الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

حول التونسة والتعريب ، او، اضعف الايمان

Share

ان الفترة الحالية التى تجتازها اللغة العربية بهذه الديار لتفرض على كل تونسى صميم أن يتخذ موقفا صريحا ازاء هذا المشكل الذي يتعلق بمقوم من أهم مقومات شخصيتنا ، ألا وهى اللغة القومية . . . وانى ، لا أريد أن أتعرض هنا الا الى نقطتين هامتين كثر فيهما النقاش والجدال ، وهما :

1 ) علاقة التونسة بالتعريب . 2 ) وضع اللغة العربية ببلادنا .

تجدر الاشارة اولا الى الانباء المنعشة التى وافتنا بها الصحافة والاذاعة فى المدة الاخيرة والقائلة أن السيد الوزير الاول صرح فى الجنوب التونسي أن " التعليم مشكل قومى يهم الأمة جمعاء ، واذا اتضح لزوم مراجعة التعليم فى جوهره وطرقه فسيكون نتيجة حوار ودرس عميق حتى نتوخى أحسن الطرق ونجعل من تعليمنا تعليما تونسيا بالمعنى الكامل ، المعنى الذى يتضمنه التعريف الدستورى القائل ان تونس دولة " دينها الاسلام ولغتها العربية "

كما تجدر الاشارة إلى أن التعريب ليس معناه الاستغناء عن اللغات الاجنبية وفى طليعتها الفرنسية ، وليس هو كذلك الانغلاق ولا هو التنقيص من شأن الذين لا يتقنون الا اللغات الاجنبية . فليطمئن المعارضون للتعريب انصاره المعتدلين لا ينادون مطلقا فى اعتقادى لا بالانغلاق ولا بالاعراض عن اللغات الاجنبية ولا بتعريب جميع العلوم بين عشية وضحاها ، ولكنهم ينادون بالتمسك بأضعف الايمان وأعني بذلك الحفاظ على اللغة العربية كلغة أساسية حقا فى هذه البلاد ، سواء كان ذلك فى التعليم أو فى الادارة ، لغاية جوهرية متأكدة هى

الحفاظ على ذاتيتنا من الانحلال وعلى شخصيتنا من الذوبان ووقاية لكياننا الاجتماعى من داء التفكك والتفتت . . .

النقطة الاولى هى علاقة التونسة بالتعريب . فهل التونسة لا تعنى التعريب ؟ ولا تشمله مثلما يرى بعضهم ؟ أم هل أن التعريب ضرورى لتكون التونسة كاملة ؟

يبدو لى أن الجواب هين ولا يستوجب نقاشا طويلا ولا جدالا مضنيا ، اللهم الا اذا اردنا اضاعة الوقت ولجأنا الى منعرجات السفسطة . فالأمر بسيط ، اذ ما دمنا نعلم ونسلم ( بفضل ما ورد في البند الاول من الدستور ) أن تونس بلد دينه الاسلام ولغته العربية فالمنطق يفرض علينا أن نسلم كذلك بأن التعريب هو جزء لا يتجزأ من التونسة اذ أن كلمة تونس تعنى في لغة الدستور : بلدا دينه الاسلام ولغته العربية .

والتونسية معناها فى لغة الدستور والمنطق : أصالة ، أى روح تونسية صميمية ، ودين اسلامى ، ولغة عربية ، فالتونسة يمكن اعتبارها اذن كلا متكونا من ثلاثة أجزاء أساسية ، فاذا أهملنا جزءا من هذه الأجزاء الأساسية الثلاث انعدم الكل بأجمعه وفقدت كلمة التونسة معناها يفقدان أحد أركانها الأساسية ألا وهو التعريب . ولذا فان التعريب جزء لا يتجزأ من التونسة .

وان قال قائل ان التونسة هى الأصالة فقط لا التعريب سألته ماذا تعنى الأصالة ؟ ألست تعنى فيما تعنى التعريب اذ أننا اخترنا لأنفسنا ( بعد أن اختار لنا التاريخ ) الأصل العربى . وان قال قائل : لسنا عربا ولكننا خليط من الأجناس امتزج فيه البربرى أو اللوبى بالفنيقى والرومانى والبيرنطى والعربى والمالطى والتركى والكريتى والاسبانى و ، و . الخ . أجبته : هذا صحيح ، ولكن العنصرين البربرى والعربى يطغيان على بقية العناصر فى هذا المركب الانسانى . فان قال : لماذا لا نتخذ لأنفسنا اللغة البربرية أو الدارجة اذن ؟ يمكن اجابته أن اللغة الدارجة غير مقننة وأنها لا تحمل تراثا علميا ولا حضاريا ولا أدبيا يمكن أن يضاهى أو حتى يقارب تراث اللغة العربية . . .

