عاش العرب طيلة قرون بعد كبار النقاد مثل قدامة وابن هلال وابن رشيق ، وهم لا يعرفون من تحديد للفصاحة الا ما يجدونه فى بطون كتب البلاغة المطولة مثل مفتاح السعد التفتازانى وشروح السكاكى ، وتلاخيص القزوينى وغيرهم ، ولا يقفون على تقييم لها الا فى الشروط التى اشترطها علماء البلاغة مثل صحة اللفظ والتركيب وسلامة الربط والتعبير .
وظهر فى عصرنا - منذ أقل من قرن - علم فتى يافع قوى طموح هو ما اصطلحنا هنا على تعيينه بلفظ (( الألسنية Linguistique . وبدأ هذا العلم أول ما بدأ بوصف اللغات واللهجات ، واستقراء وسائلها ودراسة تراكيبها المختلفة دون ألتفات الى صحتها وسقمها ، ولا اهتمام بجمالها أو برودتها . فذاك هو غرض العلامة (( دى سوسير )) ((F . de Soussure )) خالق هذا العلم : وصف اللغات باعتبارها نظما اجتماعية بشرية واستخراج قواعد عامة فى فروعها كعلم الأصوات أو صلة الصوت بالمعنى ، أو تطور الأصوات والتراكيب ودلالات الألفاظ إلخ . . . ولم يكن فى قصده ولا فى قصد كبار الألسنيين بعده أن يقحموا قواعدهم هذه فى كلام البشر ، فيأخذوهم باستعمالها او يؤاخذوهم بتركها ، نعنى أن هذه القوانين الألسنية لم تكن (( تقييمية )) إلزامية ، كقوانين النحو والبلاغة والاشتقاق فى جميع اللغات .
ولكن الألسنية شأن كل العلوم ، لا بد أن تجد مجالا للتطبيق ، وإلا بقيت عقيمة عاقرا ، فلذلك صارت تهتم مثلا بميدان التدريس ، تدريس اللغات الأجنبية او القومية ، وتقترح وسائل تربوية جديدة ، وتعرض أدوات بيداغوجية عصرية ، وهو لعمرى عمل شريف ، اذ ما فائدة العلم ان لم يعمل به كما يقول علماء الأخلاق ؟ بيد أنه صار من جملة (( التطبيق )) عند الالسنيين أن يهتموا باللهجات العامية ويقارنوها بما نصطلح عليه بال (( لغة الفصحى )) فتقع من بعضهم المقارنة البحث ، ومن آخرين المقارنة مع المفاضلة ، ومن صنف ثالث المفاضلة مع النضال فى سبيل اللهجات ضد اللغة الفصيحة ، باعتبار تلك كائنا حيا ناميا يافعا ، وهذه جسما هامدا يستحق التحنيط قبل الدفن .
وتبع هذا النوع من التطبيق ، تطبيق بالفعل بعد القول ، فكتبت أقاصيص بلغة (( ثالثة )) بين الفصيحة والعامية ، وألفت أخرى بلهجة عامية صريحة ، بل صار دعاة هذا الأسلوب ينتصرون لمذهبهم ، ويحرضون غيرهم على اتباعه : فبعد أن رأينا فى بداية القرن كتابا تونسيين يؤلفون فى (( شبه عربية )) كالمرحوم الصادق الرزقى فى (( الأغانى التونسية )) - وقد كانت عربيته (( التقريبية )) صورة من ثقافة الصحافيين اذ ذاك - صرنا نرى كتابا قادرين على احتذاء الفصيحة عارفين بها عالمين بأساليبها ، يعمدون الى الفصل بين أسلوبى السرد والحوار ، فيكتبون السرد بالفصيحة ، والحوار بلهجة عامية ، بل مغرقة فى العامية أحيانا ، أى مغرقة فى (( المحلية )) ، ضيقة الحدود فى (( انتشارها الجغرافى )) ، كما فعل الكاتب البشير خريف فى قصته (( الدقلة فى عراجينها )) وقد سبق الى هذه الطريقة محمود تيمور فى بعض أقاصيصه ، وتوفيق الحكيم فى (( يوميات نائب فى الأرياف )) ، وفى (( مسرحية الصفقة )) ولكن سرعان ما تركاها .
