أهمية موضوع التونسة والتعريب وخطورته هما اللتان جعلتا منه أحد مواضيع الساعة فى تونس .
ففى كل مستوى حكومى وجامعى وشعبى يطرق هذا الموضوع ، ويبسط ويناقش ، وتصدر بشأنه اشارات الانطلاق وتوصيات التنفيذ وقرارات التخطيط والانجاز .
ولا شك ان اثارته فى هذا الظرف بالذات تدل بوضوح على انه من المواضيع التى كان حجم القول فيها اضخم من حجم الفعل ، وان الرغبة فى الشروع فى التخطيط له وانجازه تجيش فى كل الضمائر ، ولكنها لا تكاد تتحول من مجرد رغبة جياشة الى عمل جاهز متفق عليه يشرع فى تنفيذه على مراحل وخلال آجال معقولة .
واذا كان هذا الموضوع قد استأثر باهتمامنا منذ السنوات الاولى من الاستقلال فلعل ذلك الاهتمام جاء كرد فعل منطقى ضد تيار من المسخ والادماج فى بوتقة أجنبية لا تربطنا بها الا روابط الغلبة والاحتلال ، فكانت مبادرتنا بتوحيد التعليم وتونسته وتعريبه خطوة طبيعية لا بد لنا ان نخطوها فى نطاق تصفية وضع استعمارى استنزف مقدراتنا المادية والمعنوية وكاد يأتى عليها جميعا .
الا ان الانصاف يقتضينا ان نقول ايضا ان مطلب التونسة والتعريب كان ضمن مطالبنا الجوهرية خلال معركة التحرير ، مما حمل ادارة العلوم والمعارف فى عهد الحماية على الاستجابة المحتشمة لاحد جوانب التعريب باقرارها لصيغة التعريب المادة الحساب ودروس الاشياء فى المرحلة الاولى من التعليم الابتدائى .
ثم جاء المخطط العشرى للتعليم الذى شرع فى تنفيذه سنة 1958 ، فكانت مقدمته مركزة على التوحيد والتونسة والتعريب .
واذا كان التوحيد قد تم باسلوب مرضى مطابق للاتجاه القومى ، فان التونسة والتعريب بقيا يخطوان خطوات وئيدة جدا تتسع احيانا الى الامام ، وتتوقف احيانا وقد تلتفت الى الوراء وكأن خيطا خفيا يشدها الى ذلك الوراء .
ورن الجرس فى أوساط شبابنا المتعلم ، واثار رنينه فى نفوسنا بعض الامتعاض لشذوذ فى ذلك الرنين وحشرجة فيه .
فكان ذلك حافزا لنا على اعادة النظر فى وضع التعليم واستقصاء نواحي قوته ونقط ضعفه لنتداركها جميعا بالتدعيم والتقويم أو الابدال والتغيير .
ووجدنا انفسنا مرة أخرى نخضع لردود الفعل فنتحمس للتونسة ونلح على التعريب لنضمن لاجيالنا الصاعدة الترعرع فى بيئة قومية سليمة المناخ ، متجددة الهواء والضياء .
ثم خرجنا . من ذلك كله بمقررات وتوصيات بقينا ننتظر ان نراها تنجز فى مجال العمل والتطبيق ، فاذا بنا نفاجأ بعمل مخالف للتوصيات والقرارات ومن أبرز أمثلة ذلك العمل اقتصار التعريب فى التعليم الابتدائى على السنة الاولى منه دون استناد أو توضيح لأى مبرر قومى أو تربوى ، الا استنادا واحد لا ندرى مدى صحته وهو ما اصطلح على تسميته (( بالتفتح )) .
ورغم ايماننا العميق بالتفتح ، ورغم خضوعنا جميعا للتفتح بحكم تطور وسائل الاعلام والاخبار والايصال والاتصال ، فاننا نبهنا وما زلنا ننبه الى ملازمة اليقظة والانتباه الى ذلك الحد الدقيق الفاصل بين التفتح (( والتفسخ )) .
ولقد سرنا اخيرا ما اعلن عنه وزير التربية القومية من اعداد مشروع ببعث مجلس أعلى للتربية نرجو ان يسمح تركيبه وصلاحياته باعادة تقييم وضعنا التعليمى فى جميع المستويات والخروج بمنهج قومى تونسى أصيل متفتح متماسك ، يبنى الشخصية القومية ويصقلها بمادة (( انسانية )) شفافة لامعة .
ورجاؤنا ايضا ان يقع الاهتداء فى باب التونسة والتعريب الى خطة مرحلية ، رصينة ولكنها دينامية ، طويلة المدى ولكنها حثيثة الخطى ، تستوحى من واقع قومى وعالمى يلتقيان ويمتزجان ويتكاملان فى غير تناقض أو تطاحن أو صراع .
ورجاؤنا الآخر وليس الاخير الا يكون حالنا فى ظاهر الاتفاق على التونسة والتعريب وموقفنا من التونسة والتعريب كحال وموقف الامام الحسن البصرى الذى روى انه كان يقوم بالقاء موعظة دينية اثر صلاة الجمعة من كل اسبوع . وذات يوم ، وبينما كان يلقى موعظته البليغة المؤثرة ، هاله مدى تأثيره على سامعيه الذين أجهشوا جميعا بالبكاء والنحيب ، تأثرا بكلام الامام ، وخوفا من شديد عقاب الله ، وهول حسابه ، وكان بين يديه مصحف ثمين ، فافتقده فى غمرة ذلك البكاء والنحيب ، فلم يجده : فالتفت يمينا ، والتفت شمالا ، فلم يجد أثرا للمصحف الذي كان منذ لحظات بين يديه ، فهز رأسه وقال قولته المأثورة : أيها الناس ، كلكم تبكون فمن سرق المصحف ؟
وقياسا على ذلك نقول اليوم : أيها الناس كلكم تحبذون التونسة والتعريب فمن اذن يمانع فى ذلك ويرفضه ؟
