الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

حول التراث العربي بتونس، فى مائة عام (*)

Share

تمهيد :

في تاريخ تونس بل والمغرب العربى تراث حافل بالابتكار والنبوغ ملئ بشتى الوان المعرفة ومختلف الرجال الذين صبوا عبقريتهم وحياتهم فى مؤلفات فائقة فى العلم والفلسفة وفي التاريخ والادب على اختلاف ضروبه والوانه .

وكثيرون هي الذين يجهلون تماما الجهود العظيمة والمساهمات الكبيرة التى بذلها ابناء المغرب العربي في حقول الحضارة الاسلامية والثقافة العربية ، منا ظهر الاسلام كعامل حاسم في حياة وتفكير شعوب المغرب العربى ، هذا فضلا عن جهودهم في تراث وحضارات ما قبل الاسلام .

وجهود ابناء الشمال الافريقي هذه لا تقل اهمية ولا مكانة او قيمة عن جهود ابناء الشرق العربي سواء فى الفلسفة او فى الادب او فى غيرهما من حقول المعرفة الانسانية . غير ان ابناء الشرق المعاصرين قد نهضوا باعباء الواجب نحو تراثهم الفكرى والحضارى ونحو الرجال الجهيرين من اسلافهم ممن اسهموا فى بناء التراث وتقدم الحضارة ، ثم لم يقفوا عند حد جهودهم الخاصة بل اضافوا اليها ما ترجموه من جهود الغربيين وخاصة المستشرقين الذين لم يبذل حبل من احبال العرب الاحياء ما بذلوه فى احياء التراث العربى الاسلامى وتدعيمه بالدراسات والبحوث المتصلة المستوعبة لكل جانب وحقل من جوانب وحقول الثقافة والحضارة العربية الاسلامية .

وبالطبع فان جهود المستشرقين لم تكن خاصة بالجانب الشرقى من تراث لعرب بل كانت شاملة تراثهم فى المغرب العربى وصقلية والاندلس باعتبارهما متدادا للثقافة والحضارة العربية الاسلامية فى عصور طويلة معروفة .

ولا أبالغ ان قلت : ان جهود المستشرقين الفرنسيين والطليان والاسبان تكاد تنحصر فى الجناح الغربي من العالم العربي بما كان يتبعه قديما من الجزر والضفاف الاوروبية ، وذلك لاسباب تاريخية وجغرافية وسياسية معلومة .

وقد اعتنت المؤسسات التجارية والثقافية فى الشرق كما اعتنى الاشخاص المثقفون بحهود المستشرقين على اختلاف لغاتهم واتجاهاتهم ، فنقلوا الى اللغة العربية ذخائر كثيرة من جهود المستشرقين خاصة منها ما كتبه الانقليز والفرنسيون والالمان ، وبدرجة اقل ما كتبه الاسبان والطليان .

غير ان ما نقل من جهود المستشرقين قد كان اكثره ، اما عاما بالحضارة الثقافة الاسلامية العربية او خاصا بجانب من جوانبها فى الشرق . وباستثناء عدد قليل من الكتب والمترجمين المعنيين بتراث المغرب العربى ، مثل الاستاذ محمد عبد الله عنان والدكتور حسين مؤنس والدكتور احسان عباس ... فان معظم الكتب المترجمة ليست لها علاقة بتراث المغرب العربى وتاريخه اولها علاقة عامة ذات نطاق ضيق محدود .

ومما يلاحظ هنا ان كثيرا من الكتب المترجمة فى الشرق - لا سيما تلك التى يتولاها مترجمون محترفون - تأتى فيها الحقائق مشوهة أو مبتورة أو محرفة ، وقلما يتفطن لها المترجم المشرقى لان معلوماته وخبرته بتاريخ المغرب وجغرافيته وتاثه ورجاله محدودة جدا .

وما يقال عن الكتب المترجمة يقال ايضا عن الكتب المؤلفة فى الشرق حول تاريخنا وثقافتنا واعلامنا في كل حقل وفي كل ميدان . فكثير من هذه الكتب محشو بالاخطاء والتشوبه ، ومملوء بالاحكام المرتجلة والآراء المخطئة . ولئن كان البعض تعوزه البضاعة والخبرة اللازمة لموضوعه ولا يستند الى مراجع ومصادر كافية ، فان البعض الآخر تتوفر لديه - بحكم موضوعه او تخصصه - كل الامكانيات ، ومع ذلك فهو يميل الى السرعة والارتجال اكثر من ميله الى العقل والعلم وامانة البحث والدرس .

والواقع اننا بقدر ما نعتب على هؤلاء عدم تحريهم للحقائق وارتجال الآراء والاحكام ، وميلهم مع الهوى احيانا ، بقدر ما نلوم انفسنا - نحن ابناء هذه البلاد - لما نحن عليه من تقاعس واهمال وعزوف عن البحث والتاليف ، لاظهار محاسن ماضينا وذخائره وكنوزه ، وما كان فيه من اعلام افذاذ فى كل فن وفى كل علم .

نعم . لقد بذلنا جهودا كثيرة ، ومحاولات عديدة منذ منتصف القرن الماضى الى اليوم .

ولكننا حين نستعرض جهود اقطارنا المغربية الاربعة ، فى ميدان نشر التراث والترجمة ، ونقارن بين ما انجزناه فعلا وبين ما نطمح اليه ، او بينها وبين امكانياتنا الحقيقية ، او بينها وبين ما يملأ مكتباتنا المغربية والمكتبات العالمية من آلاف مؤلفة من كتب التراث او كتب ألفها الاجانب عنا وعن تاريخنا وحضارتنا وترائنا ايضا ... ندرك أننا ما زلنا بعيدين جدا عن اهدافنا المثلى وعن الغايات الواجب علينا تحقيقها .

