . فلا بد ان يعلم انني لم اكن انوى بالمرة ان اكتب عن " افلاس " ، ( كما اننى لم اكتب للناس ملاحظاتى عن" السد" لانى احب دائما ان يكون بيني وبين النتاج الادبي مدى زمانى ، يخول فكرى حرية ازاء الحادث الادبي ، تجعله ان حكم يحكم بلا شطط ، بل في تعقل وفى نوع من الاحتشام الفكرى ومن التعقل والذوق السليم الذى ينشده ديكارت .
ولكن البشير خريف ، لم يشا هذا ، بل ارسل الى ، ايام عطله عيد الفصح رسالة رافقها بقصاصتين من جريدتى الصباح (1) والعمل (2) تناولنا ناحية اللغة فى افلاس . واضاف خريف قائلا : " وقد اثار نشرها اى افلاس فى مجلتنا " الفكر " ما اثار ، من ذلك انها لم تتخذ هدفا لها تقويم الاخلاقه ، ولا الاشادة بالمجد التالد . وانها تناولت نواحي نفسانية لا ينبغي تشريحها وانها استعملت فيها اللغة الدارجة التى لا يفهمها من لم يكن تونسيا .
واضاف اخيرا ، فى لهجه حييه تصل الى القلب " وتفضلوا سيدى فانبئونى بما ترون " .
فى رأيى ان مشكلة اللغة مشكلة " فارغة " يحاول من ورائها مهاجمو (افلاس) النيل من القصة نفسها وهو امر مؤسف ارجو ان لا ينخدع القراء
له . لان البشير خريف ، وجه قبل كل شئ ، قصته الى القارئ التونسي ، ولم يوجهها الى قارئ عراقى او مراكشى ، لبنانى او يماني . وهذا التوجيه يعود الى اختيار الكاتب والقصاص نفسه . فهو حر ان يتوجه الى جمهور محدود او بالعكس الى جمهور واسع الاطراف ، وهو حر ان يجعل قصته " محلية " او بالعكس " لا محليه " لا اقليمية " ولا بد ان يشرح لنا البشير خريف هذا الاختيار واسبابه .
ومما يؤيد اعتقادى ان مشكلة اللغة فارغة ، خالية من الاهمية ، ان حواراتها يسهل سبكها فى قالب فصيح ، متى شاء خريف ذلك . ولنأخذ مثلا او مثلين هذه الفقرة التى اوردها خريف هكذا (ص 579) :
- " تتفكرش وقت اللى اجادت في موقف كرمن فى عوض اشواق وصفتو عليها ، واقترح عم صدوقة تعطينا بوسة ، وقت اللى وصلك الطريق عملت روحك تفركس على نسخة رواية فى الخزانة " - يمكن صوغها فى قالب فصيح بسهولة ، إذا جعلنا مكان الكلمات المشارة اليها ، كلمات فصيحة . او هذه : - " عرف كيفاش يملكها ، كراكجى قديم (ص 580) يمكن صوغها هكذا : " عرف كيف يملكها ، انه شاطر قديم " .
وفى رأيى ان " افلاس" فى سبكها العامى هذا ، تمكن اللغوى من استقراء بعض القواعد . وفى انتظار الدراسة التى اعدها الآن مع صديقى دافيد كوهين ، العالم اللغوي التونسي ، عن اللغة والنحو والصرف في قصة افلاس - يمكن ان اشير الى بعض المشاكل اللغوية . فهناك عدد لا بأس به من " المستعارات " مثل " كروصة " و " كرارصى " و " برمناص " (ص 227) و " الترنفاي " (ص 230) و" الكارطة " (ص 238) و" الروصينى " و" الفازلين " و" الماكياج " و" بونياتو " (ص 349) و" قفطان " (ص 350) و" للاقابو " و" الكوليس " و" الاكسيسوار " (ص 351) و" التران " و" الفاليجات " و" الانقار " (ص 353) و" طقطوقة " (ص 360) و" البازقة " (ص 365) و" كراكجى " (ص 580) و" الافاريات " ص 581 و" البرمقلي " (ص 582) و" الفزيتة " (ص 582) و" المريول " (835) " والفليجية " (ص 578) و" القريف " (ص 578) و" التلغراف " (ص 588) . وهنالك ايضا عبارات تونسية محض (*)
كــــ" مليح" (ص 385) ، او " - فاش قام وخيتي ها السفر ؟ " (ص 587) ...
