بدعوة من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم واستضافة من وزارة الشؤون الثقافية انتظم في تونس من 23 الى 27 نوفمبر 1981 اجتماع هام حول السياسات الثقافية في الوطن العربي حضره عدد كبير من الخبراء الحكوميين ورجال الثقافة الذين عملوا طوال خمسة أيام بلياليها لاعداد وثيقة نهائية في هذا الموضوع الخطير تقدم باسم المجموعة العربية في المؤتمر العالمي الثاني للسياسات الثقافية الذي ستنظمه الينسكو بالمكسيك في شهر جويلية سنة 1982 .
وتعميما للفائدة وخدمة للاعلام الثقافى يلذ لى أن أقدم للقارىء خلاصة ما قامت به نخبة مسؤولة من عمل جليل في هذا الملتقى الثقافي العربي حيث حظيت بشرف انتخابي لرئاسة مكتبه ولجنة الصياغة العامة لتقارير لجانه.
- ظروف انعقاد الاجتماع واهميته:
يكتسى البعد الثقافى فى القضايا الاساسية وخاصة منها مشكلات التنمية أهمية كبرى ما تزال تقوى مع الايام عند كافة الشعوب سواء النامية أو السائرة في طريق النمو في عصرنا الحاضر. ويعتبر الخوض في السياسات الثقافية موضوعا مشاعا في جميع الاقطار يسم هذا العصر بسمة خاصة ويشغل المفكر بن والحكومات والمنظمات الدولية والاقليمية والقطرية ذات الاهتمام الثقافي
وتجدر الاشارة الى أن اهتمام العالم العربي بالسياسات الثقافية العربية ليس بالحدث الجديد الذى لم يسبق العقد المنتهى ( 1970 - 1980 ) خلافا لما يلاحظ في سائر الاقاليم الاخرى اذ بدأ الانشغال بهذا الموضوع يظهر في
الوطن العربي في نطاق العمل العربي المشترك منذ نشأة جامعة الدول العربية كما تبينه المعاهدة الثقافية العربية المبرمة بين الدول الاعضاء في 27 نوفمبر 1045 وكذلك ميثاق الوحدة الثقافية العربية الموقع عليه في المؤتمر الثاني لوزراء التربية والتعليم والمعارف العرب المنعقد ببغداد عام 1964
ألا ترى أن هذا الميثاق يحدد المنطلقات القومية للتنمية الثقافية ويرسم أهدافها ويدل على اتجاه الاقطار العربية الى سياسة ثقافية واحدة موحدة تنطلق من مقومات راسخة تستند الى وحدة اللغة والاشتراك فى التراث الحضاري ومواجهة الشعوب العربية لنفس التحديات وطموحها جميعا الى الغد الافضل .
وان استعمال صيغة الجمع فى السياسات الثقافية في الوطن العربي هو من قبيل التجاوز اللغوى نسجا على منوال المصطلح الرائج في لغة الينسكو التي تهتم بالسياسات الثقافية فى كل إقليم كأوربا وافريقيا وآسيا .. والواقع أن الخصوصيات داخل كل بلد عربي انما هى وجوه من التنوع لكيان واحد هو الثقافة العربية المتراة بتعدد التجارب وتكاملها في الاقطار العربية وانصهارها جميعها ضمن هوية ثقافية عربية واحدة عبر الزمان والمكان
على هذا الاساس الثقافى الوحدوى ، وهو من أمتن وأثبت الاسس الجامعة الموحدة ، بعثت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم فى سنة 1970 لتوكل اليها الدول الاعضاء مهمة تطبيق ميثاق الوحدة الثقافية العربية المبرم بينها في سنة 1964 وتتمثل تلك المهمة في وضع أسس السياسات في قطاعات اختصاص المنظمة أى التربية والثقافة والعلوم وتصميم خطط قطاعية متناسقة متكاملة في اطار التنمية الشاملة للاقطار العربية
واذ يطول تعداد الاعمال التي قامت بها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لتحديد معالم استراتيجية ثقافية عربية عبر كل اللجان والهيئات المختصة في اجتماعاتها الدورية فمن الانسب في هذا المقام الاقتصار على خلاصتها المجمعة في مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي
وقد صادف انعقاد هذا المؤتمر بدءا من دورته الاولى العادية بعمان سنة 1976 وامتدادا الى دورته الثالثة العادية ببغداد عام 1981 اجتماعات مماثلة نظمتها الينسكو في العقد المنتهى ( 1870 - 1980 ) في أربعة أقاليم من العالم حول السياسات الثقافية بها.
في مطلع ذاك العقد عام 1970 نظمت الينسكو بالبندقية ( ايطاليا ) مؤتمرا عالميا أولا حول أسس وهياكل السياسات الثقافية . ففى هذا الظرف العالمي الذي أفرزته تنمية اقتصادية لم تواكبها تنمية ثقافية تواصل الاهتمام أوكد من ذي قبل بالسياسات الثقافية في العالم العربي بعد أن كان اهتماما عفويا منذ نشأة الجامعة العربية في عام 1945 .
وقد أصبح لنا الآن تصور أوضح من ذي قبل لتلك السياسات الثقافية وإدراك أعمق لأهميتها في تقديم رؤية عربية متكاملة تبرز الهوية الثقافية ووظيفة الثقافة العربية فى التنمية الشاملة القطرية والاقليمية وتؤكد الجوانب الانسانية لهذه الثقافة في حوارها مع الثقافات العالمية وفى مواجهة مشكلات العصر والاسهام في ايجاد الحلول لها في نطاق التعاون الدولى
ونظرا لأهمية ملف السياسات الثقافية في الوطن العربي كان من المقرر أن تتم دراسته وأن تعد في شأنه وثيقة واضحة الملامح ثرية المقترحات جلية الافكار شاملة لكل التوصيات التى قد يصدرها الوزراء العرب المسؤولون عن الشؤون الثقافية فى مؤتمر اقليمى خامس للسياسات الثقافية في الاقطار العربية كان من المنتظر أن تدعو الى انعقاده الينسكو في ربيع 1980 بعد أن خصصت العقد المنتهى ( 1970 - 1980 ) لتعميق مفهوم السياسيات الثقافية في العالم تمهيدا للمؤتمر العالمى الثانى للسياسات الثقافية المعين لشهر يوليو 1982 في المكسيك
غير أن المجموعة العربية تأخرت عن عقد اجتماعها الحكومى حول السياسات الثقافية في نطاق الينسكو خلافا لما تم بالنسبة لمجموعات أوربا ( في هلنسكى 1972 ) ، وآسيا ) في جاكرتا 1973 ) ، وافريقيا ) في أكرا 1976 ) ، وأمريكا اللاتينية والجزر الكريبية ) في بوغوتا 1978 ) . ويرجع ذلك التأخر الى عدة أسباب أهمها رفض الدول العربية الجلوس في اجتماع الينسكو الى جانب مصر بعد معاهدة كانب دافيد وتطبيع مصر لعلاقاتها مع الكيان الصهيوني وإصرار الينسكو على دعوة مصر للمشاركة في الاجتماع .