لا شك ... ان عهد الاحتلال الاجنبى لاقطارنا ، وما كان يزخر به من اضطهاد وتنكيل وتجهيل ، ومن محاولات متصلة لمسخ شخصيتنا وصرف شبابنا ومثقفينا عن تراثهم وماضيهم ، بل وحتى عن لغتهم .. قد كان ذا اثر جهنمى فى تخريب كل الجهود وتثبيط كل الهمم وانصراف كل الطاقات الى المقاومة وتحرير الوطن ، مما جعل النهضة الفكرية - لا سيما فى ميدان نشر التراث ، ودراسته - امرا ثانويا يتحدث عنه الكثيرون لبعث الشعور القومى وزرع الاحساس الوطني اكثر من اى شئ آخر .

اذا كان هذا كله صحيحا ، وكانت له بالامس ظروفه القاهرة ، فان عهد الاستقلال والسيادة الوطنية ، يتيح لنا اليوم الفرصة كاملة فى كل اقطار المغرب العربى ، لا للاهتمام بتراثنا واحيائه فقط ، بل ولترجمة نفائس الكتب التى كتبت عن بلادنا وتاريخنا وتراثنا بالخصوص .

لقد جمعت - خلال السنوات القليلة الماضية - ما يقرب من مائة كتاب تناول فيها اصحابها الفيلسوف العظيم عبد الرحمن بن خلدون ، فلم يكن فى هذه المائة كتاب سوى ثلاثة او اربعة كتيبات مغربية ، عن هذا الرجل الذى ما فتح مغربى فمه الا افتخر به .

وجمعت مثل هذا العدد من كتب ودراسات عن شاعرنا الذى نكاد لا نفتخر بسواه ، اعنى أبو القاسم الشابي ، فلم يكن بينها ايضا سوى نسبة قليلة من الكتب المغربية .

اما اذا تجاوزنا هذا الستار العاجى الذى ضربناه حول عقولنا باسمى لشاب خلدون ، فاننا لا نجد اى شئ يذكر لا سيما فيما يتعلق بتراثنا واعلامنا السالفين .

والحق انه لولا جهود عدد من الرواد النشيطين الذين قاموا - اعتمادا على امكانياتهم الخاصة - بجهود عظيمة للغاية ، كل فى قطره وحسب ظروفه ، لولا جهود هؤلاء الرواد ، لما كان هناك شئ ذو اهمية على الاطلاق .

ويطيب لى هنا ، ان انوه بهؤلاء الرواد بل باهم الاسماء التى جاهدت جهاد الايطال من اجل احياء امجادنا العلمية وبعث كنوزها ، ونشر ذخائرها .

وفي طليعة هؤلاء البحاثة العلامة الاستاذ عبد الله كنون ، والمرحوم الدكتور محمد بن أبى شنب ، والمرحوم العلامة حسن حسنى عبد الوهاب ، والاستاذ الاديب على مصطفى المصرياتى (1) .

فهؤلاء بالذات قد قدموا جليل الخدمات وابرزوا النبوغ المغربى فى نفائس المخطوطات التى نشروها والدراسات القيمة التى كتبوها عن تراثنا وتاريخنا واعلامه الفائقين .

ولئن كان ابن أبى شنب غير متقيد بتراث الجزائر وحدها ولا بتراث المغاربة دون سواه ، فانه قد ترك من الآثار الهامة والمنشورات العالية ما كان به رائدا ومستحقا لكل تقدير واكبار ، وهو الى ذلك قد تميز عن رفاقه بكونه اضاف الى جهوده العربية الشاملة جهودا هائلة اخرى ، وهى تعريف المستشرقين والقراء الغربيين عامة ، بتراث العرب ، خاصة منهم المغاربة ، عن طريق الفرنسية التى نقل اليها كتبا كثيرة من تراثنا القديم .

والواقع ان ميدان التراث في حياتنا العلمية والادبية ، يشكو قلة الافراد المتخصصين فيه والمنصرفين بجهودهم اليه ، فبينما نجد الشعراء والادباء والفقهاء والعلماء بالعشرات ، نكاد لا نجد - فى ميدان التراث - الا افرادا بعدون باصابع اليد الواحدة في كل قطر من اقطارنا المغربية ، وهذا هو العامل المباشر فى قلة انتاج المغاربة فى هذا الحقل ، مع ان اكثر من نصف كتب التراث العربي في العالم كله هو انتاج مغربي ، سواء تم انتاجه فى ليبيا أو تونس أو الجزائر أو المغرب الاقصى أو الاندلس وصقلية فى عصورها الاسلامية .

ولست ممن يدعى الاختصاص او الدراية بهذا الميدان ، ولكن لدى بعض الملاحظات والمعلومات الخاصة بوضعية تراثنا فى تونس ، اردت ان انقلها الى حضراتكم ، لعل فيها ما يفيد ، وعلى الاخص لعلها تحرك الهمم الى الالتفات الجدى نحو تراثنا والعناية به وتوجيه انظار المثقفين والعلماء والمسؤولين عن الثقافة والتربية فى اقطارنا نحوه .

وقبل التوجه الى هؤلاء جميعا - والى حضراتكم - ببعض المقترحات او التوصيات ، ارى لزاما على ان اقدم لمحة خاطفة ونظرة عامة حول نشاط تونس وجهودها فى ميدان احياء التراث ونشره والعناية به ، قديما وحديثا ، منذ ظهرت فيها الطباعة العربية الى اليوم .

قامت فى تونس محاولات كثيرة ، فى الماضى والحاضر ، لاحياء التراث المغربى العربى وتحقيقه ونشره ، بعض هذه المحاولات كان رسميا ، تحت اشراف الدولة او برعايتها ، وبعض آخر كان محض جهود فردية قام بها علماء وادباء .. لئن كان اكثرهم غير متخصص ولا متدرب على طرق التحقيق والنشر الحديثة ، فان غيرتهم الوطنية ونزعتهم العلمية قد كانت الحافز الاعظم لهم على انجاز ما قاموا به من جهود .

الرائد الأول

وانه لواجب علينا - قبل كل شئ - ان نسجل هنا اسماء الرواد الاولين منهم ، تشريفا لهذه الكلمة ، وتخليدا لذكرهم .