وغرضنا فى هذا المقال أن ندلى برأينا فى هذا الموضوع الشائك الذى صار ذا ملابسات اجتماعية وحتى سياسية ، فضلا عن الثقافية التعليمية ، وأن ننتصر لرأينا كما ينتصر دعاة اللهجات الى رأيهم ، دون أن يكون فى نيتنا أى قصد للتهجم على الألسنية ، بفرعيها العام والتطبيقى ، ولا على الكتاب الشبان الذين يرون من حقوقهم أن يختاروا وسائل التأليف التى يرتضونها . ونعتذر سلفا عما قد يظهر فى كلامنا من تحمس وشدة : فالمسألة حيوية ذاتية قومية تتصل بتكويننا وكياننا ، وبماضينا ومستقبلنا ، فكأنها فى جوانحنا تنبض وفى أفئدتنا تخفق .
شروط الفصاحة قديما :
قال البلاغيون انها : خلو اللفظ من تنافر الحروف ك (( مستشزرات )) عند امرى القيس ، و (( جفخت )) عند المتنبى و (( البعاق )) عند من سمى السحاب ، و (( الدجر )) عند من عنى بقل اللوبيا ، ومن الظاهر أن هذه مسألة ذوقية ، وان كنا لا نستبعد أن يكون للقدماء من الالسنيين كسيبويه والخليل والزجاج وابن فارس رأى فى هذا التنافر ، يعتمد على مخارج الحروف او ما يسمية أصحاب الألسنية الحديثة (( علم الأصوات )) . وقالوا أيضا : ينبغى أن يخلو كلامك من الغريب المتروك والحوشى المردود ، أى ما يسميه بديع الزمان بلفظة مخيفة : (( معتاص )) الكلام ، كالذى يزخر به شعر الصعاليك أو أراجيز أسرة العجاج . وعمموا قاعدة التنافر الى تجنبها فى الكلمات فى رصفها وترتيبها : (( . . . وليس قرب قبر حرب قبر )) ، وليت الطلبة والتلامذة يتفهمون هذه القاعدة : فكم من (( جناسات )) تظهر لهم بعدها باردة ركيكة سخيفة ، فيلفظونها بعد ما ملأوا
منها الأفواه ! وكذلك استقبحوا ضعف التأليف وتعقيد التراكيب كقول المتنبى مفتخرا : ( منسرح )
أنا ابن من بعضه يفوق أبا الـ ـباحث ، والنجل بعض من نجله
وانما يذكر الجدود لهم من نفروه ، وأنفدوا حيله
على أن الشرط الذى يهمنا بالنظر الى ما خاض فيه القوم هذه المدة ، هو ما سماه عبد القاهر الجرجانى أبو البلاغة بـ (( النظم )) . . . (( ان نظم الكلم يقتفى آثار المعانى وترتيبها على حسب ترتيب المعانى فى النفس )) ( دلائل الاعجاز ص 40 ) ، فالفصاحة عنده ترجع الى الألفاظ بحسب افادتها للمعنى المقصود ، لا باعتبارها ألفاظا مفردة ، أى فالمعنى ضرورى ليكون كلام ، ويفهم هذا الكلام . ويهمنا أيضا شرطان متعلقان بما نسميه اصطلاحا (( النحو )) و (( والصرف )) ، فقالوا : لا يخالف البليغ القياس الصرفى كأن يقول (( مسيرة )) بفتح الياء عوض مسيرة بنقلها الى السين ، وأجلل عوض أجل بفك الادغام ، ولا يخالفن كذلك القانون النحوى كارجاع الضمير الى لاحق لا الى سابق ، فعل أبى الطيب فى بيته الثانى المذكور آنفا ومن الواضح أن هذين الشرطين هما محل الخصومة مع الدعاة الى الاهتمام باللهجات ونبذ القوانين الكلامية المحنطة فى الألفية وشروحها العديدة . فلذلك سيكون لنا بهما اهتمام خاص .