ومن المفيد أن نذكر القارىء بأهم معطيات وظروف اجتماع الخبراء الحكوميين حول السياسات الثقافية في البلاد العربية المنعقد بتونس ( 23 - 27 / 11 / 1981 ) ويحق لنا أن نعتبره اجتماعا حاسما لتوفقنا فيه إلى إعداد الوثيقة المنتظرة منذ أمد لتقدم باسم المجموعة العربية في المؤتمر العالمي بالمكسيك
لما تأجل موعد مؤتمر الينسكو الخاص بالسياسات الثقافية في الأقطار العربية ظهر حرص للخروج من المأزق ، فأجرت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ( الكسو) بتوجيه من مجلس الجامعة العربية اتصالات مع الينسكو لدراسة الموقف في اطار اتفاقية التعاون بين المنظمتين بدءا من شهر مای 1980 وتم الاستعداد في مستوى أجهزة المنظمة العربية واللجنة الدائمة للثقافة العربية لطرح موضوع السياسات الثقافية في الوطن العربي على مؤتمر الوزراء العرب المسؤولين عن الشؤون الثقافية في دورته الثالثة ببغداد في بداية نوفمبر 1981 وادراجه كبند من بنود مشروع جدول أعماله حتى تتمكن المجموعة العربية من تحديد موقف مشترك ازاء القضايا الثقافية المطروحة في الساحة العالمية والتي سيقع التحاور حولها في المؤتمر الحكومي العالمى الثانى للسياسات الثقافية بالمكسيك
ثم تحدد موقف منظمة الينسكو في مؤتمرها العام الاخير الذي انعقد ببلغراد في سبتمبر وأكتوبر 1980 حيث اقترح ممثل العراق باسم الوفود العربية وبصفته رئيسا للمجموعة العربية لدى الينسكو أن تكتفى الينسكو ببديل عن المؤتمر الخامس الاقليمي الذي كانت تنوى تنظيمه للمجموعة العربية ولكنه ألغى . ويتمثل ذلك البديل فى أن تأخذ المنظمة العالمية بعين الاعتبار حصيلة نتائج المؤتمر الثالث للوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي ( بغداد - نوفمبر 1981 ) في اطار تحضير واعداد وثائق المؤتمر الحكومى العالمى للسياسات الثقافية بالمكسيك ) في جويلية 1982 ) .
واستجابة لهذه الرغبة التي سجلت في محاضر المؤتمر العام للينسكو أرسلت الينسكو الى المنظمة العربية ( الكسو ( جميع الدراسات التي أعدتها في إطار تحضيرها للمؤتمر الحكومى للسياسات الثقافية في الوطن العربي الذي لم ينعقد . كما أرسلت الينسكو الدراسات التي أعدتها لتوضيح معالم السياسات الثقافية في مختلف أقطار العالم وتقارير المؤتمرات الاقليمية الحكومية الاربعة في افريقيا وآسيا وأوربا وأمريكا اللاتينية
وحتى تتضح لديها التطلعات العالمية مباشرة أرسلت المنظمة العربية خبيرين للمشاركة في حلقتين دراسيتين نظمتهما الينسكو بباريس لتحضير المؤتمر العالمي للسياسات الثقافية أولاهما من 15 الى 19 ديسمبر 1980 حول موضوع و تطور مفهوم الثقافة والمفاهيم المتعلقة بالتنمية الثقافية وبالسياسات
الثقافية في العقد المنتهي ( 1970 - 1980) وثانيتهما من 22 الى 25 جوان 1981 في موضوع « محاولة وضع خطوط عريضة لتطور التنمية الثقافية في المستوى العالمي)) .
كل تلك الخبرات والوثائق والدراسات وميثاق الوحدة الثقافية العربية ( لسنة 1964 ) ودستور المنظمة ( 1970 ) وخاصة جميع توصيات مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي في دوراته الثلاث العادية ) عمان 1976 - طرابلس 1979 - بغداد 1981 ) وفى دورته الاستثنائية بدمشق ) جوان 1981 ) من شأنها أن تساعد على إعداد وثيقة تأليفية شاملة للسياسات الثقافية في الوطن العربي . وقد اقترحت المنظمة العربية وثيقة عمل أولى على اللجنة الدائمة ومؤتمر الوزراء العرب المسؤولين عن الشؤون الثقافية ببغداد فنوقشت طويلا وحسم النقاش بأن اقترح الاستاذ البشير بن سلامة وزير الشؤون الثقافية بالجمهورية التونسية جمع خبراء حكوميين في مقر المنظمة العربية بتونس بعيد مؤتمر بغداد ليراجعوا الوثيقة الأولى ، ويعملوا على إتمامها وإثرائها ، ويستوعبوا جميع التوصيات الصادرة عن مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الثقافة في الوطن العربي في دوراته الاربع ، ويحكموا تبويب الوثيقة النهائية على النسق المنهجى الذى اتبعته المؤتمرات الحكومية الاقليمية الاخرى التي دعت اليها الينسكو
واذ كان تدخل الاستاذ البشير بن سلامة باسم الجمهورية التونسية محل رضا جميع زملائه العرب والخبراء المشاركين في مؤتمر بغداد في أوائل نوفمبر 1981 فقد أصدر المؤتمر التوصية التالية :
(( يوصى المؤتمر المنظمة العربية باثراء ورقة العمل الخاصة بالسياسات الثقافية في البلاد العربية والاخذ بالاعتبار ملاحظات اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجنة الدائمة حول هذه الورقة . ولهذا الغرض يدعو المؤتمر المدير العام الجمع لجنة من الخبراء الحكوميين لاعداد الوثيقة التي ستعرض باسم المجموعة العربية في المؤتمر العالمى الثانى للسياسات الثقافية للينسكو الذي سوف يعقد في المكسيك في شهر يوليو / تموز 1982 )) .