واقدمهم دون جدال العلامة البحاثة والمصلح الجرىء سليمان الحرائري ، الذى كان اول تونسى استعمل المطبعة العربية الحجرية بتونس منذ عام 1849 مستعينا بصديقه وتلميذه الاب المستشرق فرنسوا بورقاد ( F . Bourgade ) فكان كتاب " مسامرات قرطاجنة " اول كتاب حديث طبع باللغة العربية فى تونس ، حسبما نعلم . ثم نشر الحرائرى بعد ذلك كتبا عديدة بالمطبعة العادية، اثناء هجرته واقامته بباريس ، نذكر منها ما له علاقة بالتراث ، حيث نشر بتحقيقه كتاب " قلائد العقيان " للفتح بن خاقان الاندلسي ، ومقامات أحمد بن المعظم وسيرة عنترة العبسى .

جماعة الرائد

وبينما كان سليمان الحرائرى يواصل عمله كاستاذ فى معهد اللغات الشرقية بباريس حتى وفاته بها عام 1877 كان علماء آخرون يواصلون فى تونس تحت اشراف الدولة التونسية ، وفي مطبعتها الرسمية - مطبعة الرائد التونسى التى احدثت عام 1860 - يواصلون طبع الكتب الحديثة وكتب التراث فى وقت واحد ، بهمة لا تكل وعزيمة لا تنى .

من هؤلاء الاعلام نذكر ، الشيخ محمد السنوسى الذى كان اول مدير تونسى بهذه المطبعة ، والشاعر محمود قيادو ، والشيخ محمد بيرم الخامس ، والشيخ محمد البشير التواتى ، والعلامة سالم بو حاجب .

وقد استمر نشاط هذه الحركة المباركة فى حماسة وانتظام وصعود ، حتى نكبت البلاد بالاحتلال الفرنسي يوم 12 ماى 1881 فاختل سيرها واخذت فى التراجع حتى توقفت تماما بنهاية العقد الاول من القرن الحالى .

وخلال هذه المدة تم نشر عشرات الكتب القديمة والحديثة ، على اختلاف احجامها وموضوعاتها ، ورغم ان طرق النشر والتحقيق الدقيقة العصرية كانت مفقودة فى اكثرها ، الا انها كانت طلائع نهضة جبارة لو أتييح لها ان تتواصل وتتفاعل مع مظاهر التقدم العلمي الحديث لغيرت كثيرا من مظاهر الحياة العلمية والفكرية فى تونس .

على اننا نؤكد بان عشرات الكتب التى انجزتها هذه الحركة المباركة ، قد كانت تظهر فيها عناية بالغة من الجد فى العمل ، والتثبت في المعلومات وتصحيح النص الى اقصى حد متيسر للمشرفين عليها ، وقد كان هؤلاء وغيرهم طليعة رائدة - من علماء وادباء - مثلوا بحق نهضة تونس فى القرن التاسع عشر احسن تمثيل .

ومما يلاحظ هنا ان مطبعة الرائد التونسى ، قد كان لها فى تونس نفس الدور - تقريبا - الذى كان لمطبعة بولاق فى مصر .

ومن المصادف الطريقة التى حدثت لكل من هاتين المطبعتين ، ان كلا منهما قد ساهم فى نشأتها وحركتها العلمية عالم اديب من علماء البلد الآخر :

فقد ساهمت تونس في حركة النشر لمطبعة بولاق باحد ابنائها من العلماء الافذاذ وهو الشيخ محمد بن عمر التونسي الذي كان من ابرز علماء عصر محمد على ، ومن كبار المساهمين فى منشورات مطبعة بولاق ، ترجمة وتصحيحا وتأليفا (2) .

كذلك كان احد ابناء مصر ، ومن ادبائها وعلمائها البارزين فى القرن الماضى ، من بين المشرفين والمساهمين فى نشاط مطبعة الرائد التونسى ، وخاصة فى تحرير جريدة الرائد ، وهو الشيخ حمزة فتح الله (3) .

ونعود الى منشورات مطبعة الرائد التونسي فنذكر ، باننا نستطيع ان نبوبها الى الابواب الكبرى التالية :

اولا - كتب دراسية ، او مدرسية - للتعليمين المدنى والعسكرى ، فمن النوع الاول كتاب ، متن الآجرومية ، ومتن ابن عاشر ، وعدة شروح على الآجرومية؛ منها شرح خالد الازهرى ، وشرح الماكودى ، ومختصر الدر الثمين للشيخ ميارة ، وحاشية على القطر وشرح الاربعين النووية ، ومنهج السالك الى الفية ابن مالك للشيخ الاشمونى ، الى غير ذلك من كتب سدت حاجة التعليم المدنى حسب برامج ذلك العصر .

واما فى التعليم العسكرى ، حيث كانت اكاديمية باردو الحربية تشرف على اكبر حركة فى الترجمة والتأليف العسكرى العلمي حدثت بتونس حتى الآن ، فقد تم طبع كتب كثيرة نذكر منها بالخصوص : كتاب " كنزفنون الضباط الصغار " لأحمد المورالى ، وكتاب " خدمة ضباط عسكر التريس " و " طابور عسكر " له ايضا .

ثانيا - كتب فى الفقه والحديث والعقائد : ونلاحظ سلفا ان بعض هذه الكتب كان مقررا ايضا للتعليم فى الزيتونة والمدرسة الصادقية ، فمماطبع خصيصا للصادقية ، كتاب عقيدة الامام السيوطي ، ومجموعة الاحاديث القضاعية . والمكودى على الآجرومية ، وشرح صغرى الصغرى للسنوسى الحسنى . ومما طبع للزيتونه ولعموم القراء : كتاب موطا الامام مالك ، وشرح الاربعين النووية ، وحاشية على قرة العين لشرح ورقات امام الحرمين ، مع الشرح المحشى للشيخ الحطاب .