فان قال : لماذا لا نتخذ اللغة الفرنسية ونستريح ؟ يمكن ان اجيبه : هل ترضى أن نكون فى مستوى الشعوب التى ليست لها الا لهجات عامية متعددة أبعد ما تكون عن العربية من حيث الفصاحة والثراء والتراث الحضارى ؟ ثم ماذا عسانا نصنع بذاتيتنا اذا نحن اخترنا ذلك وأهملنا العربية ؟ ألا نخشى

نوسيع شقة الخلاف اللغوى والحضارى الموجود بين مختلف عناصر المجموعة البشرية التى تضمها هذه الرقعة العزيزة من الأرض ؟ فالتمسك باللغة العربية لا يهدف إلى الحفاظ على ذاتيتنا وشخصيتنا فحسب ، ولكنه يهدف أيضا الى المحافظة على كياننا كمجموعة بشرية متماسكة العناصر منسجمة الاتجاه والتفكير بعيدة كل البعد عن التنافر أو التفكك الذي يجعل من الشعوب أشبه شئ بالغبار البشرى ( une poussiere d'individus ) كما يقول فخامة الرئيس .

وان قيل لنا ان التعريب يمكن أن يشمل اللغة وبعض المواد الاخرى ، أما العلوم فيمكن أن تبقى تدرس بالفرنسية ، أجبت أنه يمكن الابقاء على تدريس العلوم الصحيحة بالفرنسية ريثما نضع ونطبق مخططا مضبوطا للتعريب ، ولكن التاريخ والفلسفة والتربية هل يمكن أن نواصل تدريسها بالفرنسية ؟ أفهل نجهل تأثيرها وتأثير مدرسيها الاجانب على عقول شبابنا وقلوبهم ؟ وهل يمكن القول أننا تونسنا تعليمنا اذا بقى التاريخ والفلسفة والتربية تدرس بالفرنسية ؟ إذا نحن سلمنا بذلك وجب علينا أن نسلم كذلك أن تدريس التاريخ التونسي باللغات الاجنبية فى السربون أو فى همبورق أو فى أمستردام أو فى موسكو تونسة أيضا كما يصح أن نسمى تدريس التاريخ الفرنسى بالعربية فرنسة .

لقد أدركتم ولا شك ان الامر قد تحول الى تلاعب بالالفاظ . ولذا فانه يمكن أن نستخلص أن التونسة بدون تعريب ناقصة نقصا فادحا ولربما انقلبت الى عبارة جوفاء . .

أما النقطة الثانية فهى محاولة سريعة جدا لوصف وضع اللغة العربية فى بلادنا .

لا شك أن عدد الساعات المخصصة لتعليم اللغة العربية قد ازداد عددها بوجه عام ولا سيما فى التعليم الابتدائى ، كما أن بعض المواد العلمية قد اصبحت تدرس بالعربية فى بعض درجات الابتدائى . لكن هذا التطور لم يكن دائما ايجابيا وفي اتجاه واحد بل قد كان أحيانا سلبيا ويمكن تسميته حينئذ بالانتكاس . وأهم النكسات فى نظرى ثلاث وهى :

1 ) حذف شعبة " أ " في السنوات الاخيرة بعد احداثها حول سنة 1960 فاحداث هذه الشعبة التى اعتبرت حينئذ الشعبة الأصلية كان يرمى حسبما يبدو الى هدفين اثنين : الاول هو اعطاء التونسيين تكوينا موحدا لقطع دابر

التنافر الذى كان يوجد بين من كانوا يدعون بالمدرسيين وبين من كانوا بدعون بالزيتونيين ، والهدف الثاني هو تعزيز جانب اللغة القومية بالمدارس بعد ابطال التعليم التقليدى بالكلية الزيتونية . . فحذف شعبة " أ " التى هى الشعبة الأصلية بدون تعويضها بتعليم آخر يمنح اللغة العربية نصيبا كافيا من الوقت والاعتبار انما هو نكسة شديدة الوطأة بالنسبة للعربية فى هذا الربوع .