تعريف اللغة :
وينبغى أن نبدأ بالخوض فى مفهوم اللغة على ضوء البحوث الجديدة التى بدأت فى القرن الماضى مع خالق (( الألسنية )) دى سوسير . لقد قالوا : ان اللغة أداة تخاطب مع التفاهم بين المجموعات البشرية ، فالشرط الأول لكل لغة هو أن تكون مفهومة من سامعها عن الناطق بها : (( ... ان الوظيفة الأساسية لهذه الآلة التى نسميها لغة هى التفاهم المشترك )) . ( مبادئ الألسنية العامة لاندرى مارتينى ص 10 ) ، ( A . Martint - Elements de linguistique generale) ففيها اذن شرطان : الفهم والاشتراك . اما الفهم ، فشرط بديهى ولا يخطر ببال أحد أن يسمى لغة جملة من الألفاظ والتراكيب اختلقها بينه وبين نفسه. أما الاشتراك ، فحجته عند العرب مثلا أنهم وضعوا لما نسميه (( حديث النفس (( لفظة )) النجوى )) ليميزوها عن اللغة التى تنتقل بين ناطق وسامع .
ضرورة القواعد :
فان اتفقنا على ان اللغة كلام مفهوم بين متخاطبين ، نجمت أمامنا شروط إلزامية ، أولها أن هذين المتخاطبين الا يحصل بينهما الفهم الا اذا اتفقا سلفا على جملة من الأمور ، مثل دلالة الكلمات ، ونوعية العلاقة بين الكلمة والكلمة ومدلول تلك العلاقة أيضا ، سواء أكانت أداة أضافية رابطة بين الكلمتين أم مجرد موقع ورتبة فى جملة الكلمات المرصوفة . فان لم يكن سامعى متفقا معى على معنى (( زجاجة )) و((حجرة )) و(( سقط )) ولا على مدلول العلاقة بين (( سقط )) و(( زجاجة )) و(( حجرة )) ، فى مثل هذا الترتيب (( سقطت زجاجة على حجرة )) أو عكسه (( سقطت حجارة على زجاجة )) ، فان هذا القاسم المشترك بينى وبينه لا يحصل ، و (( الرسالة بين الناطق والسامع )) لا تمر كما يقول الألسنيون . ومن هنا يتبين لنا أهمية القواعد والقوانين اللغوية كقواعد الدلالة فى الألفاظ وهى الحاصلة بالسماع والاشتقاق ، وقواعد العلاقات والتركيب وهى المستفادة من علم النحو ، نحو المفردات ونحو التراكيب ، وقواعد الأساليب الخاصة للتعبير عن فكرة خاصة ، وهى المستفادة من علم المعانى او (( نحو المعانى )) المعروف فى البلاغة قديما بهذا الاسم وهو الذى يوافق ما يسمى اليوم عند نقاد الغرب بعلم (( الأسلوبية )) ستيليستيك (( Stylistique)) فعلى هذا الأساس صارت اللغة (( جملة من الوسائل للتعبير عن الأفكار بواسطة الكلام المنطوق - أو المكتوب - )) تستخدم مجموعة من الألفاظ ومن قواعد النحو ، والألفاظ فيها والقواعد مستقرة ثابتة نسبيا ، فصارت بهذا (( من النظم الاجتماعية القارة التى يلتزم بها سكان بلد ما ، دون أن يكون لارادتهم الشخصية عليها سلطان )) ( تعريف اللغة فى قاموس (( لالاند )) الفلسفى ) . فالقواعد الالزامية نوعان : قواعد الدلالة فى الألفاظ وهو ما قد نسميه اصطلاحا باسم (( القاموس )) (( L'exique)) فى معنى (( مجموع المفردات المستعملة فى لغة ما )) . وقواعد الدلالة فى العلاقات والروابط بين الكلمات ، وهو ما سمى عندنا (( نحوا )) ، أى قانونا ننحو به منحى (( الأستاذين والوالدين )) الذين أخذنا عنهم اللغة سماعا ، وهو نوعان أيضا : نوع يتعلق بوظيفة الكلمة فى الجملة ، أو بوظيفة الجملة - وقد أولها القدماء بمفردة - فى مجموعة جمل ، فبه يتعين للكلمة موقع فى ترتيب الكلام ، وتلحق بها