ثالثا - كتب في اللغة والادب - شعرا ونثرا ، وهي ايضا نوعان حديثة لعاصرين ، وقديمة من التراث ، ونكتفى بذكر بعض اسماء النوع الثانى ، فمن ذلك ديوان حسان بن ثابت ، وكتاب خاص الخاص لأبى منصور الثعالبى ، والجزء الاول من عمدة ابن رشيق ، وقصيدة بانت سعاد .

رابعا - كتب تاريخية ، ونقتصر فيها على كتب التراث : ومنها كتاب المؤنس فى اخبار افريقية وتونس لابن أبى دينار ، والجزء الاول من الحلل السندسية فى الاخبار التونسية للشيخ الوزير السراج ، وتاريخ الدولتين للزركشى .

خامسا كتب فى السياسة والاصلاح والسلوك ، وسياسة الملك ، ومعظم هذه الكتب حديثة ، الا ان بعضها كان من التراث ، ككتاب " واسطة السلوك فى سياسة الملوك " للامير موسى أبى حمو الزيانى ، و " سلوان المطاع فى عدوان الاتباع " لابن ظفر الصقلى .

سادسا كتب فى الجغرافيا والفلك والتقاوىم ، ومعظم هذه الكتب

حديثة ، وهى كثيرة مثل النزهة الخيرية لحسن لازغلي ، والواسطة الى معرفة مالطة ، وكشف المخبا عن فنون اوروبا وهما لاحمد فارس الشدياق ، طبعتهما مطبعة الرائد اثناء اقامته بتونس واشرافه على تحرير جريدة الرائد ، حيث اعتنق الاسلام ، وتسمى بأحمد ، ثم اطلس فى الجغرافيا لمحمد بن حميدة ، والجوهر المرتب فى العمل بالربع المجيب للشيخ محمد المكى بن عزوز وهو فى الفلك ، ومن كتب الفلك القديمة كتاب المطلع فى الفلك للشيخ محمد بن سعيد السوسى ت . 1040 ه .

سابعا كتب فى التصوف ، ومن قديمها كتاب " مناقب الائمة الاربعة " للشيخ الحريفيش والشعرانى ، هذا فضلا عن مجموعات القوانين الاصلاح المختلفة ، وابرزها واهمها باطلاق قانون " عهد الامان " الذي هو اول قانون دستورى صدر فى العالم العربى بل والاسلامي ، وقد كان ضمن مجموع قوانين اخرى اول ما طبعته مطبعة الرائد من كتب ، وكان صدوره يوم العشرين من محرم عام 1274 ه . الموافق لليوم العاشر من شهر سبتمبر 1857 م . ، وتم طبعه عام 1277 ه . 1860 م . ، ويحتوى على مائة واربعة عشر فصلا او بندا (4) .

ومعلوم انه انبثق عن هذا الدستور مجلس نيابى سمى ( بمجلس الشورى الاكبر ) وقد تولت مطبعة الرائد طبع محاضر جلساته الاولى فى مجلد عام 1279 ه . 1862 م . (5) .

عهد الحماية

فى هذا العهد تغيرت الامور تماما منذ زحف الاحتلال على تونس يوم 12 ماى 1881 ، وفرض على البلاد كابوسه وطغيانه طيلة ثلاثة ارباع قرن ، وقد اصيب خلالها جهود الدولة التونسية ، ومواكب نهضتنا الفكرية بالخصوص ، أصيبت بانتكاسة كبيرة ، فاحتجبت بالتدريج ، وفق مخطط استعمارى ، جهود الدولة ورعايتها للحركة العلمية ، وخاصة فى ميدان الطبع والنشر واحياء التراث ، لا سيما وان مطبعة الرائد قد كانت هي المطبعة العربية الوحيدة بتونس حتى

عام 1887 حين ظهرت جريدة الحضارة وكونت لنفسها مطبعة خاصة بعد تجارب طبعها فى مطبعة الرائد وفي غيرها .

وبعد انقطاع النشاط الرسمى فى ميدان النشر واحياء التراث حلت محله جهود العلماء والادباء الخاصة ، التى تعاقبت دون كلل وفى تقدم مستمر رغم قوانين الاستعمار الجائرة وعراقيله المثبطة ، حتى طلع النور بفجر الاستقلال يوم مارس 1956 .

وفى خلال هذا الزمن الطويل من الحكم الاجنبى ، استطاعت جهود المناضلين والعاملين باخلاص في حقل الطبع والتاليف ، نشر مئات من الكتب المختلفة كما ضحى الكثيرون فى سبيل تحقيق نهضة الفكر والثقافة بتونس سواء عن طريق الصحافة او النشر او التعليم .

وهكذا زاد عدد المطابع العربية وارتفع مستواها الفنى ، كما اقتحم ميدان النشر بالخصوص أصحاب المكتبات التجارية والصحف الوطنية ، يحدو الجميع الروح العلمية والغيرة الوطنية ، دون اهتمام بالجانب التجارى او السعى وراء الربح .

ويمكننا ان نصنف العاملين فى ميدان نشر الكتاب بتونس خلال فترة الاحتلال الاجنبى الى :

أولا - الحكومة . ثانيا - اصحاب المكتبات والناشرون الهواة . ثالثا اصحاب المطابع والصحف . رابعا - العلماء والادباء الذين نشروا كتبهم على حسابهم الخاص .

اولا : الحكومة

فاما الحكومة ، فان نشاط المطبيعة الرسمية قد انقطع أو كل منزل : العقد الاول من القرن الحالى ، واقتصرت على طبع الرائد التونسي الذي انقطع هو الآخر عن نشر ما كان ينشره فى عهد نشأته الاولى من مقالات وقصائد واخبار ، واصبح جريدة رسمية خاصة بالقوانين والاوامر والبلاغات الرسمية ، كما ازدوجت لغته منذ عام 1882 فاصبح يصدر فى طبعتين عربية وفرنسية .

ومعظم الكتب التى طبعتها مطبعة الرائد فى هذا العهد قد كانت على حساب مؤلفيها او ناشريها الخواص .

