طعم الدقلة :
ليس النقد الادبي من إختصاصي ولست ملما بكل ما نشر عندنا في ميدان القصة ولعل تكويني الذي تتغلب فيه الفرنسية على العربية وثقافتي المزدوجة لا يؤهلانني لتقديم تآليف عربية . لكنني لم أقدر على إشباع الرغبة الشديدة التي دفعتني إلى الحديث عن كتابة (( الدقلة في عراجينها )) للبشير خريف (1) . لانني أحببت هذا الكتاب كثيرا . وإني أريد أن أتحدث عنه مثلما يسترسل الكلام بين الاصدقاء عندما يطول السهر وتشتد نضارة القلوب والعقول .
فأقول أولا أنني عندما انتهيت من مطالعته صرت أعرف الجريد وكأني عشت فيه طويلا ودخل في قلبي حب جهة من بلادي كنت
أعتقد أنني أعرفها لانني رأيتها في البطاقات البريدية والافلام السياحية ثم زرتها ولانني قرأت عنها دراسات جامعية ( جغرافية - إقتصادية - أثنوغرافية إلخ ...) - ولكن بعد (( الدقلة في عراجينها )) لم يعد الجريد بالنسبة لي خضرة وافرة وماء عذبا سيالا وأحلاما رخيصة لإغراء السواح ... أصبح الجريد عندي كصدر (( ديجة )) قد ملئ لحما وقوة وعطفا وكصدر (( بيبي )) أيضا أجرد جافا . صار الجريد عندي أزقة وغبارا و نخلا يدر المال فيدفع على الكيد والكبت وصار عملة لهم مع الحياة مواعيد تفلت منهم باستمرار . وصار الجريد عندي وجوها (2) : وجه (( ديجة )) المستسلم الصبوح ووجه (( حمه )) الصلب الخبيث ووجه المكي وقد أكله الامل فأتت عليه جرثومة السل الشنيع ووجه العطراء . العطراء ذات الإسم الجميل والشعر الفاحم ، العطراء الطفلة الغضة ولدت لتعرف السعادة ولكنها سارت في طريق ((ديجة )) وطريق الكثيرات من نساء الجريد ، طريق كلما خطا فيها الإنسان خطوة قلعت منه فلذة من فلذاته .
وكما يقول محجوب بن ميلاد : دخل الجريد في أعماق أعماقى أنا التونسي الذي يشعر بشدة أنه لن يكون تونسيا تماما إلا إذا ما أودع الادباء في قلبه حب كامل جهات بلاده وسكانها دما ولحما بنفس القوة وبنفس الصدق .
كيف توصل خريف إلى ذلك وكيف وفق ؟ وقد حاول من قبله كتاب بقي الكثير منهم في مستوى اللفظ لا تنفذ معهم إلى روح الجهة ولا تفتح إليك أبواب كيانها الاصيل ؟ لو كنت ناقدا جامعيا لحللت الطريقة ونظمت عناصرها وبوبت أساليب (( مهنة )) خريف الاديب ! لكنني أخشى أن يخفي عني هذا (( التشريح )) ما اعتبره أنا الجوهر وهو حب خريف للجريد وصدقه نحو إخوانه ابناء الجريد الذين أصبحوا بفضل فنه وبفضل عطفه الفياض إخوانا لنا أكثر مما كانوا .
لست أعرف شيئا أعسر من تحديد شخصية مجموعة بشرية ما ، لكنني أعرف أن هذه الشخصية تتغذى من قيم مختلفة وتتغذى في مستوى الامة من التلونات العديدة التي تتلون بها الحياة في شتى المجموعات التي تتكون منها تلك الامة - وهذا الغذاء الثاني عندنا وافر خصب لكن أدبنا لم يغرف من سيله بالقدر الكافي ولم يوفق دائما كلما حاول ذلك . ومن الواضح أن خطر الوقوع في (( الفلكور )) يهدد الاديب بإستمرار في هذا الميدان فتراه يتكلم عن أشياء لا يحسها مستغلا إياها لاهداف سخيفة معتقدا أنه حرك من كياننا أعماقا كلما وصف البعض من عادات لم يفهمها ولم يعشها .
فالصدق ! ! الصدق قبل كل شيء أيها الادباء ! أناجيكم أنا القارىء المتوسط الذي يحب الادب ولا يمكن له أن يعيش بدون أدب أناجيكم بأن تتوخوا الصدق .
إنني مدين لصدق البشير خريف ومدين لهذا الرجل لانه أيقظ في أنا الصفاقسي الذي غاب طويلا عن مدينته (وليس الغياب غياب الجسد) ، حبا كان في سبات عميق أيقظ في حبا لصفاقس ولسكانها لا يشوبه ذلك التعصب الجهوي الذي أضر كثيرا بسير أمتنا ولانه علمني أن حب الوطن الكبير يبدأ بحب الوطن الصغير .
