الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

حول الثورة ومفاهيمها

Share

قبل كل شىء ارجو ان لا ينتظر القارىء في هذا الفصل اننى سأتتحدث عن فلسفة الثورة ووجوهها النفسية والاجتماعية والتاريخية والسياسية والعملية ، اي ان اجعل من هذا الفصل بحثا حقيقيا . فالوقت لم يسمح لى بان ابحث هذا الموضوع كما كنت ارجو . انه اقرب الى ان يكون خواطر حول الثورة منه الى البحث العلمي فيها .

أول ما يدعونا اليه ممفهوم الثورة ، هو ان نميز بينها وبين التمرد . الثورة نظام وليست فوضى ، والتمرد فوضى وليست ثورة . وفى اللغة الفرنسية تكتسى كلمة ثورة مجموعة من المفاهيم الفلسفية والاجتماعية دقيقة وواضحة جدا . والفرق بينها وبين التمرد لا يحتاج فى اللغات الراقية الى شرح طويل . بل يكفى ان تقول هذه ثورة (Revolution) وهذا تمرد (Revolte) لكى يفهم الناس ما تعنى من من الفروق بينهما .

التمرد تهديم اعمى يقوم على العصبية والغضب والنفرة من حياة النظام ، ومن اخص خصائصه انه محروم من الهدف الايجابى ، وانما هو تملص ومغامرة الى المجهول .

والثورة بناء اكثر منها تهديم ، وما يبدو فى ظاهرها من تهديم انما هو مقدمة لها وليس هو جوهرها . وعلى ذلك فهناك فرق كبير بين ان تنتصر الثورة ، وبين ان تنجح .

فالثورة قد تنتص ولا تنجح ، وذلك عندما تحقق عملها التهديمى السطحى ، او ما عبرنا عنه بالمقدمة ، وتفشل فى تحقيق اهدافها الايجابية البنائية التى هى مبررها الفلسفى والاجتماعى والمعنوي .

الثورة اذا " انتصرت " ولم " تنجح " يمكن - بل لا بد - ان تتبعها ثورات اخرى ، اى سلسلة من التمرد الفاشل الاعمى . وهذا ما يميز ثورات العصور الوسطى فى الشرق والغرب ، عن ثورات العصر الحديث في فرنسا ثم روسيا ثم الصين

كانت الثورات فى اواخر الدولة العباسية وما بعدها وفي القرون الوسطى ، في مختلف انحاء اروبا ، عبارة عن تمرد يقوم به هذا الامير او ذاك ضد هذا الملك او ذاك الامبراطور ، وكان الهدف سلبيا محضا ، محروما من الاسس الفلسفية والاهداف الاجتماعية .

اما الثورة فى فرنسا فقد كانت هادفة الى غايات شعبية واجتماعية وقائمة على اسس واضحة من المبادىء الفلسفية والتشريعية .

وكانت الثورة فى روسيا ثم فى الصين قائمة على احدث فلسفة اقتصادية واجتماعية لم يأت التفكير البشرى بعد بما هو احدث منها او ادق علمية ، وهى الفلسفة الماركسية .

آذن فالثورة من مفاهيمها الحتمية النجاح الاجتماعى والانسانى العام ، لا الانتصار العسكرى وحده . وعنصرها الاجتماعى الحتمى هو مجموعة من المثل الاخلاقية والتكوين الانسانى الكامل . ان الكثيرين منا يفتخرون بانهم ثوريون ، او يحاولون ان ينعتوا تفكيرهم بانه ثورى لمجرد كونهم " يثورون " على المجتمع وينتقدون تقاليده ويحتقرون عاداته التى تتصادم مع رغباتهم العاطفية في الحياة .

وهذا خطأ . التفكير الثورى والروح الثورية ، والتكوين الثوري ، هو ان " تثور " على نفسك قبل كل شىء ، وتوجه سلوك في الحياة طبقا للمبادئ التى تستند عليها فى انتقادك للمجتمع وثورتك عليه .

ان من ثار على نفسه وعلى نقائصها واطماعها لا يمكنه ابدا ان " يثور " على المجتمع او يحتقره . انه عندئذ يفهم ان نقائص المجتمع هى عراقيل في طريق تقدمه ، وليست عيوبا يستحق عليها الاحتقار .

