لقد أقدمنا على إصدار هذا العدد الخاص بالانتاج الادبي في المغرب الاقصى ايمانا منا بحتمية الأخوة بين الشعبين المغربي والتونسي وجدواها . هذه الاخوة التى صهرتها الأحداث فى قديم تاريخ المغرب العربى وأبان لحمتها وسداها وحلل نوازعها واسرارها كأشد ما يكون البيان والتحليل ، العلامة ابن خلدون فى وصفه للدول المتعاقبة على هذه الارض المغربية وربطه قيامها وانهيارها بالعصبيات فى التئامها وانحلالها .
ذلك ان هذه الأخوة شاهدة على الاواصر التى تشد بعضنا الى بعض ، ومترجمة عن أسس للحضارة مشتركة ، تلحمها الأخوة العربية الاسلامية وتدعمها اللغة العربية ، ويزيدها متانة ما قام به زعماؤنا فى أوائل هذا القرن من امثال على ومحمد باش حانية للتقريب بين شعوب المغرب العربي الرازحة آنذاك تحت كلكل استعمار واحد ، وما ناضل من أجله زعماء الشعبين فى الفترة الاخيرة فى كفاح تحريرى آل الى الاستقلال . وهي الى ذلك تشير الى وحدة للمصير متماثلة ، نسج أبعادها موكول الى وعينا وهمتنا وعزيمتنا وشعورنا بالمسؤولية لا ازاء القضايا التى تهمنا بالذات بل أيضا تجاه مساهمتنا فى الحضارة الإنسانية العصرية .
وإن ايماننا بدور السياسة والاقتصاد فى خدمة هذه الاغراض النبيلة ليعادله اعتقادنا بان الادب فى عفويته وسموه وتصويره الصادق لمستسرات مجتمعاتنا وخلجات الافراد وحوافزهم العقلية والعاطفية وأعمالهم اليومية والغائبة كفيل بأن يقرب بين الشعوب ويعمل بالذات من أجل ما يتوق اليه شعبنا من تعارف وتآخ وتعاون خاصة وأن لغة الادب فى البلدين واحدة .
وان المتصفح لهذا العدد الذى انتجت صفحاته أقلام فى أغلبها معروفة فى المغرب الشقيق ليجد تطابقا مبهتا مع المشاكل المثارة هنا فى تونس والقضايا التي تجابه مجتمعنا ويقبل عليها شبابنا وصفا وتحليلا ومعالجة فنية . وهذا فى الواقع ليس بغريب إذ هى نفس المشاكل الحضارية الناتجة عن أرضية مشتركة صهرتها احداث متشابهة فى القديم والحديث ، وهي أولا وبالذات راجعة الى نزوع إلى اعتناق العصر والإطاحة بالمتحجر والقديم البالي المتشبث بالفوارق الاجتماعية ، وإشباع المجاعة الحضارية " كما عن لبعضهم أن يقول وزحزحة " ككل مشاكل " المجتمع العصري الذي غيرت ملامحه التقنية الحديثة وزعزعت مقومات شخصيته رجات التكنولوجيا وأثارت شكه فى مسلماته العلوم الجديدة .
وليس اشد مأساة وأبلغ وحيرة وانكى نقمة ما ينبع من الدراسات والقصص والقصائد من شعور بصراع حضارتين وتنافس ثقافتين : الغربية القوية الغالبة والعربية الاسلامية المعتزة بماضيها الواثقة من مستقبلها. ويبرز ذلك تارة فى تصادم القديم مع الجديد وتارة اخرى فى طرح مشكل التراث والمعاصرة وثالثة فى اختلاف الاشكال الفنية بالنسبة للقصة والشعر.
وهكذا فان الارضية التى ينبع منها الادب فى المغرب الاقصى هى نفسها التى ينبني عليها الادب العربى المعاصر فى جميع البلاد العربية غير أن للمغرب الشقيق طرافته وخصوصيته إذ نجد فى هذا الادب الذي بين أيدينا أصداء لهذا الشعب العظيم الذي بنى الامبراطوريات ودوخ العالم الغربي ووقف في وجهه سدا ينافح من أجل الحضارة العربية الاسلامية كما نظفر بمحاولات للتجديد والتجريب وإضفاء ثوب على اللغة فيه طرافة وبحث عن الممتع والمعبر والمشوق .
غير انه لا يفوتني أن ألاحظ بالنسبة الى ركون بعض الادباء المغاربة الى العامية المغربية أن الشأن يدعو الى وضع تفاسير بالفصحى لهذه الكلمات والا
تبقي الاشارات والتلميحات البليغة فى حد ذاتها من دون أثر فى نفوس قراء سائر البلدان العربية . وهذا فى الواقع هو الحاجز الكبير الذي يقف دون تطور اللغات الدارجة بالنسبة للعالم العربى وهو الذي جعلها فى القديم تعجز عن الوصول إلى درجة اللغة المكتوبة وستكون أيضا العقبة الكأداء فى المستقبل في وجه الذين أضاعوا وقتهم وعلمهم لاحلال اللغة العامية محل الفصحى. بينما ميزة لغة الضاد المتطورة دائما وأبدا على أيدى المجددين إنما هي في نظري تلك القادرة على تضمين إيقاعات ونبرات وموسيقى اللغات الدارجة بقدرة القادرين من أبناء العربية من دون ادخال الضيم على عبقرية لغتنا . وهذا ما وصل اليه أمثال طه حسين وغيره من المجددين.
ونحن نعتقد أن هذا العدد سيكون لبنة أخرى فى سبيل التعريف بالادب في الغرب الاقصى من دون أن ندعي أننا تمكنا من استيعاب كل الاتجاهات الادبية والفكرية ولا احتواء معظم الادباء المعروفين فى سماء الادب والفكر بالبلد الشقيق . وغاية ما نصبو اليه هو ان يكون هذا العدد نقطة انطلاق لمزيد التعاون في هذا الباب حتى ننبه المشرفين على حظوظ النشر والتوزيع في البلاد الى اتخاذ الاجراءات العملية الكفيلة بترويج الانتاج الادبي والفكري في نطاق التبادل المتواصل طردا وعكسا وحتى نساهم مساهمة موفقه في حث كل همة لها ضلع ما في الثقافة الى الغنم الكبير الذي نظفر به حتما إذا نحن وسعنا آفاق التعاون بصورة مدروسة مخططة فى هذا الميدان.
وعسى أن يجد الناقد في تونس والمغرب الاقصى وفي البلاد العربية الشقيقة من خلال هذا العدد الفرصة لاحياء التيارات النقدية وتجديدها لان الادب والفكر لا يروج ويزكو أثره الا بالنقد كما نأمل أن يكون القارئ العربى قد استفاد من هذا العدد وفتح له بابا من التعاون والتعارف بين الاشقاء لا يزال يتسع على وجه الدهر.