وتنفيذا لتوصية المؤتمر احتضنت تونس اجتماع لجنة الخبراء الحكوميين لاعداد الوثيقة النهائية للسياسات الثقافية العربية.
افتتح الاستاذ البشير بن سلامة وزير الشؤون الثقافية اجتماع الخبراء بخطاب اعتمد كوثيقة عمل . وقد حوصل الوزير في بيانه العناصر الاساسية لموضوع السياسات الثقافية فى الاقطار العربية ، وأشار الى المعركة المصيرية التي تخوضها الأمة العربية ، والى ما تتعرض له الهوية الثقافية العربية حاليا من هيمنة نمطية الثقافة الغربية وعمليات الغزو الثقافي الصهيوني للثقافة العربية في فلسطين والاراضي المحتلة ، وأوضح أركان ومقومات الهوية الثقافية العربية من لغة واحدة وحضارة انسانية عريقة متفتحة ومتسامحة وتراث ثقافي و علمی خالد ، وأعرب عن ثقته في أن جل أقطار الوطن العربى تملك من الموارد المالية والامكانات البشرية والطاقات الخلاقة ما يجعلها تصمد أمام كل هذه التحديات وتتجاوزها ، وبين أن الفكر العربي تميز في الماضى باسهامات أغنت الثقافة العربية ، وأثرت الثقافة الانسانية ، وهو يستطيع أن يلعب هذا الدور في الحاضر وفي المستقبل . وأكد الاستاذ البشير بن سلامة على الارتباط العضوى بين التنمية الثقافية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وعلى الدور الهام الذى تلعبه التنمية الثقافية في تحقيق التوازن الاجتماعى واحكام المخططات الاقتصادية ، وتحدث عن الوسائل التي يمكن أن تستخدم لتحقيق هذه التنمية.
وألقى الدكتور محيى الدين صابر المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم كلمة أشار فيها الى خطر الموضوع الذى يدرسه الخبراء الحكوميون في اجتماعهم وقدره في تقديم رؤية عربية متكاملة من خلال تحديد معالم الهوية الثقافية العربية ومقومات تنمية تلك الثقافة وقدرتها على التفاعل مع الثقافات الاخرى في نطاق التعاون الدولى ، وذكر الدكتور صابر بملخص الاهتمام الحقيقى والعملى بموضوع السياسات الثقافية في العالم العربي
ووزع الوفد التونسي بعد ذلك فى الجلسة العامة الاولى تقريرا فى ثلاثين صفحة قدم من خلاله آراء ومقترحات حول جميع بنود جدول أعمال الاجتماع، وقد اعتمدت هذه الورقة كوثيقة عمل .
وشارك فى هذا الاجتماع عدد كبير من الخبراء الحكوميين الوافدين من الاردن والجزائر والسودان وسوريا وقطر والكويت وفلسطين والعراق والمغرب.
واليمن الشمالى والمملكة العربية السعودية واليمن الجنوبي وموريتانيا والجماهيرية الليبية وتغيب الصومال وجيبوتى والبحرين والامارات وسلطنة عمان .
واتفق المجتمعون على أن هناك ثلاثة محاور تنتظم الموضوع فقرروا تشکیل ثلاث لجان فرعية على النحو التالي : 1 - لجنة الهوية الثقافية 2 لجنة التنمية الثقافية 3 لجنة التعاون الثقافي الدولى
وبعد أن درست اللجان الثلاث الوثائق التي قدمتها لها المنظمة العربية تولت كل لجنة اعداد تقرير عن الموضوع الذى تناولته بحثا واستقصاء وتم في اجتماع عام عرض التقرير العام والتقارير الثلاثة ومناقشتها واعتماد التوصيات الصادرة عن مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي في دوراته الاربع ...
وبهذه الوثيقة النهائية الهامة حول السياسات الثقافية في البلاد العربية التي توصل الى اعدادها في اجتماعهم الخبراء الحكوميون تأهبنا بجد للمشاركة العربية المشرفة فى المؤتمر العالمى الثانى للسياسات الثقافية الذي سينعقد 1982 في عام.
وفيما يلى عرض موجز لتقارير اللجان الفرعية وللتوصيات :
11- الهوية الثقافية : أشار التقرير الى أن ثقافة الامة العربية هي قوام شخصيتها والمعبر الاصيل عن تطلعاتها وأمانيها والدعامة الحقيقية لوحدتها الشاملة ، مؤكدا أن أهم الخصائص التي أتاحت لهذه الثقافة مواصلة الاسهام بشكل ايجابي في إغناء التراث الانساني هي الآتية :
1-أصالة الثقافة العربية باعتبار أنها نشأت فوق الارض العربية منذ الوف السنين ، وامتدت متنامية عبر الزمان والمكان ، ولم تكن مزيجا من ثقافات غريبة عنها.
2 - اتسامها بسمة انسانية عالية تجلت فى تمسكها بقيم الحق والعدالة والكرامة وفي احترامها حق المعرفة والتفكير والاجتهاد.
3 - انصافها بالشمول ، فقد تجلت آدابا وفنونا وتقاليد .... كما تجلت علوما وتشريعا وفقها ونظاما اجتماعيا .
4 - تطلعها الروحى العظيم المستمد جذوره من الاسلام ومن القرآن الكريم الذى نزل بلسان عربي مبين.
5 - تفردها بين الثقافات القديمة بالقدرة على استيعاب الثقافات الاخرى والتفاعل معها دون أن تذوب أو تتشوه أو تفقد أصالتها بسبب من ذلك.