والنكسة الثانية هي التنقيس من حظ اللغة العربية بمدارس ترشيح المعلمين والمعلمات . فقبل سنة 1964-1965 كان المعلمون المتربصون المتخرجون من هذه المدارس يتلقون تكوينا مزدوجا نصيب المواد العربية فيه النصف تقريبا ، وقد أصبحوا فى السنوات الاخيرة يتلقون فى معظمهم تكوينا بالعربية نسبته في 1 على 12 ، فالمعلمون المتربصون من ذوى اللغتين يتلقون تكوينا عمليا كله بالفرنسية وضاربه 3 وتكوينا نظريا نسبة العربية فيه 1.1/2 على 9 ، مع الملاحظ أن هؤلاء المعلمين المتربصين يدعون عند تخرجهم إما الى تعليم الفرنسية وإما إلى تعليم اللغة العربية وعدة مواد أخرى بالعربية . وكثيرا ما يدعون الى تعليم العربية نظرا لارتفاع عددهم . وهنا لا يسعنى الا أن أشير الى أن عددا كبيرا من المسؤولين قد اعترفوا بوجوب اصلاح نظام التربص بمدارس الترشيح لأن المتخرج منها حاليا " كالساعى الى الهيجاء بدون سلاح " . .

النكسة الثالثة هى ادخال اللغة الفرنسية بالسنتين الاولى والثانية ابتدائى سنة 1968 -69 بعد أن حذفت منها سنة 1958-59 . نعم قد حذفت مرة أخرى سنة 1970 من السنة الاولى ولكنها بقيت بالسنة الثانية وبقية السنوات مع التمتع بوقت طويل وضارب قوى ، وقد قيل عن ذلك الكثير إثر مناقشة ميزانية وزارة التربية بمجلس الأمة فى ديسمبر الفارط ، ولا حاجة لزيادة التفصيل .

بقى شئ واحد هو معالجة الموضوع من الناحية النفسية .

كلنا يعلم أن الاقبال على اللغة العربية كان متوفرا من طرف التونسيين ( وحتى غير التونسيين ) قبل الاستقلال وحتى فى فجر الاستقلال . لماذا ؟

فبالنسبة لغير التونسيين كانوا يعتقدون أن بقاءهم بتونس وعملهم بها يحتم عليهم تعلم لغة أهلها حتى يضمنوا لأنفسهم الرزق والحظوة مثلما كان يفعل  الفرس فى عهد بنى أمية ومثلما يفعل كل أجنبى يعيش فى بلد غيره .

أما بالنسبة للتونسيين فانه يضاف الى ما سبق شىء آخر هام جدا قبل الاستقلال ، وهو أنهم كانوا لا يؤمنون بأن اللغة القومية هى من أهم العوامل المقاومة الاستعمار وذوبان الذاتية التونسية فقط ، تماما مثلما كان ينظر الى مسألة التجنيس ومسألة السفور اللتين قاومهما الحزب والاحرار التونسيون آنذاك ، بل كذلك لما كان يولده فى نفوس التونسيين يوميا الضغط والاكراه اللذان كان يتميز بهما النظام الاستعمارى والادارة الاستعمارية . كل هذه العوامل النفسية التى كانت تدغدغ كرامة التونسيين والتى كانت عبارة عن درع متين ضد الانسلاخ والذوبان قد زالت الآن وعوضتها لدى بعض الأجانب عبارات تفتح لها مغلق القلوب فتغلغلت في اعماق اعماقها واختلطت بانفاسها وجرت منها مجرى الدم فى العروق والانفاس فى الصدور ، واصبح بعضنا معرضا عن لغته مهاجما لها احيانا ، مقبلا على غيرها مدافعا عنها اكثر من اهلها ، فى الوقت الذى قال بعض اهلها بكل موضوعية وصراحة ، ومنذ مدة قصيرة فقط ( 18 فيفرى الفارط (1) ان بعض ما تبذله فرنسا من معونة فى نطاق التعاون الثقافي انما يهدف للدفاع عن اللغة الفرنسية وثقافتها ، وان ما يصدر من كتب فرنسية الى افريقيا حاليا قد بلغ خمسة اضعاف ما كان يصدر منذ بضعة سنوات " .

فهل يمكن بعد ذكر هذه الحقائق وبعد ما ورد بمجلة " الفكر " لشهر فيفري فى الافتتاحية وفي المقال الاول الذي عنوانه " ان ازمة التربية ازمة قيم لا ازمة تنمية " فهل يمكن ، بعد هذا كله الا يقتنع كل من خلصت نيته بان التونسة بمفهومها الصحيح والكامل اصبحت امرا لا مفر منه اذا نحن اردنا ، صادق الارادة ، ان نحتفظ بكياننا كشعب اصيل له ذاتيته .

اشترك في نشرتنا البريدية