وقد حاول بعض المستشرقين - وهو الأستاذ وليم فرسى - الاعتناء بالمخطوطات ونشرها ، فدعا الى تكوين لجنة تعنى بالتراث التونسى خاصة ، فتكونت بالفعل عام 1923 " اللجنة التونسية لنشر المخطوطات العربية " وضمت سبعة افراد برئاسته ، وكان من ابرز اعضائها العلامة المرحوم حسن حسنى عبد الوهاب وقد اختارت هذه اللجنة عشرين مخطوطا لتعمل على تحقيقها ونشرها تحت اشراف ادارة العلوم والمعارف في ذلك العهد . غير ان المشروع بقى يتعثر ، ولم يطبع منه سوى ثلاثة كتب احدها " آداب المعلمين " لمحمد بن سحنون وقد حققه ونشره على حسابه الخاص العلامة حسن حسنى عبد الوهاب (6) ، وطبع عام 1931 اما اعضاء اللجنة الآخرون فلم ينجزوا سوى كتابين هما : " رحلة التجانى " و " تخريج الدلالات السمعية " ولكن طبعهما وتحقيقهما واخراجهما كان على حالة مزرية ، وفي غاية النقص والخلل ، فحجبا عن الانظار ولم يقع عرضهما للبيع ابدا .

ثانيا : الناشرون الهواة

اما النوع الثانى ، اى اصحاب المكتبات والناشرون الهواة ، فمن اشهرهم اسما واكثرهم غيرة ونشاطا الاديب المرحوم الاستاذ زين العابدين السنوسى ، الذى اسس عددا من الصحف والمجلات وانشأ مطبعة ودارا للنشر تحت اسم " دار العرب " ويليه نشاطا وغيرة السيد الجيلانى الفلاح ثم السادة : صالح العسلى صاحب المكتبة العتيقة ، ومحمد الامين صاحب المكتبة العلمية ، والحاج محمد الثمينى صاحب مكتبة الاستقامة .

ولئن كانت جهود زين العابدين السنوسى متجهة اكثر ما يكون الى الانتاج الحديث حيث نشر - فيما نشره - ديوان مصطفى آغة وديوان الشاذلى خزنة دار ، وكتاب " العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية " للطاهر الحداد ، وكتاب الخيال الشعرى عند العرب " لأبي القاسم الشابى ، فى طبعته الاولى عام 1929 ، فان جهود معاصريه الآخرين ، قد كان فيها اهتمام خاص بكتب التراث ، وان لم تخل جهود زين العابدين من مساهمة فى احياء التراث ، فقد نشر كتيبا صغيرا عن الصيام لابن رشد ، وتولى طبع بعض كتب التراث لحساب غيره فى مطبعته ، مثل كتاب " ابن سحنون " السالف الذكر ، وكتاب " تاريخ الدولة الحفصية لابن الشماع " .

ونكتفي هنا بالنسبة للناشرين الآخرين بذكر بعض كتب التراث التى تولى نشرها محمد الامين الكتب : وفي مقدمتها كتاب " لباب اللباب " لابن راشد القفصى " ، وكتاب " الهبة والعطا فى شرح عقيدة الوسطى " لابى اسحاق الاندلسي ، و القوانين الفقهية " لابن جزى ، و " تنقيح الفصول فى الاصول " للقرافى ، و " ذيل بشائر اهل الايمان " فى تراجم العلماء التونسيين ، لحسين خوجة .

ثالثا : المطابع والصحف

اما اصحاب المطابع ، فنكتفى بذكر المطبعة التونسية ، ومطبعة التقدم ، ومطبعة النهضة واهم هذه المطابع دون ريب ، هي المطبعة التونسية التى قامت بدور عظيم للغاية في طبع الكتب والصحف طيلة نصف قرن ، وحلت بذلك محل مطبعة الرائد ، ومن اهم مطبوعاتها في باب التراث العربي : كتاب * معالم الايمان فى معرفة اهل القيروان " لعبد الرحمن الدباغ وهو يقع فى اربعة اجزاء ، و " عنوان الاريب عما نشا فى تونس من عالم اديب " للشيخ محمد النيفر ، " ومعالم التوحيد فى القديم والجديد " لمحمد بلخوجة ، و " شهيرات التونسيات " لحسن حسنى عبد الوهاب ، والكتب الثلاثة الاخيرة لمؤلفين حديثين ، غير ان موضوعها من صميم تراثنا وتاريخنا الثقافي القديم .

اما مطبعة التقدم فقد كان يديرها الصحفى والمناضل الوطني المرحوم البشير الفورتى ، الذى تولى طبع وتصحيح كتاب " الحلل الموشية " فى الاخبار المراكشية " وقد نسب خطأ الى لسان الدين ابن الخطيب .

ونعود الى الصحف والدوريات ، فنذكر ان اكثرها اهتماما وعناية بالتراث ، هى صحف " الحاضرة " و " الوزير " و " الزمان " ثم مجلات " البدر " و الفجر " و " العالم الادبي " و " المباحث و اثريا " .. ففى كثير من اعداد هذه الدوريات مسلسلات متنوعة ، بعضها مخطوطات محققة ، وبعضها الآخر دراسات مدققة تتصل بتاريخنا السياسى او الثقافى بوجه عام . ولو استخرجت هذه المسلسلات اليوم واعيد طبعها مستقلة ، لكونت عشرات الكتب . وقد قمت عام 1961 بتجربة ناجحة فاشرفت على جمع مسلسلة ( على الدوعاجى ) " جولة بين حانات البحر المتوسط " و " ومذكرات منفى " لمحمود ب بيرم التونسي ، وتولت نشرهما كتابين الشركة القومية للنشر والتوزيع .

وهذا بالضبط ما كانت تقوم به مجلاتنا وجرائدنا القديمة ، ومن هذا القبيل القسم الخاص من جغرافية افريقية والاندلس ، الذى نشرته مجلة البدر تباعا

ثم فصلته في كتاب مستقل ، وقد استخرجه العلامة حسن حسنى عبد الوهاب من كتاب " مسالك الإبصار " للعمرى وعلق عليه تعليقات ضافية .