6 - استمرارها في النمو والابداع والتطور ، على مر العصور ، خلافا لكثير من الثقافات الاخرى التى انقرضت وبادت.
7 - صمودها باصرار وحيوية في وجه كافة محاولات الاستلاب الثقافي الذي سلطه عليها الاستعمار في شتى صوره وأشكاله ومنها الغزو الثقافي الصهيوني الذي يعمل على طمس الهوية الثقافية العربية في الاراضي العربية المحتلة وفلسطين.
8 - ما برهنت عنه اللغة العربية من قدرة فائقة على التطور والنمو واستيعاب المبدعات الانسانية في مجالات العلم والتقنيات والفنون والآداب .
وبعد استعراض ما نص عليه ميثاق الوحدة الثقافية العربية ( 1964 ) في نطاق ضبط هدف التربية والتعليم ، وما حدده دستور المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ( 1970 ) من غايات وأهداف لعملها ، أشار التقرير الى أن المجموعة العربية قد تدارست في مؤتمراتها واجتماعاتها المختلفة وضع الثقافة العربية المعاصرة ، فرأت أن اللغة هي العامل الاساسى المحرك لهوية الثقافة العربية وهي شرط حصانتها ودوامها ، وأوصت بوجوب استعمالها في جميع مراحل التعليم بكافة أنواعه وفى البحث العلمى ووسائل الاعلام والثقافة والنشاطات الفكرية الأخرى .
111-التنمية الثقافية : تناول مضمون التقرير النقاط الاربع التالية : 1- التنمية الثقافية والتنمية الشاملة 2- مبادىء التنمية الثقافية 3- وسائل التنمية الثقافية 4 - العمل الثقافي .
1 - التنمية الثقافية والتنمية الشاملة :
ان التنمية الثقافية هي أحد الابعاد الطبيعية الاساسية للتنمية الشاملة ولا يمكن بحال الفصل بين النظرة الاقتصادية والنظرة الثقافية في مجال التنمية . كما أن الانسان هو غاية كل تنمية وحقه في الثقافة يرادف حقه في التعلم ويكمل حقه على الاصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية . وهذه كلها حقوق متكاملة في النظرة الشمولية التي تضمن التوازن الاجتماعي اذ يلاحظ خاصة أن التحولات الاقتصادية التى لم يواكبها تخطيط ثقافي محكم سواء في الاقطار المتقدمة أو في بلدان العالم الثالث تسهم في خلق مشاكل الانحراف والكآبة المزمنة المفضية الى الانتحار أو الغرق في المخدرات والى الاستلاب الثقافي والتنكر للقيم الروحية لان العلاقة متواصلة بين التنمية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية ، فكل منها مؤثر في الآخر متأثر به متوقف عليه. لذا تدعو الوثيقة الى ضرورة إيلاء الثقافة ما تستحقه من عناية في مجالات العمل التنموى العربى باعتبار الدور الخطير الذى يمكن ان تلعبه كبعد من أبعاد التنمية الشاملة
2 - مبادىء التنمية الثقافية : تثبت الوثيقة المبادىء التالية للتنمية الثقافية :
أ - الحق في الثقافة :
- على التنمية الثقافية ان تحترم حقوق الانسان الاساسية وبالاخص حرية التفكير وحرية التعبير ، اذ هما شرطان لكل إبداع ولكل عمل خلاق . غير أن التمتع بهذه الحقوق لا يعنى استعمال الحرية للتمرد على القيم والتطلعات التي ينشدها المجتمع العربي . ومن الضرورى اقامة علاقات وثيقة بين خطط التنمية الثقافية ومشاريعها من ناحية ونشاط الافراد من ناحية أخرى لان هذه العلاقات من شأنها أن تقيم تفاعلا بناء بين الحفاظ على التراث وإبداع الجديد الذي يتلاءم ومتطلبات العصر ....
ب - حرية الفرد كانسان :
للثقافة اتصال مباشر بكرامة الانسان، اذ بها تتأكد ذاته وتتقرر شخصيته فيمارس حريته . ولضمان هذه الحرية ينبغى أن تقوم الدولة بمسؤوليتها في تنمية الثقافة ورعايتها وفى توفير كافة إمكانات التفتح والانتشار لها.
ولا تعنى قيادة الدولة للتنمية الثقافية بحال من الاحوال ان تحد ( أى الدولة ) من حرية الابداع والخلق ولا أن تجعل من الثقافة أداة تسخرها لأغراض تتنافى والتنمية الاجتماعية والقومية أو تتعارض والقيم التي تنشدها الامة العربية.
ج - الديمقراطية الثقافية :
ينبغي الحرص على أن تكون الثقافة جهدا يقوم على المشاركة الجماعية في مجالي انتاجها والافادة منها ، ولا بد من توفير جميع الفرص والظروف لتمكين المواطنين من إبداء رأيهم فى ما يقدم اليهم من انتاج ثقافي . وللمؤسسات التعليمية والتربوية دور هام يمكن أن تقوم به في تنمية نزعة المشاركة في الحياة الثقافية لدى الناشئة وممارستها في المحيط الاجتماعي ، وينبغي التوقى من النزعة البوقراطية ومن احتكار العمل الثقافي وحصره في نطاق ضيق أو في مفاهيم خاطئة بالية تمثل عقبات في مجال ديمقراطية الثقافة وتعرقل التنمية الثقافية التي لا تتحقق الا بالجماهير ومع الجماهير وباختيارها الحر .
د - المعايير القومية للتنمية الثقافية :
تتلخص هذه المعايير في حق الأمة العربية في الوصول الى ثقافة عربية موحدة تحترم تعددية المناهج والممارسات الثقافية التي تغنى المجهود الثقافي العربي ، ولا تعمل على تجزئته أو تشويهه ، وتنمى المشاركة الثقافية بكافة الوسائل ، وتعزز بالخصوص جانب اللغة العربية بوصفها وسيلة مباشرة لتنشيط الحركة الثقافية العربية ، وتطور الواقع العربى انطلاقا من التراث والتقاليد باختيار الاعمال الثقافية الملائمة لوجدان الأمة العربية وذوقها الخاص المتجنبة كل محاكاة حرفية لخطط ثقافية أجنبية.