علامة (( اعرابية )) تشهد بالوظيفة ، وهو النحو المعروف بهذه الكلمة . ونوع يعلمنا التعبير عن أفكار خاصة فى ذهننا كالتمنى أو الدعاء أو الالحاح والتوكيد ، باستخدام تراكيب خاصة لا يضير تركها من زاوية النحو التقليدى ، فاذا تركناها بقى كلامنا صحيحا (( نحويا )) ، وان زاغ عن ترجمة الفكرة الحقيقية . هذا النوع الثانى هو (( الأسلوبية او نحو المعانى )) . فالنوع الأول حينئذ أكثر الزاما من النوع الثانى ، أى قد يكون
كلامنا صحيحا (( نحويا )) دون أن يكون فصيحا بليغا )) ، ولكنه لا يكون فصيحا فى شىء ولا يكون كلاما اذا لم يكن صحيحا نحويا . وليست الصحة النحوية شرطا كافيا لجعل الكلام مفهوما : تكون الجملة صحيحة من جهة العلاقات النحوية والتركيب ، ومع ذلك تكون فاقدة لكل معنى مثل هذه الجملة الوهمية التى قسناها على نموذج أورده الباحث التقدمى (( شومسكى )) فى كتابه (( الهياكل النحوية ص 17 )) ، N . Chomsky : Structures Syntaxiques وقد ضربه مثالا للجمل (( الصالحة نحويا الفاقدة للمعنى )) : (( تأكل الأفكار على بساط من زرقة الدم النائم )) ، فالعلاقات صحيحة بين مسند ومسند اليه ، وصفة وموصوف الخ . ولكنها جملة مستغلة على كل فهم ، فصار من الضرورى أن تكون قبل القواعد النحوية فكرة واضحة بقدر الامكان ، فيكون النحو (( تنظيما)) للمعانى الدائرة فى النفس على حد عبارة عبد القاهر المذكورة . فالصحة النحوية غير كافية . ولكنها ضرورية كما أسلفنا لان (( الرسالة لا تمر )) ان لم يحترم الناطق قوانين العلاقات بين الكلمات والجمل .
الاحتجاج على النحو :
تجسمت خصومة النحو أولا فى الدعوة الى نبذ الحركات من اواخر الكلم فى الكلام المنطوق به ، فتجاهل القوم ان العرب يلزمون الخطيب الفصيح بالوقوف على السكون اذ ما خطب ، فطالبوا بحصول الحاصل ، بل صاروا يتندرون بالمدرس الذى يتعمد اظهار الحركات لغاية تعليمية ، كما كنا نتندر بمن ينطق (( قرنبالية )) (( القرون البالية )) او يغنى (( يا أحمد يا أخى )) عوض (( يا حمد يا خوية )) . فاذا كان الوقف - وهو مرادف السكون عند النحاة - امرا مفروضا متفقا عليه بالاجماع فى الخطابة والكلام المنطوق المسموع ، فانه على غير هذه الصفة فى الكتابة ، ولا حتى فى كامل الكلام المقول ، فقد سمحوا بالوقف فى أواخر الفصول لا غير ، أى فى ما يقف عليه النفس من الناطق ، كلفظ (( أمس )) الذى يسمح بتسكينه فى مثل هذه الجملة (( دعا ابراهيم صالحا امس )) ، فان سكنا الرجلين معا ، التبس علينا معرفة الداعى والمدعو . وربما سايرنا من يدعو الى الاكتفاء بالموقع والرتبة دلالة على الوظيفة ، فنجعل ابراهيم الداعى بالضرورة لانه هو الذى يلى فعل الدعوة مباشرة ، ولكننا ان فعلنا وقررنا هذا تعويضا للعلامة ، حكمنا على أنفسنا بترك أسلوب التقديم والتأخير نهائيا ، وشأن (( التقديم والتأخير )) فى الأغراض الأسلوبية البلاغية معلوم ، فصارت نية التيسير المزعومة تفقيرا لامكانيات اللغة فى الحقيقة ، وتنازلا باطلا عن أسلوب يسمح لنا بتحسين الكلام ، وابلاغ الرسالة بأيسر الطرق ، وتساوت عند السامع جملتان كهاتين : (( نال الكأس الترجى و (( نال العقاب الجماعة )) ، مع ان القصد عند الناطق مختلف كل الاختلاف .