كذلك فعلت جريدة " النديم " فى كتاب " قرطاجنة في اربعة عصور " للاستاذ أحمد توفيق المدني ، ومثل هذا فعلته مجلة المباحث بكتاب " ثورة الفكر أو مشكلة المعرفة عند الغزالي " للزعيم المرحوم الاستاذ على البلهوان الذى نشر كثيرا من فصوله فى المباحث ثم تولت هي طبعه فى كتاب مستقل ، فكان باكورة منشوراتها .

ومن المفيد ان نذكر هنا ، ان هذه المجلة قد فتحت صفحاتها لاقلام المغاربة جميعا ، مثلها فى هذا مثل كل الصحف التونسية السابقة واللاحقة ، الا انها قد تميزت عن غيرها بشئ جديد ، وهو رصدها جوائز مالية سنوية للكتاب والباحثين فى المغرب العربى ، وفعلا فان اولى جوائزها قد كانت من نصيب مؤلف من المغرب الاقصى هو الاستاذ محمد الرشيد ملين عن كتابه " عصر المنصور الموحد فحبذا ان تتجدد مثل هذه المشاريع والمبادرات التى تهدف الى تحقيق الوحدة الفكرية والثقافية بين اقطار وابناء المغرب العربى ، بل وان تكون على نطاق اوسع واعمق ، تمهيدا وتدعيما لبناء الوحدة المغربية الشاملة .

رابعا : العلماء والأدباء

وننهى هذه الجولة حول تراثنا فى تونس بالحديث عن نشاط بعض العلماء والادباء ، الذين كانوا يعتمدون على انفسهم فى نشر مؤلفاتهم الحديثة او نشر كتب التراث التى قاموا بتحقيقها .

ورغم كثرة هؤلاء فى ميدان المؤلفات الحديثة كالشاعر سعيد أبى بكر ، والشيخ محمد العربى القروى ، والشاعر صالح السويسي ، والمؤرخ أحمد نوفيق المدني ، والبحاثة محمد بن الخوجة ، والرحالة محمد المقداد الورتانى ، والاديب محمد المرزوقي ، والشاعر منور صماح ، فان باب التراث كان ضئيل الحظ جدا .

ولا شك ان ابرز الاسماء واهمها هو الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب ، الذي يعتبر الرائد الاول للبحث الحديث فى خصوص الحضارة الاسلامية بتونس ونشر التراث العربي بها ؛ فأول كتاب طبع له كان عام 1905 ، وآخر كتاب كان فى عام 1968 ، وبين هذين التاريخين نشر بالعربية والفرنسية عشرات الكتب والابحاث المتصلة بالتراث التونسى خاصة ، والمغربي عموما .

وسأكتفى هنا بذكر الاسماء البارزة من كتب التراث التى نشرها ، والكتب ذات العلاقة الوثيقة به .

فمن النوع الاول :

القسم الافريقي من كتاب " اعمال الاعلام " لابن الخطيب ، طبع في بلرمو بصقلية عام 1910 .

2 - " رسائل الانتقاد " لابن شرف القيرواني ، ط 1911 . 3 - " آداب المعلمين " لمحمد بن سحنون ، ط 1931 . 4 - " رحلة التجانى " ، ط 1958 . 5 - " وصف افريقية والاندلس " ، من كتاب المسالك للعمرى ، ط 1921 .

6 - " الجمائة فى ازالة الرطانة " ، ( فى لهجة اهل الاندلس لمؤلف مجهول ) ، ط 1953 .

7 - " التبصر بالتجارة " للجاحظ ، ط 1932 و 6619 . 8 - " كتاب يفعول " للصاغانى ، ط 1924 . 9 - " ملقى السبيل " للمعرى ، ط 1911 .

ومن النوع الثانى :

1 - " بساط العقيق فى حضارة القيروان وشاعرها ابن رشيق " ط 1911 . 2 - " الامام المازرى " ط 1955 . 3 - " مجمل تاريخ الادب التونسي " ط 1968 . 4 - " شهيرات التونسيات " ط 1934 و 1966 . 5 - " ورقات عن الحضارة العربية بافريقية " - جزآن ، ط 1965 و 1966 .

عهد الاستقلال الحديث

وهذه الكتب الثلاثة الاخيرة قد صدرت مع رحلة التجانس فى عهد الاستقلال ، وهذا يدعونا الى ان نختم جولتنا بعرض ما تم انجازه فى عهد الاستقلال ، من مشاريع وكتب تتصل بتراثنا تحقيقا ونشرا . مع الملاحظة بان السنوات الخمس الاولى من الاستقلال قد انصرفت فيها كل الجهود الى تجسيم مظاهر الاستقلال وتحقيق الجلاء ، وهذا ما جعل النشاط الرسمى فى ميدان احياء التراث يتأخر بعض الشئ ، غير ان تدارك ذلك قد وقع بالتدريج فى السنوات اللاحقة ؛ فقد ظهرت باكورة انتاج وزارة الثقافة عام 63 ، بنشرها تباعا كتاب " اتحاف اهل الزمان باخبار ملوك تونس وعهد الامان " لاحمد بن أبى الضياف فى ثمانية اجزاء ، وهناك كتب اخرى اصدرها ( المعهد القومى للآثار ) قبل هذا التاريخ ، اى بين اعوام 57 - 1962 حين كان

يديره العلامة المرحوم حسن حسنى عبد الوهاب ؛ فقد نشر المعهد المذكور مجموعة من الكتب ، عربية وفرنسية ، من اهمها " رحلة التجانى " و " مؤنس الاحبة فى اخبار جربة " المنسوب لمحمد أبو رأس الجربى ، وكتاب عن " نقائش القرجانى " وآخر عن " نقائش المنستير " .