وينضاف الى تلك المعايير ترسيخ المفهوم الصحيح للثقافة العربية باعتبارها ثقافة قومية وانسانية معا تتفاعل أخذا وعطاء في حوار متواصل مع الثقافات الاخرى المشاركة في رفع شأن الانسان وتستوعب تيارات العصر بدون ان تفقد هويتها وتسهم في إقامة نظام ثقافي عالمى جديد يصبح به الحفاظ على الخصوصية الذاتية لكل ثقافة واحترامها المتبادل قانونا أساسيا في منهج ثقافي عالمي مشترك.
3 - وسائل التنمية الثقافية :
أ - الوسائل البشرية :
تعتمد التنمية الثقافية أساسيا على الطاقات البشرية تأهيلا وانتاجا .
*التاهيل :
إن إتاحة الفرص الوافرة لتكوين الاطارات الادارية والفنية التي تحتاج اليها الاقطار العربية لتلبية رغبات الجماهير الواسعة في التنشيط الثقافي تستوجب احداث مراكز للتأهيل والتخصص في شتى ميادين الفكر والفن والادب والعلوم والتقنيات الحديثة وينبغى ان تستهدف تلك المؤسسات الثقافية تكوين المنشطين المتخرجين منها بصفة تجعلهم مؤهلين لتنمية الذوق الفردي والجماعي وصقل المواهب الابداعية وتربية النشء تربية فنية وجمالية مستمرة.
*الانتاج الثقافي :
يقوم الانتاج الثقافي على ثلاثة أركان : المبدع والجمهور المشارك والمنشط وكل ركن منها فى حاجة الى رعاية من نوع خاص.
أما المبدع فيستغل جميع طاقاته الابداعية اذا حقق له المجتمع مناخا تسود فيه حرية التعبير المسؤول ووفر له وسائل الاتصال الواسع بالجمهور وأنزله منزلته الاعتبارية بحيث يستطيع بمحض إنتاجه أن يعيش عيشا كريما.
وأما الجمهور المتلقى للنتاجات الثقافية والمشارك فيها بوعي فينبغي تكوينه ليكون قادرا على التذوق والنقد بدءا من المدرسة وكذلك في اطار مكافحة الامية وتعليم الكبار.
وأما المنشط فردا كان أو مؤسسة فهو الواسطة فى الحوار بين الجمهور والمنتج وله دور هام في عملية ايصال الانتاج الثقافي الى الجمهور واستكشاف انطباعاته واعلام المنتجين الثقافيين بذلك.
ب - الوسائل المادية :
ان تنمية الكفاءات البشرية التى تعتمدها التنمية الثقافية تتطلب توفير وسائل مادية كثيرة تتلخص فى ما يلى :
* التمويل الثقافي :
بما أن الثقافة حماية اجتماعية وعنصر أساسى من عناصر التنمية الشاملة المتوازنة فان حاجة المجتمع العربي المتزايدة للانتاج الثقافى وللمرافق الثقافية تتطلب مراجعة الميزانيات المرصودة للوزارات المعنية بالثقافة ودعمها مع إسهام المؤسسات الصناعية والاهلية والبلديات وحتى الافراد المقتنعين بأهمية الثقافة وارتباط مصير الانسان بها في عملية التمويل
*مرافق نشر الثقافة :
تعتمد التنمية فى توزيع النتاج الثقافي على وسائل نشر ( دور ثقافة ، مسارح ، متاحف ، مكتبات ... ( ووسائل تنشيط ) مهرجانات ، ندوات ، ملتقيات ... ) وتستفيد من وسائل الانتاج المتاحة خاصة بالصناعات الثقافية.
*الصناعات الثقافية :
غير أن الوطن العربي يفتقر الى مؤسسات تقوم بانتاج احتياجاته الضرورية من الصناعات الثقافية فيكون من المناسب في هذه المرحلة إيلاء الاهتمام الى الصناعات الثقافية الخفيفة كالورق ومستلزمات الطباعة قصد تيسير أثمانها . وإن افتقار بعض الدول العربية الى المهارات الفنية اللازمة للاشراف على مشاريع التصنيع الثقافي أو العمل فيها يدعوها الى تكثيف الجهد العربي المشترك للاسهام بشكل ثنائي أو جماعي في خلق المشروعات المشتركة . ولا شك أن تأمين الزاد الثقافى للأمة العربية مرتبط وثيق الارتباط بقدرتها على تصنيع ثقافتها وحمايتها وجعلها قادرة على مزاحمة الصناعات الثقافية الاجنبية.
ج - الوسائل التنظيمية :
*التخطيط :
أكدت الدول العربية في مؤتمر الخرطوم ( 1978 ) ومؤتمر طرابلس (1979) على ضرورة وضع استراتيجية ثقافية موحدة ضمن مخطاتها للتنمية الشاملة وقد توجهت السياسات الثقافية العربية الى توضيح أهداف تلك الاستراتيجية وضبط مراحلها واعتماد الدراسات والبحوث الضرورية لمعرفة حاجيات
المجتمع مع مراعاة الظروف المحلية لكل قطر فى اطار وحدة الوطن العربي تحقيقا لمفهوم قومية الثقافة.
* البحث :
ولهذا الغرض يكون إنشاء مراكز البحوث المتخصصة التي ترافق تنفيذ السياسات الثقافية وتقدم دراسات الجدوى للمشاريع المختلفة أمرا أساسيا كما أن البحوث ذاتها تحتاج الى متخصصين في مختلف مجالات الثقافة کالاحصاء الثقافي والببليوغرافيا الكاملة في شؤون الثقافة ونتاجها بالاعتماد على مراكز للتوثيق الثقافي
*التشريع :
نظرا لتعدد الدول العربية واختلاف قوانينها أكدت المؤتمرات الثقافية العربية على ضرورة التقريب بين الاتجاهات التشريعية في البلاد العربية قصد توحيدها خاصة بعد أن صادقت معظم الدول العربية على سن التشريعات الحماية الملكية الثقافية وحقوق المؤلف والتراث الثقافى والمعالم التاريخية الى جانب حماية المنتج مهما كان صنفه والناشر والموزع للنتاج الثقافي والمواطن العربي من كل نتاج أجنبي مهيمن مشوه للهوية.
