الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

حول التجارة ..، والاستيراد

Share

بين مواضيع العدد الفائت من "المنهل" الاغر، وقفت طويلا .. عند الموضوع الذي طرقه الأستاذ عبد الله عريف، حول التجارة والاستيراد فى بلادنا، لا لأن هذا الموضوع بالذات، قد شغلنى بالكتابة فيه يوما ما .. ولا لأنه يكاد يكون فى نظري موضوع المواضيع بين سائر مواضيعنا الحيوية ! وانما وقفت عند مقال الأستاذ عريف لأنه اشتمل على نظرات صائبة ، ما اجدرنا ان نتأملها جيدا ، وان نفكر فيها جميعا ، وان يفكر فيها المسؤولون ، ويجعلوها محل عنايتهم ودراستهم العاجلة ، بحيث تؤدى هذه الدراسية إلى نتائج ايجابية عملية ، فلا تكون مجرد كلام فحسب .. او مجرد أفكار وتمنيات !!

فما اكثر ما كتب الكاتبون ، وما اكثر ما اداروا البحث فى هذا الموضوع ، وما اكثر ما اتعبوا انفسهم على غير جدوى ! بل ان الغرفة التجارية فى مكة - فيما اذكر - كثيرا ما اشارت الى هذه الناحية الحساسة ! ولكن .. ولكن حتى الذى اشارت اليه الغرفة التجارية فى هذا الموضوع - بالرغم من انها جهة اختصاص ، ولها شئ من السلطة - لم يتجاوز حتى الآن - مع الأسف الشديد - دائرة القول والتفكير ..

وأشهد أن ما قاله الاستاذ عبد الله عريف عن التجارة فى بلادنا .. من أنه لا أسلوب لها ، ولا ضمير .. تعبير قاس جدا ، ومؤلم جدا ، ولكن ؛ اليست هذه هي الحقيقة المرة ؟ فمن الذى يكابر فى ذلك ؟ ومن الذى ينكر ان غالبية هؤلاء التجار - مع احترامنا لبعضهم - لا يبالون بأى شئ اسمه ضمير ... ان الضمير شئ لا قيمة له بالمرة حينما تأتى مسألة تقدير "الربح" فاقل ما يجب ان

يكون هذا الربح خمسين فى المائة - وهذا هو مايراه الاستاذ عريف - ولكن الواقع انه فى كثير من الأحيان تتجاوز هذه النسبة ضعفها ، او ضعفيها ... ولسان حال التاجر المحترم ، فى مثل هذا الموقف الرهيب : " انا وبعدى الطوفان !! "

تلك احدى النواحي الخطيرة فى تجارة بلادنا ، وانا لا أشك فى انها ناحية صعبة العلاج .. لأن المسألة هنا بطبيعة الحال مسألة ضمير . واوشك ان أقول انها مسألة دين ايضا .. والدين - كما نعلم - لم يترك شيئا من الاشياء بدون قيود واحكام ، وحينما (احل الله البيع وحرم الربا) وضع لهذا البيع قيودا واحكاما ، لعل من أهمها عدم السماح بالمغالاة فى الربح ، وحظر الإحتكار .. فاذا لم يكن للتاجر فى حساب الدين ، وفى حساب الضمير ، رصيد .. فلا عتاب ولاملامة !

وناحية خطيرة اخرى ، اشار اليها الأستاذ عريف فى مقاله ، الذى ارجو ان يكون له أثره ، لدى من يستطيعون وحدهم علاج هذا الداء المستشرى وتلك هي ما اسماه الكاتب الأديب : " فقدان الأسلوب ! " وهو ما اراه وحده دون سواه ، سر هذه الفوضى ؛ لأن فقدان الأسلوب فى تجارة بلادنا ، أدى الى أمرين كلاهما شر من الآخر .. الاول عدم مراعاة ما تحتاجه البلاد من البضائع المستوردة ، وطغيان الكماليات على الضروريات ، بصورة تدعو الى الكثير من الحسرة والدهشة والاستغراب ..

هذا فى حين ان روح العصر اصبحت تملى على كل الشعوب وجوب الحرص على تدعيم ما يسمونه "الاقتصاد القومى" وفى مقدمة الوسائل لهذا التدعيم : " الا كثار من الصادرات ، و"التقليل من الواردات" ثم "تحريم استيراد الكماليات " .