وابتداء من عام 1965 اناطت وزارة الثقافة بتونس مهمة نشر التراث الى الدار التونسية للنشر ، فاصدرت حتى الآن الكتب التالية :

1 - الجزء الاول من " القسم المغربي من خريدة القصر " للعماد الاصفهانى . 2 - " الفارسية فى مبادئ الدولة الحفصية " لابن القنفذ . 3 - " الواضح فى مشكلات شعر المتنبى " لأبى القاسم الاصفهانى . 4 - " سياسة الصبيان " للطبيب أحمد بن الجزار القيروانى . 5 - " طبقات علماء افريقية وتونس " لأبى العرب .

ولديها الآن عدد اكبر من كتب التراب تحت الطبع او بصدد التحقيق نذكر منها :

1 " رحلة ابن رشيد " . 2 - " المجالس والمسايرات " للقاضى النعمان . 3 - " الجزء الثاني من القسم المغربى من خريدة القصر " . 4 - الجزء الثاني والعشرون من " نهاية الأرب " للنويرى وهو خاص بافريقية والمغرب . 5 - " كتاب السماع " للتيفاشى .

اما الناشرون الخواص بثونس فقد نشروا خلال السنوات الخمس الماضية كتبا اخرى من التراث ، اهمها ما نشرته مكتبة المنار وهو :

1 - " اشعار أبى الحسن على الحصرى " للشاعر القيروانى الضرير . 2 - " جيش التوشيح " لابن الخطيب . 3 - " ورقات عن الحضارة العربية بافريقية " لحسن حسنى عبد الوهاب ، الجزآن الاول والثاني ، وهى الآن تهئ الجزء الثالث ، وكتبا اخرى للمؤلف نفسه .

كذلك تضرب المكتبة العتيقة بتونس ، اربعة كتب من تراث تونس والاندلس ، وهى :

1 - " تاريخ الدولتين " للزركشى . 2 - " قلائد العقيان " للفتح بن خاقان الاندلسى . 3 - " المؤنس فى اخبار افريقية وتونس " لابن أبى دينار . 4 - " فهرست الشيخ الرصاع " .

الا ان طبع واخراج هذه الكتب كان رديئا للغاية ، ومحشوا بالاخطاء المطبعية ، كما رتبت فيها الفهارس بطريقة غير علمية . مع العلم بان الكتب الثلاثة الاولى قد سبق طبعها فى تونس او باريس بعناية افضل وطبع أليق وأتقن .

ونشرت دار الكتب الشرقية كتاب " منهاج البلغاء " لحازم القرطاجنى ، وهو من تحقيق الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة .

ونضيف الى هذا كله نشاط بعض المحققين التونسيين الذين ساهموا فى خدمة التراث العربى عامة والمغربى بوجه خاص ، سواء بتحقيق الكتب او بوضع الابحاث والفهارس حولها .

ومن ابرز العاملين فى هذا النشاط الاستاذ ابراهيم شبوح ، الذى نشر حتى الآن ، المجموعة التالية من كتب التراث او من الفهارس والبحوث حولها :

1 - الجزء الاول من " معالم الايمان فى معرفة اهل القيروان " للدباغ . 2 - " برنامج شيوخ الرعينى الاشبيلى " . 3 - " فهرس كتب الطب المصورة فى معهد المخطوطات العربية بالقاهرة " . 4 - " سجل قديم لمكتبة جامع القيروان " .

هذه لمحة عن وضعية تراثنا تحقيقا ونشرا فى عهد الاستقلال ، ولم نتعرض الى عشرات الكتب الحديثة التى طبعت في السنوات العشر الماضية ، اذ لا صلة لها بموضوعنا ، كما اننا لم نتقص كل كتاب طبع ، بل غرضنا اعطاء صورة عامة .

خطوات نحو المستقبل

ونود فى النهاية ان نختم هذه الجولة باستكمال جوانب اخرى تتصل بالتراث وذات اهمية قصوى للباحثين والمهتمين به .

واول هذه الجوانب ، ان تراث تونس بل المغرب العربى كافة - بما فيه تراث اجدادنا فى الاندلس وصقلية - لا يزال مشتتا فى جميع انحاء العالم ،

وان الشان يدعو ان تنهض الحكومات المغربية ، منفردة او مجتمعة ، الى جمعه بواسطة الشراء او التصوير ، وهذا يقتضى ايجاد مركز مشترك ، او معهد خاص ، يضم نفائس تراثنا ، ويحتوى على مصور لكل مخطوط مهما كان حجمه وكانت اهميته .

وقد بدأت تونس خطوة اولى نحو هذه الغاية ، حيث صدر امر جمهورى فى العام الماضي يقضى بلم شتات المخطوطات المفرقة فى الجوامع والمكتبات الحكومية والزوايا لتجمع في مكان واحد ، هو الآن دار الكتب الوطنية ، التى ينتظر أن تضم زهاء اربعين ألف مخطوط .

غير اننا نلاحظ ان القانون - او الامر الجمهورى - لم يتعرض بشئ لمكتبات لخواص ، لهذا فان الشأن يدعو ايضا ان اصدار امر آخر يحمي تراثنا ووثائقنا القومية ، بحيث يمنع الافراد المالكون لها من بيعها الى الاجانب او تحويلها الى جهة اخرى دون علم السلط المعنية .

كذلك ينبغي ان ينص هذا القانون علاجة الفرصة امام الباحثين للاستفادة مما يملكه الخواص من وثائق ومخطوطات ، وهذا لا يكون الا بعد نصويرها او تسجيلها لدى المؤسسات المعنية .

ويطيب لى هنا ان انوه بوجه خاص بالجهود التى بذلها الاشقاء فى المغرب الاقصى لا سيما فى جمع التراث وفهرسته والتعريف به فى المجلات ، والعمل على تحقيق عيونه ونشرها بين الناس .

توصيات مقترحة

واننى اقترح بهذه المناسبة ان نخرج من هذا المؤتمر بتوصيات خاصة بالتراث ، منها :

1) الدعوة الى عقد ملتقى يضم المعنيين بالتراث والمتخصصين فيه والمشتغلين به .

2) حث الحكومات المغربية على زيادة العناية به ، سواء بجمعه او نشره او التعريف به ، او تشجيع المنقطعين الى خدمته .