*التوثيق :
بما أن التوثيق هو ذاكرة الشعب وأن التوثيق الثقافي ركن من أركان النهضة المرجوة فالضرورة تقتضى توظيفه ليخدم البحوث ويدعم مشاريع التنمية الثقافية ولا يتأتى ذلك إلا باحداث مراكز للتوثيق الثقافي بأنواعه على صعيد كل قطر ريثما يبعث مركز توثيق عربي جامع يستقى مادته من تلك المراكز كلها.
4 - العمل الثقافي :
أ - التكامل بين أجهزة العمل الثقافي :
من استعراضنا السابق لمقومات العمل الثقافي يمكن القول بأنه لا يكتمل الا برعاية المنتجين ومساعدتهم ماديا ومعنويا وباشراك كل الفئات الاجتماعية
فى هذا العمل الثقافي وتأمين الزاد الثقافي الجيد لها بالصناعات الثقافية العربية الداعمة للهوية القومية ، والقادرة على الرواج فى الداخل والخارج.
ويحتاج هذا العمل الى ايجاد تكامل بين أجهزة الثقافة والتربية والاعلام بادماج المواد الثقافية فى برامج التعليم والتعريف بالمبدعين وبانتاجهم وردم الهوة بين الثقافة والعلوم والتقنيات الحديثة.
ب - المشاركة فى الحياة الثقافية :
أصبح العالم العربى واعيا بضرورة شمول الثقافة لجميع أفراده بدءا من الطفل ومرورا بالشباب البالغ نسبته نصف المتساكنين أو أكثر في بعض الاقطار مع إيلاء المرأة ما تستحقه من مكانة في المجتمع وتنمية روح الابداع والخلق لدى كافة الفئات باعتبارها أكثر من شرائح منفصلة بعضها عن بعض بل متفاعلة مسهمة في العمل الثقافي وفي تطويره وكل فرد منها مقياس لرصد مدى نجاح التنشيط الثقافي اذا هو الهدف الاساسي للتنمية الشاملة والقوة الفعالة في إنتاج الثقافة
ج - معوقات العمل الثقافي :
-التبعية الثقافية :
ما زال العالم العربي - رغم تخاصه من الاستعمار المباشر – لا يختلف وضعه عن وضع العالم الثالث فهو يعانى مخلفات التبعية الثقافية وإنها لعوائق أساسية في سبيل التنمية الذاتية التي تراعى حاجيات الجماهير وتطلعاتها . ويتمثل الاستلاب الثقافى فى إغراق المجتمع العربي بمواد مناهضة لقيمه الصحيحة وفى استيراد تكنلوجيا ليست دائما ملائمة أو ضرورية وذاك مجلبة لانفصام الشخصية وتفسخها .
- التغرب وهجرة الكفاءات :
ان هذه الظاهرة هي من معوقات العمل الثقافى لذا وجب السعى الى جلب الكفاءات العربية المهاجرة والى تيسير تنقلها في البلاد العربية وتوفير ظروف العمل المناسبة لها لتسهم فى التنمية الثقافية بها .
- إعادة النظر فى التشريعات :
من عوائق التنمية الثقافية خصوصا والتنمية الشاملة عموما التشريعات المتعلقة بالجمارك وصرف العملة والنظم الادارية للتوريد والتصدير التي لا تميز في كثير من الحالات بين المنتوج الثقافي وغيره فتكبل الثقافة مما يستوجب إعادة النظر في تلك التشريعات
- مشكلات تمويل العمل الثقافي :
التنمية الثقافية استثمار طويل الاجل يقاس بعائده الثقافي في تكوين الانسان ورفع مستواه وسلوكه قبل كل شيء ، لذا وجب التأكيد على الاستفادة من جميع المصادر المتاحة لتمويل العمل الثقافي . وإذ كان لا مناص في الاستثمار من مراعاة اقتصاديات العمل الثقافي فقد وجب ترشيد الانفاق الثقافي وتحديد أولويات المشروعات الثقافية وتشجيع المبادرة الخاصة المتوفرة في هذا الميدان.
١٧ - التعاون الثقافي الدولى :
يعتبر التعاون الثقافى وسيلة هامة لتعميق الحوار بين الشعوب والحضارات والاستفادة من الخبرات المتبادلة وتأكيد الهوية الثقافية لكل قطر . ويتجه هذا التعاون الى :
1 - التعاون الثقافي على المستوى القومى :
- لئن عبر التقرير عن الاغتباط بما تم إنجازه في مضمار التعاون الثقافي العربي الذي وصل في بعض جوانبه كالاتفاقية العربية لحماية حقوق المؤلف ومشروع القانون الموحد للآثار الى مستوى التنسيق فان التقدم الذي تحقق في مضمار التنسيق لم يبلغ بعد مستوى يرضى مطامح الأمة العربية المتطلعة الى تحقيق أعلى درجة من التكامل والتوازن.
وثمة إجماع على مواجهة عمليات الاستلاب والغزو الثقافي بجميع مصادره وأساليبه وأهدافه وفى مقدمة ذلك الغزو الصهيونى للثقافة العربية وعبث ذاك الكيان الاستعمارى الاستيطاني بالممتلكات الثقافية العربية في فلسطين
السليبة والاراضى العربية المحتلة واحداثه التغييرات والتشويهات فيها وتهديمها وانتهاكه المقدسات الدينية الاسلامية والمسيحية وتزيف التاريخ
ومن مقومات التعاون الثقافي العربى متانة جذور الثقافة العربية وقدرتها على تجاوز واقع التجزئة والتخلف وتحقيق الوحدة على أسس موضوعية راسخة.
كما أن التأكيد على أصالة الحضارة العربية وخصوصيتها لا يعنى الانطواء على الذات بل القدرة على العطاء والتفتح.
ومن جهة أخرى ينبغى التأكيد على أهمية الانتقال الحر للانسان العربي داخل وطنه الكبير وإزالة العوائق التي تحول دون تبادل الافكار والآراء ووسائل نشر الثقافة المنقولة كالكتاب والصحف ومع ذلك ينبغي التنويه بالمبادرات الطيبة التي تحققت بشكل نسبى في بعض الاقطار للخروج من الطوق.