من ثار على نفسه وانتصر ونجح فى ثورته أصبح خادما حقيقيا امينا للمجتمع لا اميرا صغيرا يحتقره . انه عندئذ يضع نفسه ومواهبه واوقاته في تكوين الآخرين بكل صبر وشفقة ومثابرة ، وهذه هى المثالية الاخلاقية " الحقيقية " التى تشكل العنصر الحتمى في مفهوم الثورة .

جاء فى بعض الاجاذيث النبوية : " الخلق عيال الله . واحبكم إلى الله انفعكم لعياله ".

وقال " سارتر " الفيلسوف الفرنسى : القادة لا يستطيعون ان يقودوا الجماهير الا بشرط ان يسيروا بها الى حيث تريد هى ان تذهب " .

ونجاحك فى ثورتك على نفسك هو اهم عامل فى تكوين الاخرين تكوينا ثوريا ، والمجتمع الذى يسود فيه هؤلاء الثائرون المثاليون ، هو الذى تنقلب فيه الفوضى والطمع والذل الى نظام وكرامة واخلاق .

والعنصر الاخلاقي المثالي ، عند الفرد القائد ، او المكون ، لا يمكن ان ينفصل عن المفهوم الشعبى فى الثورة الناجحة .

والتكوين الثورى هو ان تأخذ ما عند الشعب من الاستعدادات ، وتنظمه بعد تحليل علمى واضح ، لا ان تفترض النظريات وتحاول تطبيقها .

ان المكون الثورى لا يحتقر شيئا فى الشعب ولا يصدم شيئا في الشعب ، وانما همه ان يناقش ويعلم ويوجه ويلين مع الشعب بقدر ما يقسو على نفسه ، وعلى هذا فمن الخطإ الاعتماد بان الثورة او التكوين الثورى يقتضى الشدة والصرامة والتحجر مع الجماهير الجاهلة . وهذا ما انتهت اليه احدث المفاهيم في الثورات الحديثة ، وخاصة فى مبادئ " ماوتسي تونغ " التى استعمل لها هذا التعبير: " عذوبة النسيم ، وطراوة الندى " مع مظاهر الحزم والجد .

والجانب الاخلاقى فى الثورة اذا كان عنصرا جوهريا في الثورة ، فهناك عنصر آخر ، لا يقل عنه حتمية فيها ، وهو العنصر العلمى .

فالرجل المكون تكوينا ثوريا لا يستطيع ان يبقى فى " دروشة " المثالية الاخلاقية التى لاتخضع لمبادىء الفلسفة الثورية الواضحة ، وللحيوية الذهنية النشيطة انه من المستحيل ان تجد ثوريين فى مجتمع لا يكون فيه اعداء لهم . والقادة الثوريون لا بد لهم - كما يقول " لوتنغ بى " - ان يفرقوا بين اعداء الثورة وبين الذين يرتكبون فيها اخطاء وهفوات .

والمجتمع هو اعقد مادة مخلوطة من مواد الكون ، وليس من السهل ان تعرف فيه عناصره الفاسدة من عناصره الصالحة ، ولذلك كثيرا ما تحدث " الغربلة " فى داخل الثورات العظمى ، وليس من السهل ان تصير تربته منتجة ايجابية ، واخيرا ليس من السهل ان تجلس في مكتبك وتكون المجتمع تكوينا ثوريا ، في مزارعة ومتاجره ، ومصانعه ، وشوارعه .

فالثورة الصنية لم تكتف " بالانتصار " العسكرى ، وانما كانت اثناء العمل

العسكري ، وبعده بالخصوص ، تكافح ضد اصنام ثلاثة لم تستكمل بعد تحطيمها وهي صنم ملازمة المكتب وتسيير المجتمع بواسطة الاوامر والتقارير واكداس الاوراق . وهو ما يعبر عنه بـ (Bureaucratisme) . ان القادة الصينيين اليوم يمنعون عن انفسهم الانفصال عن الجماهير ، والعيش فى " الفراغ " كما يعبرون عنه . ومن التزاماتهم الصارمة ان يندمجوا فى حياة الجماهير ويتفهموا مشاكلها ويتعرفوا الي حياة كل طبقة من طبقاتها . ويعتبرون ان عزلة القادة عن الشعب تكون فيهم مركب العظمة والتعالي ، وهو اعظم خطر يهدد " نجاح " الثورة بعد " انتصارها " .