3) العمل السريع عل وضع الفهارس العلمية للخزائن والمكتبات الموجودة حاليا . وطبعها ونشرها للناس .

4) توفير جميع الوسائل العلمية والتسهيلات والمساعدات اللازمة لكل الباحثين الجادين ، سواء فى هذا المركز المقترح او فى كل قطر على حدة ، مثل جمع الفهارس الخاصة بالمخطوطات العربية ، واحضار مصورات الكتب المطلوبة ، وتصوير ما يطلبه الباحثون بايسر التكاليف ، واسرع مدة ممكنة .

5 ) ضرورة قيام تعاون متين بين الافراد والمؤسسات الجامعية والعلمية المعنية بامر التراث ، وتبادل الخبرات والوثائق والانتاج والباحثين .

6 ) ضرورة الاعلان مسبقا من طرف الباحثين المغاربة - سواء بواسطة الصحافة والمجلات الجامعية او غيرها عما يعتزم كل باحث تحقيقه ، حتى لا تضيع الجهود المتعددة فى كتاب واحد ، كما حدث مثلا فى كتاب المدارك للقاضى عياض ، حيث اشتغل به ثلاثة افراد فى وقت واحد تقريبا ، وهكذا صدرت طبعته كاملة مع الفهارس منذ عام (7) ، بينما يوالى آخرون نشره فى المغرب . ولم يتجاوزوا بعد ثلث الكتاب ، اما الجهة الثالثة فقد امسكت عن العمل لاسباب قد لا يكون بينها العلم بصدوره . ومثل هذا حدث ايضا فى كتاب " سياسة الصبيان " لابن الجزار ، حيث انصرف الى تحقيقه استاذ تونسى فى حين كان غيره قد فرغ من تحقيقه وقدمه للطبع .

وبصرف النظر عن المبررات التى قد يقدمها اللاحقون فى العمل المسبوق ، فاننا نقصد - فى الواقع - الى شىء آخر اكثر جدية وفائدة وهو ان اهل الاختصاص والخبرة والاهتمام بخدمة التراث وتحقيقه وممارسة قليلون جدا فى كل المغرب العربى ، ومن هنا وجب الاقتصاد فى الجهود وصرفها اولا وبالذات الى كل جديد ، والى كل كتاب بكر لم يعن به احد ، وبذلك نجتنب التكرار فى العمل ، وتبذير امكانياتنا القليلة فى هذا الميدان ، بحيث لا يعتنى بكتاب واحد الا شخص واحد ، وهذا لا يكون الا بالاعلان المسبق عن كل كتاب يرغب باحث او محقق فى الاهتمام به ونشره بين الناس .

وهذا الاتجاه ، فضلا عن كونه يحفظ لنا جهودنا وامكانياتنا ، ويعلو بالعمل العلمى فوق مستوى المنافسة والاثرة ، ويجعل من اهل العلم قدوة لغيرهم فى ميادين اخرى ، فضلا عن ذلك كله هو ايضا سنة متبعة لدى اهل العلم فى هذا الباب ، من غربيين ومستشرقين .

ملحق ؛ حول الترجمة

لما ميدان الترجمة ، فاننا نستطيع الآن القيام بعمل عظيم للغاية فى نقل كثير من عيون الكتب التى وضعت بالفرنسية والايطالية والاسبانية ، عن بلادنا او تاريخنا او تراثنا ، سواء منها ما تعلق بعصور الاسلام او ما تعلق بالعصور القديمة السابقة له .

ومن حسن الحظ ، ان لدينا جيلا من المترجمين الاكفاء ، والأمر لا يحتاج الا الى تنظيم وعناية وتشجيع من طرف الحكومات والجهات المعنية .

وحبذا ان يعقد ملتقى لدراسة هذا الموضوع ، وان يتم الاتفاق فيه على سبل العمل ، وبالخصوص على الكتب التى ينبغى المبادرة بترجمتها .

وفي اعتقادى ان من واحب الحكومات المغربية الاتفاق على مشروع للترجمة طويل النفس كثير الكتب ، كأن يضم مثلا خمسمائة او ألف كتاب ، توزع على عشر سنوات او عشرين سنة .

وتقسيم حسب لغاتها واختصاصاتها على اقطار المغرب العربى ، التى عليها ان تتفق فى كل امر يتعلق بهذا المشروع .

انه مجرد اقتراح ، فهل يتحول الى توصية ؟ وهل يتحقق يوما ؟ (8) .

مراجع البحث

بالإضافة لما ورد في البحث من كتب ومحلات ، رجعنا ايضا للمراجع الآتيه :

1 - التونسى ؛ محمد بن عمر : تشحبذ الاذهان بسيرة بلاد العرب والسودان بتحقيق د . خليل م . عساكر ، وزميله ، ط القاهرة 1965 .

2 - الزركلى ؛ خير الدين : الاعلام ، معجم رجال ، ط 2 - القاهرة 55 - 1958 .

3 - سركيس ؛ يوسف اليان : معجم المطبوعات العربية والمعربة ، ط 1928 .

4 - الشيال ؛ جمال الدين ( دكتور ) : تاريخ الترجمة والحركة الثقافية فى عصر محمد على ، ط مصر 1951 .

5 - شيخو ؛ لويس ( الأب ) : الآداب العربية في القرن 19 ، ط بيروت 24 - 1926 0

6 - كحاله ؛ عمر رضا : معجم المؤلفين ؛ ط دمشق 57 - 1961 .

7 - كرو ؛ ابو القاسم محمد : دفاعا عن الثقافة القومية ، ( كتاب جاهز للطبع ، نشرت معظم فصوله فى الصحف ) .

8 - المهيدى ؛ محمد الصالح : أ - تاريخ الطباعة والنشر بتونس ( محاضرة ) ط تونس 1965 . ب - تاريخ الصحافة العربية وتطورها بتونس ( محاضرة ) ط تونس 1965 .

اشترك في نشرتنا البريدية