الكلمة التي نشرت في العدد الاخير من هذه المجلة تحت عنوان " الجوهري قبل العرضي " تتيح لي الفرصة لتوضيح بعض المسائل المتعلقة بموضوع التأليف والترجمة والنشر .
١ ) لماذا لم يقع انجاز ما من شأنه ان يبلور عناصر ثقافتنا الوطنية في صورة قصص ومسرحيات وكتب تاريخية ونظريات فلسفية ؟
لان العناصر غير موجودة . . لتونس شخصية دينية تكونت في مئات السنين يمثلها اليوم جامع الزيتونة ومن بقي منتسبا اليه من خريجيه ، وهي شخصية بارزة معروفة ومعترف بها في الاوساط الدينية الاسلامية وغير الاسلامية .
ولتونس شخصية سياسية تكونت في عشرات السنين تمثلها الحكومة القائمة والمنظمات القومية ، وهى ايضا شخصية بارزة معروفة باتجاهاتها ومواقفها ومعترف بها في الاوساط الدولية .
ولكن ليس لتونس شخصية ثقافية بارزة يمكن ان " نبلور عناصرها " . اذا ذكرنا العلم فهو شهادات رسمية من معاهد اجنبية لا يرادبها الا الحصول على عمل يليق بالمقام .
واذا ذكرنا الادب فهو باستثناء ما يعد على اصابع اليد الواحدة - تلك المترجمات الضعيفة والمقتبسات الظاهرة والمستترة ، والا فهو " عايشة القادرة " و " مجنون ليلى " وكمية ضخمة من شعر المناسبات ، وليس في ذلك ما يحتم التعجيل بالترجمة الى اللغات الاجنبية ، او يرشح للحصول على جائزة " نوبل " للادب ، واذا ذكرنا الفن فهو المألوف الاندلسي والموشحات الشرقية والحان الرقص الاسباني مزينة بالمشهور من الحان عبد الوهاب وفريد الاطرش ، هذا والا فهو
" بخنوق بنت المحاميد " و " العين تنحب " وبقية ما نسميه بالاغاني العتيقة . ظهرت في السنوات الاخيرة بعض بوادر الاستقلال في الغناء والتلحين وشاركت تونس لاول مرة في مؤتمر دولي للموسيقى وهى بدايات تبشر بالخير ولكن لا يصح اعتبارها عناصر ثقافية تونسية موجودة ولا ينقصها الا التبلور . ابن خلدون والشابي ؟
اما ابن خلدون فان الاختصاصين فى الشرق والغرب قد قتلوه بحثا وتحليلا ووضعوه في مكانه اللائق به من تاريخ العلم ، وفى هذه السنة يخرج الاستاذ Rosenthal ترجمة انكليزية لمقدمة ابن خلدون نرجو بعدها ان ندخل فى فترة استراحة نستريح فيها من ابن خلدون ومن التبجح بمقدمته ، والا فانه سيقوم من يقول لنا ان ابن خلدون انما حصل على اختباراته وملاحظاته فى الجزائر والمغرب الاقصى وتثقف بثقافة اجداده العرب الاندلسيين عن طريق الدرس والمطالعة ، وانه ليس له من تونس الا حادث الولادة .
اما الشابي فليس من المستبعد ان بعض مؤرخي الادب العربي سيضعونه فى الطبقة الاولى من شعراء المهجر ويقولون عنه انه ولد في تونس كما يقولون عن خليل جبران انه ولد فى لبنان .
ان بلورة عناصر الثقافة القومية لا يكون بالرغبة والتمني ، ولا يكون بالاصرار والالحاح وفرض النفس ، لا يمكن ان نبلور " لا شيء " ، هنالك شروط لابد من توفرها ، منها وجود نخبة من ذوي التعليم العالي في ظروف تساعد على البحث والانتاج ، وهذه النخبة موجودة اليوم فى تونس ، ولكن الادارة ابتلعتهم كلهم . هذا من حسن حظ الادارة ومن سوء حظ العلم والادب , قامت جمعية قدماء الصادقية ومجلة " المباحث " بمحاولة فى هذه الناحية فجندت اقوى العناصر الموجودة يومئذ وكانت تنجح فى تكوين شخصية ثقافية تونسية لو كتب لمجلة " المباحث " طول البقاء ، واليوم تقوم جمعية قدماء الصادقية ومجلة " الفكر " بنفس المحاولة وتلاقي فى ذلك اشد الصعوبة بسبب الفراغ الذى احدثه انتقال النخبة الى الميدان الاداري .
ومنها وجود جامعة قومية ذات كليات ومكتبات متخصصة ومراكز للدراسة والبحث ، وليس في تونس اليوم شيء من ذلك .
ومنها وجود العقلية العلمية او المزاج العلمي او الميل الخاص للعلم بالمعنى
المصطلح عليه فى هذا العصر ، وهذا ايضا لا يزال نادرا عندنا ، اكثر ميلنا للادب والفن وما سهل من العلوم النظرية ، اول تونسي فاز بشهادة الدكتوراه في العلوم هو السيد عدنان الزمرلي وقد اعلنت عن ذلك الجرائد المحلية في اوائل هذا الشهر شهر نوفمبر من سنة ١٩٥٨ !