وتهجموا على النحو بالخصوص فى استبقائه للمثنى فشكوا صعوبة تصريفة الى الرفع والجر ، وتمنوا ابقاءه على حالة الجر دائما ، ودعا المتطرفون منهم الى تركه نهائيا ، واحتج المناطق منهم بالقرآن الذى قال (( هذان خصمان اختصموا )) فقالوا بوجوب الاكتفاء بعددين : المفرد والجمع . ونحن نقول : ان العامية نفسها استبقت المثنى ، فتقول : اشتريت هذا الكتاب بدينارين ، و (( كيد النساء كيدين )) ، و شفته بعينى )) . فاذا تركناه وصرنا إلى الجمع ، ألا تعترضنا صعوبة الجمع السالم وخواتمه بين (( ـون )) و(( ـين )) ؟ أننبذه هو الآخر ، فنكسر (( الجرابة )) والجنادية (( والتوانسة )) كما كسر ابن خلدون (( الفواطم ؟ أم نجنح بهم كلهم الى صيغة المفردة (( كـ الصفاقسية والباجية والوراهنية )) أم نكسر ونفرد معا كلـ (( طواحنية )) و(( الفرانقية )) و(( النوابلية )) ؟ لعل هذا الصنيع يخامر بعض كتابنا ودارسينا الذين ينظرون نظرة محلية أى تونسية لا غير ، وكأنهم يحبذون هذه الفكرة لأنها تبرهن على (( استقلال )) بلهجتنا عن لغة شعوب أخرى ، استقلالا لغويا بعد الاستقلال السياسى والاقتصادى . وهذه نظرة خطيرة ، ان صحت عند أصحابنا ، لأنها تخلط بين أمور لا علاقة بينها : أولا ، ليست ملازمتنا للفصحى تبعية لأى شعب عربى آخر ، وليس لأى بلد عربى أن يدعى أن العربية لغته هو قبل غيره ، بل هى مشتركة بين جميع الشعوب العربية ، بله الاسلامية لانها لغة القرآن . واذا أنفردنا بلهجتنا، فأنشأنا فيها الكتب والدواوين ، وألفنا فيها المسرحيات والقصص ، بل وحررنا فيها قوانيننا وقرأنا قرآننا ، فأى فوز أحرزناه ، وقد فصلنا أنفسنا وناشئتنا وأجيالنا عن (( أصالتنا )) ، فصرنا نعتبر عمر بن الخطاب غريبا عنا ، والجاحظ أجنبيا ، والرصافى أعجميا ، واحتجنا بعد أجيال الى تأبط القواميس لفهم قصة من طه حسين ، أو مسرحية للحكيم ، أو حديث للمسعدى ؟ نقف عند هؤلاء ، لأن دراسة الأغانى او الحيوان او الشعر الأموى تكون آنذاك من الأعمال البطولية التى لا يقدم عليها الا الدكاترة المغرقون فى الاختصاص ، شأن من يغامر اليوم فى أدغال الياذة هوميروس أو فى مجاهل فكرة شيشرون اللاطينى . ثانيا : أى لهجاتنا نختار لنرفعها الى مستوى (( اللغة )) التونسية وقد بينا الاختلاف والالتباس الحاصلين فى الجمع ، وقد سقناه على سبيل المثال ، أليس هذا تجاهلا للشرط المذكور آنفا فى اللغة ، شرط التفاهم ؟ : فأنى لقارئ من العاصمة عندنا أن يفهم (( تشفيش )) المذكورة عند البشير خريف بكثرة على انها : تتفكريش ، أى : أتتذكرين ؟ وهل نأمر بالنهوض بـ (( فز )) أو (( تقعد ! )) أو (( قوم )) ومن يجزم بأن جملة كهذه : ... مشينى ع نقعد (( نعس على فمى )) ( الدفلة فى عراجينها ص 43 ) تمثل تركيبا شائعا فى كامل الجمهورية يفهم الخاصى والعامى أنه يدل على الاستمرار فى حالة ما ؟ أليس