طعم الحياة :
ولو لم أجد في كتاب (( الدقلة في عراجينها )) إلا ما ذكرت لكان في ذلك كفاية ولاعتبرته حدثا في الادب التونسي . ولكن من حسن حظي وجدت فيه أكثر . وجدت فيه الحياة . وكم أود أن أقول هذه الكلمة ولن أفوه بحرف واحد بعدها !
لكن يجب أن أثبت ما أقول أو أن أوضحه على الاقل . فسوف أحاول . لا بالطريقة الجامعية المعهودة . طريقة التحليل والتشريح كما ذكرت بل أريد أن أتكلم عما أحسست وشعرت والكتاب مغلق بعيد عني لا ألجأ إلا إلى ما أبقاه في نفسي من مشاعر .
فى العرجون الاول - وقد أراد خريف أن يكون كتابه ثلاثة عراجين - مأساة أولى . مأساة (( ديجة )) والديجات ألوف في أسر تونس . تزوجت وأنجبت . وكان لها نخل . وتشاجرت كما تتشاجر أمثالها من النساء مع أزواجهن - ولكن لم تتفطن إلى أن القط كان بالمرصاد للفارة الصغيرة اللطيفة . القط المحتال هو (( حمه )) أخوها كانت حاسة الشم تحتد عنده بشدة خاصة إذا كان المشموم نخلا لاخته ، فعندها يتذكر ويذكر بأن رسالته في هذه الدنيا وهو الاخ الكبير المحافظة على مجد العائلة ، ومن منا لم يعرف عما أو خالا قام بمثل هذه الرسالة ومد يده بمكر ودهاء لأملاك أخ أو أخت له ؟ !
وهكذا من أجل نخلات أتلفت سعادة امرأة طيبة القلب وألقي بها في تيار من العوامل والمشاعر المتناقضة فعرفت بفضل ما في غريزتها من خصال كيف تجد الحد الادنى من السكينة وهدوء النفس وذلك بأن أعطت كل الحب الذي في قلبها الرحب إلى إبنها (( المكي )) وابنة أخيها العطراء . وماتت وهي تعتقد أن ما أفلت منها سوف تناله العطراء وسوف يناله المكي .
العرجون الثاني - لوحة كم انتظرناها ! لوحة عن حياة إخوان لنا بلل عرقهم فسفاطا أخصب أراضى ليست أراضينا وسالت دماؤهم أحيانا لتتصاعد أقساط شركات كنا لا نعرف منها إلا إسمها - رسم خريف هذه اللوحة بنفس العطف وبنفس الصدق .
فدخلت معه أكواخ عملية المتلوى القذرة ووجدت نفسي بينهم أضحك من مزاحهم البدائي وأصغى إلى (( الدبنجق )) و (( المقرعش )) و (( الطرايور )) وكأنني عشت معهم دائما وانغمست معهم مرة في سهرة أسدل عليها التكروري والخمر جوا غريبا ( irréel ) فتحمست لهذا على حساب ذاك وشعرت بضيق في النفس عندما ذكر أحدهم أن الشركة بإمكانها أن تستورد آلة تعوض بها مائة وخمسين عاملا واحسست بتوتر شديد في الاعصاب وسمعت قلبي يدق بسرعة لا تطاق عندما كان العملة متجمهرين أمام مركز الشركة يصيحون ويطالبون . وفهمت حسرة (( الدبنجق )) وأسفه عندما أفلتت منه الحركة الجماعية
التي حاول تنظيمها مع رفاقه وأخذني الرعب عندما بان عسكر السنقال أمام العملة وهم يحيطون بمغازة الشركة التي احتلوها ونهبوها .
هكذا كان عملية المتلوي في كتاب الدقلة في عراجينها . فيهم الشجاعة والخوف والبطولة والضعف ، فيهم من يقرأ للغد حسابا وهم قلة وفيهم من تدفعه عواطفه إلى الارتجال ... يحيون ويموتون وسط عالم لا تستطيع أنظارهم أن تمتد إلى منتهاه فيتخبطون كما يتخبط الذباب في نسيج العنكبوت .
إنني وجدت في هذا العرجون الثاني مرآة صادقة تتجاوز في الكثير من النواحي حسب رأيي الظرف الزماني الذي أراده المؤلف للأحداث .
أما العرجون الثالث وهو الآخير وليس آخرا . ففيه مصير ! مصير (( العطراء )) التي سمحت لنفسها أن تحلم بتواضع وأملت في تحقيق حلمها البسيط لكن ما سطر لها ولمثيلاتها وهن كثيرات من حياة كان أقوى من أن تفكر فيها وأن تجعل لها مردا .