2 - التعاون الثقافي الدولى :
إن التعاون الثقافى العربى الدولى ينبغى أن يقوم على أساس المساواة في الحقوق بين الدول الصغيرة والكبيرة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة أخرى وعلى أساس التمسك بالمغزى العظيم للحوار الذي يتضمنه التعاون الدولى مع وجوب التيقظ لاحتمالات الاستلاب الثقافي الذي قد يخفيه ذاك التعاون . ولا بد أيضا من مراعاة الاولويات في العلاقات الثقافية العربية الدولية والتأكيد على أهمية علاقات الامة العربية بالعالم الاسلامي والعالم الثالث وبصورة خاصة شعوب القارتين الافريقية والآسيوية وأمريكا اللاتينة.
3 - التعاون الثقافي مع منظمة الينسكو وبعض المنظمات الاقليمية الاخرى :
بعد الاشادة بالدور الذي تلعبه الينسكو في مضمار التعاون الدولى وتحقيق السلام وتنمية الثقافة وإحياء التراث ونشر العلوم ، والتنويه بمساعيها لاقامة النظام الثقافي والاعلامى العالمى الجديد الذي يكفل لدول العالم النامي تأكيد هويتها الثقافية فى مواجهة السيطرة الثقافية والاعلامية للبلدان ذات الامكانات التكنلوجية المتطورة يذكر التقرير بأهمية القرارات والتوصيات التي أصدرتها الينسكو بتسجيل مدينة القدس في سجل التراث العالمي المهدد بالخطر وحماية التراث الثقافي بالاراضي العربية المحتلة
وهناك إيمان بأن منظمة الينسكو هى القادرة على أن تقدم للانسانية إطارا ملائما للالتقاء والاجتماع والحوار . وانطلاقا من هذه القناعة يطلب من الينسكو أن تضاعف جهودها في مجال تحقيق التعاون الفني والتقني بين الدول النامية والدول الصناعية ، وتعمل على تيسير ترجمة نماذج من الانتاج الفكرى العربي بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، وتحرص على إيصال التكنلوجيا الى الثقافة والتعليم ، وتسهل عمليات تبادلها وانتقالها الى دول العالم الثالث .
ومن جهة أخرى فان الدول العربية مدعوة الى الاسراع في المصادقة على الاتفاقيات الدولية التي تتبناها الينسكو ومن ضمنها اتفاقية حماية الممتلكات الثقافية في حالة الصراع المسلح والاتفاقية الخاصة بالاستيراد والتصدير والنقل غير المشروع للممتلكات الثقافية وغيرها من الاتفاقيات الثقافية الدولية . والدول العربية مدعوة أيضا الى تقديم العون اللازم للينسكو لوضح هذه الاتفاقيات موضع التنفيذ مع مطالبة تلك المنظمة بادخال تعديلات على النصوص التي لم تعد تستجيب للظروف المستجدة
وفي نطاق الحوار بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب يرجى الاستجابة الى الدعوة الصريحة التي قدمها الامريكيون اللاتينيون للحوار مع العرب والافريقيين والآسيويين . ويمكن في هذا المجال أن تلعب الينسكو دورا تاريخيا وتسعى كذلك في تجسيد الاتجاه الدولى الجديد لقيام حوار بين الثقافات المتجاورة حضاريا وجغرافيا كالثقافة العربية من جهة والثقافات الافريقية والآسيوية من جهة أخرى
ويختم التقرير هذا المحور بالتنويه بالجهود التي حققت في مجال التعاون بين المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ومنظمة المؤتمر الاسلامي وغيرها من المنظمات والمكاتب والروابط واللجان والمجالس الدولية ، ويدعو في نفس الوقت الى تطوير العلاقات بين الدول العربية والينسكو ، ويقترح انطلاق هذا التعاون من البحث عن صيغ فعالة للانشطة الثقافية والفنية التي تحضرها كل من الينسكو والمنظمة العربية
٧ - التوصيات :
أعد الخبراء الحكوميون في اجتماع تونس كشفا عاما مبوبا للتوصيات الصادرة عن مؤتمر الوزراء العرب المسؤولين عن الشؤون الثقافية في دوراته الثلاث العادية ودورته الاستثنائية وقد بلغ عددها 110 توصية تناولت بغزارة وتنوع كل العناصر الواردة في المحاور الثلاثة التي ارتكز عليها موضوع السياسات الثقافية في الوطن العربي ، وهى الهوية الثقافية ، والتنمية الثقافية ، والتعاون الثقافى الدولى ، ووقع التوجه ببعضها الى الدول العربية وببعضها الآخر الى الينسكو أو هما معا . ومنها ما هو موجه الى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لتضطلع بتنفيذه .