تهاونا بشرط آخر مذكور أيضا فى تحديد اللغة ، وهو شرط الشيوع والانتشار بين المجموعة البشرية التى تؤلف الأمة والشعب ؟ فأى كسب للأدب التونسى أن يؤلف كتاب لا تتجاوز (( منطقة فهمه )) مقاطعة الجريد ، حتى وان أردفناه بقاموس لشرح المصطلحات الخاصة بالجريد ؟ قد يجيبنا القوم بأن الأدب الاجنبى عرف كتابا (( جهويين )) كميسترال فى ميراى (F . Mistral : Mireille ) وبانيول فى ثلاثية مرسيلية ولكن هذه (( الكتب ألفت بالفرنسية المشتركة التى يفهمها الجنوبى والشمالى والباريسى )) . ثم ، فلننظر الى القارىء القريب من الجزائر أو من المغرب ، فضلا عن البعيد من العراق او اليمن ، ما هى حظوظ مثل هذا الكتاب عنده ؟ ألا يكفينا مثال المصريين - كبار المصريين - وقد عدلوا عن حوار العامية بعد أن تبينوا انه عرقلة أكثر منه تسهيلا وترويجا ؟ ألا نعتبر بمثال الشرقاوى فى (( الأرض )) وقد أضاع أفكاره التقدمية ودفاعه النبيل عن الفلاح بحواره الذى لا يفهمه الا المصرى ، ولا حتى الفلاح لأن الفلاح المصرى - او التونسى او المغربى - لا يقرأ لانه لا يزال دون القارئين ؟
وبعد ، فهذا فى نظرنا خلط خطير بين (( الفولكلور )) و (( الأصالة )) وما أقبح الخلط بين القيم ! : فلئن كان من الضرورى أن نهتم بعوائدنا الشعبية ، وبلهجاتنا فنحن اليها كما نحن الى حضن الأم او الى الحبيب الأول فلنؤسس جمعيات تعنى بدراستها وبالأدب الشعبى ، شأن جمعية الدراسات الفيليبرية (( felibrige )) التى أسسها ميسترال المذكور . ومن الغبن أن ندع أداة صقلتها الأجيال من الشعراء والكاتبين ، وتوالت عليها العصور فلم تطمسها الأحداث ، بل كانت دعامة للحضارة الاسلامية التى سادت العالم طيلة قرون،الى لهجة ضيقة الحدود لا قانون لها ولا أصالة ، مفككة مبلبلة موزعة بين رطانة وركاكة ، فنقول تلك لغتنا ، فبها نؤلف واياها نتعلم ؟ هل سمعنا أهل سويسرا أو بلجيكا ، بل أهل كانادا البعيدين ، يضيقون يوما بالفرنسية لأنها (( لغة فرنسا )) ؟ أما سمع أصحابنا بمحاولات الفلاسفة والمفكرين لخلق (( لغة عالمية )) كمحاولات ديكارت ولابنتز ، أو كالـ (( سيرانتو )) ((Esperanto)) الذى ابتدعه البولونى (( زامنهوف (( zamenoff (( او الفولابوك )) ((Volapuck الذى آخترعه (( مارتن شلايار )) ؟ Schleyer )) أما بلغهم نبأ أبناء نوح وقد تطاولوا على ربهم ببرج (( بابل )) فابتلاهم (( ببلبلة )) اللسان ، فلم يتفاهموا وتهدم البرج ؟ فما أبعد هذه الدعوة الى (( بلبلة جديدة )) عن الدعوة التى غذت شبابنا : ليكن شعارنا فى كل مكان : قفا نبك ولا الاه الا الله ( افتتاحيات المباحث ) .
