وأخيرا استطاعت أميركا ان تنزل رجلين من رواد الفضاء من أبنائها على وجه القمر فاستطاعت وهي أغنى دولة اليوم في العالم أن تنال الهدف الذى كانت تنشده منذ عشر سنوات والذى كان قد عد نيله للانسان من المستحيلات نظرا الى زهادة الامكانات الظاهرة فى هذا الصدد
كما أن بعض من لم يكونوا قد درسوا الاوضاع الكونية دراسة عميقة ولم يتفكروا فى السموات والأرض تفكرا جديا سواء أكانوا من أوفياء الدين أم كانوا من غيرهم انما كانوا لبساطة معرفتهم للسموات والارض ولسذاجة طبعهم فى ذلك ينظرون الى مثل هذه الاستكشافات المجددة كل يوم بنظر الارتياب وعدم الثقة وكانوا يرونه مما يتعارض مع الحقائق المأثورة الثابتة ، مع أن نصوص الدين المتين ليست ولم تكن مما يتنافى مع الحقائق الثابتة فى هذا الشأن ولم تكن تنكرها انكارا بل انها اشارت اليها وقبلتها فى الاطار العام وقد حثت على التفكر فيه ، ولا غرو في ذلك ، فان معرفة اسرار الخلق لاتهدى الا الى معرفة خالقها الجليل ولا توصل الا الى الايمان بقدرته وعظمته فهي تعد من هذه الناحية من طرق الهداية الكثيرة وقد وصف الله تعالى المؤمنين بانهم يتفكرون فى خلق السموات والأرض ويقولون ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار
على كل فقد بلغت قدما الانسان اليوم الى بسيطة القمر وذلك لاول مرة فى التاريخ الانسانى الطويل وبذلك تحقق حلمه الفلكى العلمي البعيد الذى كان يراوده منذ انتصاراته العلمية والفلكية الاخيرة فكان ذلك انتصارا لم يكن له مثيل فى الانتصارات الفلكية السابقة ، فمن الحق بمكان ان يسر الانسان بهذا الانتصار وان يعجب بتقدمه الحسابي التكنولوجيا اى اعجاب ، كما لا بدع من أن يتعجب الانسان من هذا الانتصار تعجبا ويطرب منه طربا قد لا يتفق مع رزانته العقدية ، ولا يتلاءم مع رجاحته الفكرية ولكنه يجب ان يعلم ان هذا الانتصار الانسانى الجديد لا يمكن ان يبعث الا على ازدياد الايمان بخالق هذا الكون الواسع وناظم وحداته المنثورة في الدارات الفلكية والمساير الكونية الدقيقة لا يزيد الانسان نحوها كلما ازداد في الاطلاع على تفاصيلها وجزئياتها والاتصال ببعض اطرافها القريبة المجاورة له لا يزيده ذلك الا اعجابا وتقديرا لعظمة هذه الصناعة الكونية وايمانا واذعانا لجلالة خالقها العظيم الذي صنعها باتقان وتوسيع ، فقد قال في كلامه المجيد : " صنع الله الذي اتقن كل شئ " وقال : " والسماء بنيناها بأيد وانا لموسعون " وقول : " ولقد زينا السماء بمصابيح " وقال : " والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القريم " .
ولا داعى للعجب والحيرة اذا كانت
انتصارات الانسان العلمية قد بلغت اليوم الى الاحتكاك بجرم القمر أو بجرم المريخ أو غيره فان ذلك كله كان مضمونا بجهود الانسان العلمية والدؤوب ، وباستخدام الوسائل التكنولوجيا المستحدثة الاخيرة سواء أحصلت نتائجها مبكرة وسريعة أم تكون قد حصلت متأخرة وبطيئة
ولكن العجب كل العجب هو فى حصر الانسان كل جهوده والاستكشافات العلمية والخارجية فى الاهتمام بظواهر الكون والحياة السطحية وتجنيد كل طاقاته الانسانية وغير الانسانية فى مجالات ذلك وفى سبيله ناسيا ومتناسيا اعطاء كل جانب من جوانب الحياة الانسانية حقه من التقويم والتحسين وعن نشدان الهدف الحقيقى من وراء هذه الظواهر الكونية ووراء حياة الانسان والسر المستور فيها سواء أكان ذلك فى الاطار الفردى للانسان أم كان فى الاطار الجماعي له .
ويتصل به اتصالا مباشرا ما نراه من بعد الانسان عن الحياة السعيدة المرضية ومن حرمانه ضرورات الحياة اللازمة فى أكثر انحاء العالم وعند اكثر جماعات البشر مع كل التقدم والازدهار العلمي والحضارى الذى احرزه انسان العلم والتكنولوجية اليوم
اني مع كل تقدير واعتراف بقيمة الجهود التى يبذلها انسان اليوم فى حقول التجربة والاستكشافات العلمية وبقيمة انتصاراته ومنجزاته النادرة فى التكنولوجيا والعلم التجريبى الفلكى اريد أن أقول ان الانسانية قلما يسعها أن تجني من وراء هذه الانتصارات والمنجزات البعيدة عن عالمنا المباشر راحة أو متعة كبيرة ما دامت
أجزاؤها المختلفة تعيش في شقاء وحرمان فان الانسان مهما بلغ الى الدرجة العالية فى الاستكشافات والانتصارات العلمية والفلكية ومهما بلغ أفراده فى قطر أو فى أقطار الى قمة النبوغ العلمي والتكنولوجيا لن يستفيد منه خيرا كثيرا ما دامت عهاته الكثيرة باقية . وما دام شقاؤه ملازما له فى جوانب حياته المختلفة وفي اقطاره وبلدانه الكثيرة . وماذا يمكن ان يفيده هذا العلم الجديد أو هذه العزة القعساء الحديثة التى حصلت له بالعروج الى بسيطة القمر الجرداء الموحشة بعد نفقات هائلة مدهشة ما دام هو خاويا وما دامت نفسه معذبة وما دمت روحه تتيه فى متاهات الظلام والقلق
اني لا أريد أن أغض من قيمة هذه الانتصارات النادرة الاخيرة التى كسبها الانسان بل أرجو ان ينتفع الانسان بها أيضا كما ينتفع بألوف الاشياء ولكني أريد ان انتقد الانسان التكنولوجيا اليوم على هذه التضحيات والجهود التى يبذلها بطريقة غير متكافئة وغير عادلة بين جوانب الحياة كلها فانها ليست مما تسد حاجاته الحقيقية أو توافق ضروراته الدولية فى ظاهر الحياة وباطنها .
لن يكون ذلك ميسورا الا بالعودة الى القطب الدينى الوحيد الذى هجرناه ، وهو تعاليم الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم التى هى الصلة الوحيدة بين سكان هذه العوالم وبين خالقهم الاحد الصمد وهي الطريقة الوحيدة للاسعاف الانساني والعلاج الناجع لكل داء هو الضوء الذي نحترس فيه عن التسكع الاعمى فى مجاهيل علمنا وصناعاتنا واستكشافاتنا .
عن جريدة الرائد العربية التى تصدر فى لكنو - الهند