وكان من الاسباب التى حملت حكومة كحكومة الباكستان ، وبعض حكومات أوربية وشرقية اخرى ، كان من الاسباب التى حملت كل هذه الحكومات على تحريم دخول صناعة (الكوكاكولا) الى بلدانها ، انها ليست ضرورية ، وأن فى تحريمها حفظا لثروات المواطنين من ان تتسرب الى خارج البلاد .

وثاني الامرين اللذين أدى اليهما فقدان الاسلوب فى تجارة بلادنا - على حسب تعبير الاستاذ عريف - هو عدم التخصص فى الاستيراد .. فكل من يحمل صفة تاجر ، يرى أن يتاجر فى كل شئ ... فتاجر الاقمشة أو الخردوات لا يرى مانعا من أن يتاجر في أصناف بعيدة كل البعد عن أن تنسجم مع الاقمشة أو الخردوات .. والا فما هي العلاقة بين الاقمشة والخردوات وبين السيارات ؟ ! وقس على هذا تاجر الحبوب ؛ وتاجر البقالة ؛ فكل منهما أصبح لا يرى محظورا من أن يستورد نوعا من أنواع القماش ، أو نوعا من أنواع أجهزة الراديو ، أو نوعا من السيارات ما دامت المسألة قد آلت الى هذا المصير من الفوضى التجارية !

والشر الذي ينشأ من هذه الحالة - أو من هذه اللاحالة .. على اصح تعبير - لا شك أنه من أعظم الشرور .. لان أولى نتائجه الفوضى - وقد حدثت فعلا - وماذا بعد الفوضى - ونعوذ بالله - الا الخسار والانهيار !

وقد توجه صديقنا الاستاذ عريف الى الغرفة التجارية فى مكة وجدة ، على اعتبار انهما هما الصيدلية المختصة لايجاد الدواء الناجع لهذا المرض التجارى وحسنا فعل . وانا بدورى أقول أنه بامكان هاتين الغرفتين أن تعقدا مؤتمرا بالاشتراك مع جميع أصحاب الخبرة والرأىء والمران من تجار المملكة ؛ لاجل بحث هذا الموضوع من كافة نواحيه ، ولا بأس من الاستعانة ببعض الخبراء الاقتصاديين - اذا دعت الحاجة - أو الاطلاع على بعض النظم والاساليب المتبعة لعلاج أمثال هذه المشكلة فى خارج المملكة .. وليس مستحيلا بعد هذا ، أن يهتدى المؤتمرون الى رسم الخطة ؛ لايجاد سياسة تجارية شاملة يكون من أهم أهدافها تحديد أنواع من الكماليات للاستيراد ؛ ثم تحديد مقاديرها سنويا ، ثم تقرير وجوب تخصص كل تاجر فى نوع معين من أنواع الواردات ، وبذلك يتفادى التجار أنفسهم - قبل كل احد - ما هو واقع حاليا من الضرر من جراء فقدان التخصص ، ويصبح لتجارتنا كيان ثابت محترم . موطد الدعائم ، أساسه معرفة وخبره ومران .. ثم احاطة بما يمكن أن يصلح للبلد من أنواع الواردات ، وما يمكن أن يروج فيها أو لا يروج ..

هذا ما عن لى أن أبديه ، بعد أن طالعت مقال الاستاذ عبد الله عريف وكنت أود أن أشير بهذه المناسبة إلى ناحية اخرى لعلها أهم جوانب هذا الموضوع ، وتلك هي ناحية الصادرات .. فالمعروف أنه لا تجارة اذا لم تكن صادرات .. أما أن تكون التجارة تجارة استيراد وكفى . . كما هو واقع تجارتنا فهو شئ لا اعرف بماذا أسميه .. ولكنى رأيت أن العدول عن البعث فى هذه الناحية الاخيرة أولى وأجدى . والسبب اني اعتبره - فى هذه الآونة على الاقل - بحثا غير ذى موضوع !

وكل ما نرجوه وان نسمع شيئا عمليا ايجابيا ، فى القريب العاجل ان شاء الله عن هذا الموضوع القديم المعاد .. حقق الله الآمال .

اشترك في نشرتنا البريدية