الصنم الثانى هو ما يسمونه (Sectarisme) ،وهو ان لا يولى المسؤول فى الحزب اية قيمة الا لرأيه الخاص ، ويرفض تعدد الاراء واحتدامها فى المناقشة .

الصنم الثالث وهو متصل بالثاني ، هو داء الذاتية  (Le Subjectivisme) الذي يصبح به الرجل هو مدار العالم فى نظر نفسه ، وهو كل شئ فى حياة الشعب .

هذه اهم الاخطار التى تهدد نجاح الثورات من الداخل ، وهى اعظم مشكلة تواجه القادة الثوريين المعاصرين ويسمونها " المتناقضات الداخلية " .

والدعامة الاساسية التى يتخذونها اساسا لحل هذه المشكلة ، هى ان يعتبر القادة انفسهم فى خدمة الشعب ، وان واجبهم هو استشارة الجماهير ، وان مسؤوليتهم هى ان لا يكون لهم وجود منفصل عن وجود الشعب وحياته .

ومن المبادىء العلمية التى لا تستغنى عنها الثورة فى ايامنا مبدأ " الانتقاد الذاتي " (autocritique) انتقادا ايجابيا يهدف إلى البحث عن الاخطاء التى ظهرت على ضوء التجارب . وهو تفاعل مستمر مع التطور الجديد ، لان ما كان حقيقة بالامس قد يصبح خطأ اليوم ، وهذه هى فائدة الانتقاد الذاتي ، ثم هو اخيرا خضوع الاقلية لراي الاكثرية .

وبما ان مبدأ الانتقاد لابد منه ، فى المفهوم الثورى ، فان القادة الثوريين لابد لهم من ان ينصتوا لانتقاد الخارجين عن حزبهم ايضا ، فضلا عن " الانتقاد الذاتي " داخل الحزب الثوري .

ويلح " ماوتسي تونغ " بالخصوص على فكرة عدم الاكراه فى التسيير . ويقول : اننا لا نستطيع ان نقضى على المعتقدات الدينية بواسطة القرارات الادارية كما لا نستطيع ان نكرههم على الايمان بها بالقوة . ولا نستطيع ان نحملهم على ان يكونوا مثالين ، كما لا نستطيع ان نحملهم على ان يكونوا ماركسيين . ان هذه

المسائل الفلسفية النظرية ، وكذلك مسائل المتناقضات فى صفوف الشعب ، لا يمكن ان نحلها الا بالوسائل الديمقراطية ، وهى وسائل المناقشة والانتقاد والتربية والابتعاد عن الغطرسة ، والتسلط المادي .

ان هناك متناقضات ، لا يمكن تجاهلها بين الحكومة وبين الجماهير ، وبين مصالح الدولة ، ومصالح الجماعات ، ومصالح الافراد . وهناك متناقضات اخرى بين سلوك بعض الموظفين ، وعلاقاتهم مع الجماهير . انه لا مفر لنا من مواجهة نوعين اثنين من المتناقضات : اولهما ، بيننا وبين اعدائنا . وثانيهما ، يوجد في اوساط الشعب نفسه ، والفرق بين طبيعة هذين المتناقضين عظيم جدا .

ومن المفيد ان الح هنا على تعاليم ( ماوتسى تونغ ) لانها احدث ما اتى به التفكير البشرى ، من اساليب التربية الثورية الناجحة .