وهذه المادة اللغوية " العامية " يستطيع خريف ، لو شاء ، ان يعوضها بمادة فصيحة ، ويستطيع ان يخرج قصته من جديد ، بعنوان " افلاس " فقط يخرجها باسلوب سهل التناول ، خال من الغريب والشقشقة اللفظية ، ومحلى بحوارات فصيحة ، سهلة العبارة .
وما دامت مشكلة اللغة ، ثانوية ، فما هى المشكلة او المشاكل الاساسية فى " افلاس " ؟ .
افلاس ، و" الفن القصصى ".
فى رأي - وانا اقرا " افلاس " للمرة الثالثة - ان خريف لم يراع كثيرا الاعتبارات الفنية التى يخضع لقوانينها القصاصون . فى تسلسلها ، واطارها وربط " العقدة " ، و " الحل " والمشاهد الطبيعية والنفسية . الاطار ، فى " افلاس " غير موجود . فان كان القارىء ، من السطور الاولى ، يعلم اننا فى شتاء 1925 ، فهو لا يجد اى علامة على ان حوادث القصة تدور سنة 1925 .
ان الاطار التاريخي لا وجود له بالمرة . والبيئة التاريخية معدومة تماما . ولعلنا لو تصفحنا اخبار سنة 1925 لوجدنا متسعا ، كان على خريف اغتنامه . واسوق بعض حوادث هاته الستة الهامة بالنسبة لتاريخ الحركة القومية التونسية ، فانها شاهدت لاول مرة تكتل الاحزاب القومية (الحزب الحر الدستورى ، الحزب الشيوعي ، الهيئة الاشتراكية ، الحزب الاصلاحى وحركة النقافات) فى جبهة متحدة . ولعل اهم ميزة لهذه السنة هو نشوء نقابات تونسية تزعمها محمد على ، بل يمكننا ان نضيف الى هذا عرض المشكلة التونسية على البرلمان الفرنسى من طرف نائب قنتسطيني وارسال " لجنة " الى تونس من طرف الحكومة الفرنسية . وكذلك احتجاجات صارمة على خروج الطائفة الاسرائيلية من انظار العدالة التونسية ، وظهور جمعية " المتجنسين " ولم نسمع ولو صوتا خافتا للمظاهرات الشعبية المتحمسة ببنزرت وسوق الاربعاء وسوق الخميس وصفاقس وقابس ولم نسمع ولو من بعيد باضراب 8 جوان 1925
وكيف لسليم البرجى الا يتحمس للدستور ، ولم يثر على ايقاف الصحافة القومية : " افريقية " وطرد توفيق المدني من تونس ، ومنع " الصواب " و" النهضه " و" الزهرة " من دخول الجزائر والمغرب . وما دام بطلنا يشكو الفراغ الكبير ، صائفة 1925 ، فلماذا لم يشغل باله بحرب الريف ، وببطولة عبد الكريم قائد ثورتها .
هذه الحوادث التى ملأت تونس - بل العالم العربي كله - وشغلت بال الناس ، صغارا وكبارا ، رجالا ونساء . انها لم تشغل بال سليم البرجى " الزيتونى " ولا بال اسماعيل الصدراتى " الممثل " .
وهذا ما يجعل القصة بدون اطار ، وبدون زمن محدد ، حتى ان حوادثها يمكن ان تجرى سنه 1920و 1930 وعندى ان خريف لم يجمع كما يلزم مواد قصته .
وما هو موضوع " افلاس " يا ترى ؟ وما هي " العقدة " ؟ وكيف " الخاتمة " ؟ ثم كيف استرسال القصة ، وما هى نفسية الاشخاص ؟ . .(*)