نتبين من هذا ، ان شاء الله ، أن شرط (( عدم مخالفة القياس النحوى )) الذى أكده البلاغيون القدماء ، شرط باق ملزم واجب لا تهاون فيه ، وان كنا تدعو بالطبع الى تسهيل النحو ، وترك الوجوه الغريبة والتأويلات البعيدة ، وفى كتب الديوان التربوى التى ألفها بعض زملائنا شاهد واضح على تطبيق هذه النظرة الجديدة المعقولة فى تيسير النحو وتبسيطه . كما نقبل عند الناطقين الوقوف على السكون فى ما لا يلتبس فهمه ، جريا على سنة العرب ، فاذا التبس المعنى ، وجب أن نظهر العلامات حتى نميز فى (( مجهود محمود )) مثلا ، بين إسناد الجهد الى شخص محمود ، وإسناد صفة الحمد الى المجهود ، فضلا عن أن نحتاج ، فى باب الاضافة ، الى التردد بين (( كلام فلان )) ، وكلام (( متاع )) فلان (( وانتاج )) فلان او (( ديال )) فلان .
حدود الاشتقاق والتوليد :
وفرض البلاغيون أيضا شرط احترام (( القياس الصرفى )) ، وليس معنى هذا أنهم يمنعون الاشتقاق والتوليد ، فقد برهنت اللغة العربية على مرونتها وقوة هضمها للمفردات الجديدة المعبرة عن معان جديدة ومفاهيم محدثة ، ويكفينا هنا أن نشير الى كتب (( الدخيل )) و (( المعرب )) ففيها أمثلة لا تحصى من الكلمات الأجنبية عن العربية ، قد عربها الاستعمال وقبلها القاموس فصارت من صلب الرصيد اللغوى ، ابتداء من (( صراط )) القرآن وشيطان ومشكاة ودرهم الى آخر ما ظهر كعبارة (( الألسنية )) التى نحن فيها خائضون . غير ان من الاشتقاق ما يحظر ، كتوليد ما دفنه العرب : فاذا توالت الأجيال على استعمال (( أحب ومحب )) بالصيغة الرابعة المزيدة ، مع استعمال (( محبوب )) من الفعل المجرد ، فليس لنا اليوم أن نقول (( حاب ومحبوب )) ، ولا محب ومحب ، ولا يكفى استعمال عنترة او المتنبى للكلمتين خلافا للمسموع ، لا يكفى حجة على بعث المتروك . ومن المحظور أيضا أن نعرب ما لا حاجة اليه لأنه معروف فى الرصيد الحاصل كـ (( اليافطة )) عند الدوعاجى ولعله يعنى بها اللافتة او (( الفريكسيون )) عند الحلاق او (( الأنف البربونى )) عند الدوعاجى أيضا : فان فعلها للتفكه والتندر ، قبلناها كما نقبل بعض اللحن من بخلاء الجاحظ أو بعض العجمات فى حكايات التنوخى وغيره ، وما اخالهم الا الى الملحة قاصدين والتظرف ، أما أن نعتبر ذلك فتحا جديدا فى العربية ، ونكهة أكسبتها حلاوة عجيبة ، فمبالغة لا مبرر لها ، لأنها تخرج من حكم (( الذوق )) الى ضابط (( الصحة والسلامة )) وتخرج بالنادرة الطارئة والنكتة العابرة الى مرتبة المثال الذى يحتذى ، والمقياس الذى به يقتدى ، ومعلوم ان الملحة اذا اعيدت فقدت