وهو فى هذا الصدد ينصح المثقفين بقوله : ان المثقفين عندنا قد حققوا بعض التقدم ولكن يبغى ان لا يكتفوا بما قدموا . يجب ان يواصلوا انصهارهم بانفسهم وان يتخلصوا تدريجيا من نظرتهم البورجوازية الى مشاكل الحياة ، وان ينتصروا فى نظرتهم الجديدة الى عالم العمال ، حتى يستجيبوا استجابة نافعة الى حاجات المجتمع الجديد ، وان يندمجوا اندماجا صحيحا مثمرا باوساط العمال والفلاحين ان هذا التحول فى النظر الى الحياة ، يعد تحولا جذريا . ولكننا لا نستطيع ان تقول ان مثقفينا قد حققوه وانتهوا من امره . واملنا هو ان لا يقفوا في منتصف الطريق او ينكصوا على اعقابهم الى الوراء ، لانهم اذا فعلوا ذلك ، سيجدون انفسهم في طريق لا منفذ منه .

ويعتبر " ماو " ان الثورة التى تقوم على اسس علمية لا تخشى الانتقاد ، " بل بالعكس . ان الرجال الثوريين فى حاجة الى الحصانة ، والى تحسين مستواهم باستمرار والى غزو مواقف جديدة دائما ، وذلك لا يكون الا بنار النقد ، او وسط عاصفة الكفاح . ان كفاحك ضد الافكار الخاطئة عبارة عن عملية تلقيح ضد مرض من الامراض . "

ومن الاخطاء الشائعة فى الناس ، حول مفهوم الثورة واساليب تكوين الافراد عليها ، هو انهم يخلطون بين الثورة والعنف اللفظى ، كما يخلطون بين التفكير الذى اخص خصائصه ان يكون منظما ، وبين التطرف العصبي الاهوج الذي اخص خصائصه ان يلبد الفكر بسحاب كثيف من الانفعال .

ولمحاربة هذا الخطا فى الثورة الجزائرية ، نص دستورها الذى صادق عليه مؤتمر " وادى السومام " فى ٢٠ اوت ١٩٥٦ ، على المبدأ الهام الاتى : " ينبغى لكل عضو من جبهة التحرير الوطني ان لا يغيب عن ذهنه ان الدعاية ليس معناها التهريج بالتطرف اللفظي العنف الذى غالبا ما يكون عقيما فجا لا يتبعه اى عمل ، ان الشعب الجزائرى اليوم قد نضج للعمل الثورى المنتج ، ولغة جبهة التحرير الوطنى ينبغي ان تكون تعبيرا حقيقيا امينا عن هذا النضج . وذلك بان تستعمل التعابير الجدية الموزونة التى لا تخلو مع ذلك ، من الشعلة الثورية . ان كل تصريح او منشور يصدر اليوم عن جبهة التحرير الوطني له صداه في العالم فيجب اذن ان نتصرف بوعى يحمل الشعور بالمسؤولية الحقيقية ."

وقد سبق فى مطلع هذا الحديث ان قلت ان التكوين الثورى لا يمكن ان ينفصل عن المفهوم الشعبى . ولعل ما جاء فى دستور الثورة الجزائرية ، عن هذا المبدإ . بوضح بقوة اكثر اهمية هذا المبدأ . فقد جاء فى المادة الثالثة من الباب الثالث فى هذا الدستور : " ان جبهة التحرير الوطني ينبغى ان تكون قادرة على توجيه الامواج العظيمة التى تهز الحماس الوطني فى الامة . ان قوة الغضب الشعبى يجب ان لا تضيع كالسيل فى الرمال .

ولكي تصبح هذه القوة طاقة منتجة ينبغى ان تعتمد على عمل شاق لتهذيب الملايين من الرجال".

ويزيد الدستور الجزائرى هذا المبدأ توضيحا بقوله على الخصوص : " ان العمود الفقرى للعمل الثورى ليس هو الاستقراطية الشغيلة ( الموظفون وعمال سكة الحديد ) ، ولكنهم اولائك الذين تتألف منهم الاغلبية العظمى من افراد الشعب ، والذين يتعرضون لافدح انواع الاستغلال ( عمال الموانى والمناجم والعمال الفلحيون ) ، ومع هؤلاء ، ينبغى ان يكون المناضلون والاتباع الحزبيون ، اعضاء نشيطين ، وان يحترموا القواعد الديمقراطية احتراما دقيقا لا يعتريه الاهمال "