هو مصير فيه رجوع إلى مأساة عشناها مع (( ديجة )) . بل فيه أكثر من ذلك ! فيه كبت للحيوية وقهر للذات البشرية بلغ أقصى حد . فتكون الانتفاضة ! إنتفاضة ليلة . ليلة واحدة في حياة كاملة ، ليلة الخطيئة ليلة شيطانية ، ليلة وإن شاءتها الاقدار فهي من طبيعة الاشياء . لست أدري هل البشير خريف من قراء (( فرويد )) . وإن كان أو لم يكن فهذا لا يهم . ويكفي أنه فهم وأفهمنا أن الكيان البشرى يعيش دائما في البحث عن توازن باطني يجده ويدفع لذلك الثمن مهما كان باهضا .
وسمعت يوما صحفيا يسأل البشير خريف : لماذا تنتهي قصصك بالمجون ؟ وكم استغربت موقف هذا الصحفي الذي لم يقنعه جواب المؤلف حين قال : ليس ذلك ما يمكن أن تسميه مجونا بل هو الطبيعة . وأعتقد أنه قال أيضا هو إنتصار الطبيعة .
ليست ليلة الخطيئة الشيطانية التي عاشتها (( العطراء )) ليلة مجون وإن طغت فيها الكحول على العقول وإن دبرتها وسطرت برنامجها المومس غرسة ! بل كانت ليلة عادت فيها النفس إلى نفسها ، ليلة الصدق مع الانا العميق . وليس الذنب ذنب البشير خريف إذا كان المجتمع البالي (وهو لا يزال قائما) مجتمعا لا تكون فيه السعادة إلا مسروقة فلا تكون سعادة حقا لان الضمير - أو ما نسميه بهذا الإسم - هو من وراء ذلك ينغص ويفسد . لكن (( العطراء )) ويا حظها - ولعمري هذا هو الذي يفكر فيه خريف - سعدت بسرقتها وعاشت سعادتها الخاطفة كاملة وغمرت أعماق كيانها بنور ودفء سايراها إلى آخر لحظة في حياتها .
وقد استطاعت وهي على فراش الموت أن تجيب زوجها الابله الشنيع الذي رآها ساهمة فسألها : (( تخممي على حبك في كنيني ؟ (( ... آستطاعت أن تجيبه والنقمة تملأ قلبها : من قالك ؟ ))
إن ليلة العطراء إنتصار الجمال والصدق على الرذيلة والفساد وهي لطمة في وجه المحافظة ، ولطمة رفض قطعي لان الحوار بين الفرد وبين جملة من القيم البالية أصبح منعدما .
هذا أهم ما وجدت أنا في الكتاب .
وجدت النظرة الشجاعة والموقف السلبي . هذا رأيي ؛ غير أني لا أسمح لنفسي أن ألوم خريف على ذلك لان الادب نظرة ثاقبة إلى حقيقة الاشياء . أما الفعل فهو في مستوى الفرد ، كل يجد طريقه . وحتى مسيرة الامم فهي مجموعة فعل الافراد . ومشكلة المشاكل عندنا كائنة هنا في صلب الفرد وهي مشكلة صدق وشجاعة . وكفى خريف جزاء إن كشف لنا نحن المتلهفين للغوص في خبايا كياننا وللبحث عما يعرقل سير أنفسنا إلى ما هو أفضل كفاه جزاء أن كشف لنا القناع عن البعض من العفن المعشش فينا وفي مجتمعنا الذي هو نحن .
بقي أن أقول كلمة في اللغة .
إنني أعرف أن المعركة قائمة حاسمة . كما أنني أعترف أنني أعتبرتها دائما - ربما عن خطا - معركة لا مبرر لها لان اللغة أداة ولان الجوهر وراء اللغة وأبعد منها . وكلما اشتد الاعتناء باللغة كان ذلك على حساب الجوهر وإنا من الذين يفضلون هذا على تلك .
كما أنني أعلم أن رجلا مثلي تقاسي منه العربية ما تقاسي لا يمكن أن يسمح لنفسه الخوض في هذا الموضوع الشائك . وليس شيء دفعني إلى ذلك سوى الرغبة في الحديث عن وقع لغة خريف علي أنا القاريء المتوسط الذي يمثل جمهور القراء أو على الاقل قسما من هذا الجمهور . فأقول أن خلط العربية بالدارجة وحتى بكثير من الالفاظ الافرنجية لم يقلقني ولم يحرجني ، بل أعجبني . وتجاوبت مع هذه اللغة لانها لغتي أو لانها قريبة من لغتي التي أتكلم بها .
كما أنني إكتشفت وشغفت بلهجة الجريد الجميلة ولا أظن أن حب الجريد كان يدخل إلى قلبي بالقدر الذي ذكرت لولا الحوار الجريدى وعذوبته (3) .