أما في خصوص الهوية الثقافية فقد شملت التوصيات وضع أسس النظام الثقافي العالمي الجديد ، ومقاومة الاستلاب الثقافى ، ومواجهة الغزو الصهيوني للثقافة العربية ، ومحاولات اسرائيل طمس المعالم التاريخية وتغييرها وازالتها في الاراضي المحتلة ، ودعم الثقافة العربية الفلسطينية الصامدة في وجه العسف الصهيونى المسلط على المثقفين العرب داخل فلسطين بتشديده الخناق عليهم واعتقالهم وتغريبهم واغتيالهم
وأما وأما فى خصوص التنمية الث التنمية الثقافية فقد تناولت التوصيات ضرورة تكامل مخططات التنمية الثقافية مع الرؤية التنموية الشاملة ، وضمان تدفق سيو ثقافية متوازنة متكافئة بين الاقطار العربية من جهة وبينها وبين الاقطا الاخرى من جهة ثانية ، واعداد دراسات جدوى إنشاء مراكز ثقافية إقليمية وتوفير مصادر تمويل لمشاريع التنمية الثقافية فى الاقطار العربية الضعيف وأما في خصوص التنمية الثقافية فقد تناولت التوصيات ضرورة تكامل مخططات التنمية الثقافية مع الرؤية التنموية الشاملة ، وضمان تدفق سيولة ثقافية متوازنة متكافئة بين الاقطار العربية من جهة وبينها وبين الاقطار الاخرى من جهة ثانية ، واعداد دراسات جدوى إنشاء مراكز ثقافية إقليمية ، وتوفير مصادر تمويل المشاريع التنمية الثقافية فى الاقطار العربية الضعيفة اقتصاديا ، وضمان حرية الانسان العربي وحقه في الثقافة عملا وتذوقا ، وحماية حرية الابداع وحقوق المبدعين والمؤلفين ، والعناية بالكفاءات الثقافية العربية ، ونشر وسائل التثقيف على أوسع نطاق بصورة تجعل الثقافة في متناول كل الفئات الاجتماعية ، والالتزام بشروط التكامل بين أجهزة التثقيف والتعليم والاعلام ، والاستفادة من جميع مصادر التمويل الثقافي المتاحة ( المحلية والقومية والدولية ) ، وتحديد أولويات للمشروعات الثقافية ، وتشجيع مبادرات الجمعيات الثقافية ، والتأكيد على مسؤولية الدولة في توفير وسائل تنمية الثقافة ، وتنويع البنى الاساسية المطلوبة للتنمية الثقافية بنسب تتوازن مع اللامركزية ، وتنمية الصناعات الثقافية دعما للهوية القومية
وتيسيرا لاشعاعها ، وإحصاء الاحتياجات الثقافية للجتمع ، ووضع الخطط الكفيلة بارضائها مع مراعاة ظروف كل قطر عربي على حدة ، وإعداد مراكز التوثيق الثقافى المحلية والقومية ، ودعم التجارب الموجودة والرامية إلى إنشاء معاهد تكوين المنشطين الثقافيين ، وتوسيع استخدام اللغة العربية في شتى مجالات العلوم والتكنلوجيا والتربية والانتاج الثقافي ، والتنسيق بين التشريعات المحلية والاقليمية وبين الاتفاقيات الدولية المتشابهة ، وتطوير العلاقة بين المدرسة من جهة والمسرح والسنما والاذاعة والتلفزة والصحافة واندية الشباب من جهة أخرى ، وتربية النشء منذ الطفولة على ادراك قيم الجمال الطبيعي والجمال التشكيلى ، وتمكين المرأة العربية من المشاركة الفعالة في التنمية الثقافية ، وتأهيل المعاقين للاندماج الكامل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والاسهام في الانشطة الثقافية ، والحد من هجرة الادمغة العربية ، والعمل على استرجاع الكفاءات المهاجرة للاستفادة من خبراتها العالمية الى غير ذلك من التوصيات.
وفي مجال التعاون الدولى عالجت التوصيات المبادىء الاساسية للتعاون الثقافى الدولى وحماية الثقافة العربية في فلسطين والاراضى العربية المحتلة ، وصيانة الآثار واسترجاع قطعها المتسربة خارج الوطن العربي ، وإنقاذ بعض المدن التاريخية في تونس والمغرب وموريطانيا وجمهورية اليمن الديمقراطية والجمهورية العربية اليمنية وغيرها ، وتبادل الخبرات في هذا الميدان ، وجمع المخطوطات والوثائق وحفظها وتحقيقها واسترجاع ما تسرب من خزائنها الى الخارج ، وتنسيق الجهود المبذولة في مجالات التأليف والترجمة والتعريب والتحقيق والنشر ، وتيسير إجراءات الاستيراد والتصدير والاجراءات الجمركية في خصوص الانتاج الثقافى والعلمى ، والتوسع إقليميا وعالميا في إقامة المعارض للكتاب العربي.
وصدرت توصيات أخرى فى مجال التعاون الدولى أيضا تهم الفنون ومنها دعوة الى إنشاء المركز القومى للتوثيق والبحث المسرحى ، ودعم المسرح المتنقل وإقامة مهرجان المسرح العربي الأول ، وتشجيع التعاون بين معاهد الفن المسرحى ، وتبادل الفرق والاعمال المسرحية ، وإقامة المهرجانات المسرحية المشتركة ودعم وتشجيع الحركة المسرحية الفلسطينية ، والحث على إقامة المركز العربي لاحياء التراث الفنى وعقد مؤتمره التأسيسي ، وإنجاز كتاب الفن العربي المعاصر الذي شرع في جمع معلوماته ، وتقديم كل عون ممكن
للمنظمة العربية من أجل اقامة مؤسسة الموسوعة العربية ، وبذل المساعى لاسترجاع الممتلكات الثقافية العربية المهربة ، وغير ذلك من القضايا والاهتمامات التي شغلت وما تزال تشغل بال المسؤولين عن الثقافة ورجال الفكر والفن في العالم العربي كما تدل على ذلك التوصيات الصادرة عن مؤتمر الوزراء العرب المسؤولين عن الثقافة في دوراته الثلاث العادية ( عمان 1976 ، طرابلس 1979 ، بغداد 1981 ) ودورته الاستثنائية ( دمشق 1980 ) .
7I - الخاتمة :
٣٠١ وعسى أن اكون قد وفقت في محاولة تقديم عرض موجز بقدر الامكان عن لخلفية التاريخية والمحتويات الثرية لوثيقة صعب على فى عدة فصول منها اختزالها أو عز على التخلى عن معانيها بعض تفاصيلها لكثرة فوائدها وتزااح وعسى أن أكون قد وفقت في محاولة تقديم عرض موجز بقدر الامكان عن الخلفية التاريخية والمحتويات الثرية لوثيقة صعب علي في عدة فصول منها اختزالها أو عز على التخلي عن معانيها بعض تفاصيلها لكثرة فوائدها وتزاحم مادتها . وقد تفانت في إنجازها نخبة من المثقفين والخبراء الحكوميين الميدانيين العرب الجديرين بالتحية والتقدير ، فما فتروا لحظة طوال خمسة أيام بلياليها شعورا منهم بخطورة ما عهد اليهم إنجازه من عمل خدمة للثقافة العربية التي تجمع الصفوف ولا تفرق وتأهبا للقاء عالمی تاریخی سينتظم في هذا العام الجديد بالمكسيك فيكون فرصة ثمينة للحوار المنعش البناء بين دول العالم في كافة الأقاليم على ضوء السياسات الثقافية .