كما يجب ان يعلم المسؤولون عن تسيير الثورة ، بانه لا يوجد في ثورتنا " تسير نظرى مبهم ، وانما كل عمل ي ينبغي ان يكون متناسقا مع الوضعية المحسوسة وظروفها الخاصة بها " ، وان يقرأوا حسابا فى كل اعمالهم لما تتحلى به الشبيبة الجزائرية من خصال طبيعية فى الحيوية والاخلاص وروح البطولة . فهى شبيبة تمتاز بحماس واحتقار للخوف والموت . وقد برهنت على اتباعها للنظم الثوريه التى تقودها نحو مثلها الاعلى الخالص فى الحرية . اما الشبيبة المثقفة فيجب ان تحقق عملها بطريقة علمية فى الميادين التى تستطيع ان تنتج فيها ، وهى الميادين السياسية والادارية والثقافية والصحية والاقتصادية الخ . . ." واذا كان " ماوتسي تونغ " يقول ( ينبغى ان نعلم ونعلم الناس باننا لا نبني

بلادنا الا بالتعب والتقشف والاعتماد على النفس ) فان دستور الثورة الجزائرية بنص على ان : " الجزائريين لكى يحرروا بلادهم من الاحتلال ، ينبغى - قبل كل شئ - ان يعتمدوا على انفسهم ان العمل السياسى والعلوم العسكرية تعلمنا انه ينبغي ان لا نهمل اى عنصر من عناصر الانتصار ، حتى ولو كان يبدو فى ظاهره تافها لا قيمة له " .

ومبدأ الاعتماد على النفس فى الثورات يكاد يكون محور الاسس الثورية : الثائر الذى لا يعمل فى ميدان المقاومة الا اذا آتى له بالسلاح الى يديه هو ثائر لا يعتمد عليه . ان بطولته لا تكون فى استعمال السلاح اكثر منها فى ايجاد السلاح بوسائله الخاصة . والشعب الذى ينتظر قادته ، او يتوقف على امة اجنبية تمنحة السلاح ، لكى يثور ، هو شعب لا يعتمد على ثورته .

كانت نساء البغاء فى الهند الصينية يضطجعن مع الجنود الفرنسيين لا مقابل المال ، بل فى مقابل خمس رصاصات . هذا هو الشعب الثائر ، وابناؤه هم الثوريون .

وهنا اخبرا مبدأ لا بد منه لتكون الثورة ثورة بكل معانيها الصحيحة ، وهو ان لا تكون الثورة سائرة فى اتجاه معاكس لتطور التاريخ . لقد اقام " هتلر " ثورته على أسس فنية دقيقة ولكنها فشلت فشلا فاجعا ، لانها لم تكن سائرة في اتجاه التطور التاريخي ، وانما كانت نكوصا على الاعقاب وتنكرا لروح المستقبل ، عملت على استبداد شعب بشعب فى عصر تتجه فيه الشعوب الى التراحم والتعاون والحرية .

وهكذا تكون الثورة الصحيحة عبارة عن قلب للقيم والمفاهيم : قيم ومفاهيم الحرية البشرية والمساواة بين الافراد ، وتوزيع الثروات واستغلال الكفاءات ، وتوجيه الطاقة الانسانية الى انتاج اتم وسبيل اقوم نحو مثل جديدة دائما .

وبعد ، ما رايك فينا نحن العرب ؟ هل قمنا بثورة فى حياتنا ؟ كلا - اننا ما نزال بسبيل الاستعداد لها . اما متى تكون ثورتنا فهذا ما سيجيب عنه التاريخ يوما .

ولعل اول تجربة قام بها العرب فى عالم الثورات هي التجربة الجزائرية .

قال المستعمر الفرنسى الكبير والعضو في مجلس النواب الفرنسى (لوبان Le Pen): " ان الثوار الذين نقبض عليهم فى الجرائر احياء نجدهم مزودين بفهم علمي وتكوين ثورى ، اتم بمائة مرة من تكوين مقاومينا نحن ايام الاحتلال الالمانى . " ولكن هذه الثورة مع ذلك ، ما تزال فى اوج امتحانها الشديد ، وما نرجوه لها ليس هو الانتصار العسكرى فحسب ، بل النجاح بعد الانتصار .

اشترك في نشرتنا البريدية