٢ ) لماذا لم يتم نشر طبعة " محققة مضبوطة علمية " من تاريخ ابن ابي الضياف فى مدة سنتين ؟
الجواب يحتاج الى التعريف بتاريخ ابن ابي الضياف : الكتاب فى اربعة اجزاء كبيرة ، والاقسام المهمة منه تبحث في علاقات تونس الخارجية قبل الحماية ، فاللرجوع الى تاريخ تركيا وايطاليا وفرنسا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر عمل ضروري ، والكتاب يحتوي على وثائق رسمية مترجمة عن الايطالية والفرنسية والانكليزية وبعضها لا يفهم الا بالمقابلة مع الاصول المترجم عنها وذلك لضعف اساليب الترجمة الى العربية فى ذلك العصر , والمؤلف يكثر من استعمال الكلمات العربية بمعناها التونسى الدارج مثل " طريق " بمعنى نوبة او دور و " خطية " بمعنى غرامة مالية ، و " تنزيل " بمعنى تجنيد ، و " تعليم " بمعنى استعراض الجيش او تمرين عسكري و " صحح " بمعنى امضى ، و " تمكن به " بمعنى القى عليه القبض , و " سلم فيه " بمعنى تركه او تنازل عنه الخ . بعض هذه الكلمات يمكن فهمه من سباق الكلام واكثرها مما يضلل القارئ الشرقي ويحير القارئ المستشرق والطبعة العلمية المضبوطة المحققة يجب ان ينظر فيها الى حاجة الشرقيين والمستشرقين ، ويكثر من استعمال الكلمات الاجنبية الايطالية والفرنسية والانكليزية وحتى النمساوية والمجرية مثل لفظة " هواديك " كما يستعمل كلمات عربية بمعناها التركي مثل " اختيارات " بمعنى شيوخ ، ويستعمل كلمات عربية بمعان يظهر انها كانت دارجة فى ذلك الوقت وبطل استعمالها اليوم ، مثل " انفصال " بمعنى اتفاق ، و " نفاق " بمعنى عصيان او ما يشبهه ، و " وجهة " بمعنى مهمة او مأمورية ، و " مادة " بمعنى امر او مسألة او قضية الخ . .
فقاموس اللهجة الدارجة التونسية ماعون ضروري لاعمال التأليف والترجمة والنشر ، وهو مقدم على العناية بالمسرحيات التونسية التى لم تكتب بعد ، وعلى القصص التونسية التى ترجى كتابتها فى المستقبل .
وفي الكتاب عشرات من اسماء المؤسسات المحلية القديمة والرتب الادارية والالقاب العسكرية والبحرية والتجارية محرفة عن اصولها التركية والايطالية والفرنسية والقاب شرفية انكليزية يستعملها المؤلف استعمال اسماء الاعلام . كل هذا ينتظر تصحيحه فى " طبعة علمية مضبوطة محققة "
وفي الكتاب اشارات الى عادات وتقاليد تونسية يشرحها المؤلف بقوله : " وهى معروفة " او يتركها بدون شرح ، وهى من الاشياء ، التى صارت غير معروفة عندنا اليوم وتحتاج الى الشرح . فجمع المواد اللازمة لوضع قاموس للعادات والتقاليد التونسية هو من المواعين الضرورية لاعمال التأليف والترجمة والنشر وليس مجرد تقليد للمصريين والسوريين .
وفى الكتاب عدد من الامثال العامية يقدمها المؤلف بقوله : " يقال عند العامة ثم يحاول تقريبا من لغة الكتابة فيفسدها أحيانا ؛ ولا سبيل ، الى تحقيق ذلك الا بالرجوع الى مطول فى الامثال العامية التونسية وهو غير موجود . والاصول المتعمدة من تاريخ ابن ابى الضياف كتبها نساخ معرفتهم بعلم الرسم هى معرفة اولاد الكتاب او طلبة جامع الزيتونة فى السنوات الاولى . يكتبون قاض قضات ووال ولات كما يكتبون ثقة ثقات وصلة صلات و " بعد وفات ابيه " و " قد ظل الطريق " و " استيقض عند الضحا " و " تفيأ ضل الخلافة " . وكثيرا ما يتفق الاصلان او الثلاثة اصول على زيادة الالف في ندعو " ونحن ندعوا الله " و " تياتروا " و " باردوا " و " موسكوا " قياسا على دخلوا وخرجوا . فاذا كانت الجملة خطها غير واضح وقرائتها غير كافية فان الاحتملات تكثر والترجيح يصعب
ثم ان المؤلف - مثل اكثر معاصريه - لا يعترف بالفاصلة ولايؤمن بعلامة الوقف ويصل بين اقسام الكلام الطويل بحروف العطف مع الاكثار من الجمل المعترضة وتكرار الضمائر عوض ذكر اسماء الاشخاص ، يحدثك فى ثلاث صفحات عن حوار دار بين اربعة اشخاص ويقول فى آخر الصفحة الثالثة : " ويسأله . . فاجابه . فتختلط عليك الضمائر ويصعب عليك تعيين السائل والمجيب وتعيد قراءة الصفحات الثلاث فيتضح لك الامر احيانا ويبقى موضع شك احيانا اخرى .
للاسباب المذكورة . ولغيرها مما يطول شرحه - لم يكن من الممكن اخراج " طبعة علمية محققة مضبوطة " فى مدة سنتين .
اما مسألة ابراز " شخصيتنا الثقافية " بتأليف اللجان ورصد الاعتمادات الخ فهي من المسائل التي يحسن ان يعتبر فيها رأي الذين عالجوا هذه المواضيع الى جانب آراء الذين لم يعالجوها بعد .