(( نكهتها )) . ثم ان استحسان مثل هذه الدواخل ، والاشارة اليها بالبنان ، وتشجيع الناشئة على الاتيان بمثلها ، انما هو فى نظرنا تشجيع على التساهل ، وعلى الجنوح الى الكسل : فلو كان الدوعاجى كاتبا حقا ، أى يمتهن الكتابة (من المهنة لا المهانة) ويقدسها كما يقدسها (( بيقى )) ((((Ch. Peguy فى المثل الذى ضربه بالنجار وصقله لعصية الكرسى ، ويعتبر أنها عمل متواصل وجهد لا ينى ، لكلف نفسه عناء البحث عن مرادف لـ (( يافطة )) او للأنف البربونى او للفريكسيون ، شأن الكاتب الذى يقضى الليالى فى البحث عن الكلمة الصالحة التى تصيب عين قصده ويحبر من أجلها الاوراق ويملأ الكراريس ، وفى الآخر يمزقها لأنه لم يجد ضالته . فان سرنا مع الهوى وركنا الى السهولة ، فهل نستغرب بعد هذا ان تكثر عند كتابنا وصحافيينا وطلبتنا عبارات (( ان صح التعبير )) و (( ان أمكن القول )) : فان لم تثق بتعبيرك ، ولم توقن بصحة لفظتك ، فقطع وأعد ، وابحث واصقل ، وشذب ونظف ، فهكذا تصير كاتبا ماهرا فى صناعتك كما يمهر النجار فى صنع كرسيه .
فهذا الشرط الذى وضعه القدماء ، شرط موافقة القياس الصرفى ، واحترام السماع فيما أخذ وما ترك هو أيضا شرط الزامى ، باق ، واجب لا تهاون فيه ، لأننا به نحافظ على شرط التفاهم على دلالة الألفاظ ، والا صار الناطق مشرقا والسامع مغربا . على اننا - كما قلنا - لا نرى أى حرج فى ادخال الكلمات الأجنبية الى العربية ، ان لم يكن لها مثيل فى الرصيد الحاصل ، كمصطلحات الصناعات والفنون والعلوم التقدمية كما فعل المصريون بمصطلح (( مورفيم ((morpheme)) و(( فونيم ((phoneme)) الألسنيين ، فعوضوهما بـ (( صرفيم )) و (( صوتيم )) ( نقلا عن مجلة المجلة العدد 140 ) ، وفى هذا ، نقول ان الاستعمال ، والحمد لله ، يسبق المجامع اللغوية ، ويغلبها ، فلا ينتصح بنصائحها ، بل ربما فرض هو رأيه عليها .
الشروط البلاغية :
قلنا انها ليست شروطا الزامية ، كالشروط النحوية والصرفية ، وقلنا ان غاية ما يهدد المتكلم ان لم يحترمها أن لا يعتبر كلامه (( فصيحا )) (( بليغا )) بالمعنى التقليدى . نعنى ان (( الرسالة )) تمر بين الناطق والسامع على شريطة وجود الفكرة المتماسكة ، وصحة الدلالة فى الألفاظ المختارة للتعبير عنها ، واحترام القواعد (( المشتركة )) فى النحو والاشتقاق . فان تمت هذه الشروط، صار الكلام مفهوما ، ومفهوما لا غير ، ككلام مسيو جوردان مثلا الذى اكتشف فى مسرحية موليار انه (( ينطق نثرا )) ، ولكن أستاذه لم يبين له أنه شتان بين نثره ونثر المؤلف موليار . فالذى يميز بين كلامنا العادى الذى نخاطب به
أهلنا وأحبابنا وساعى البريد وتاجر البقول ، وكلام الكتاب والادباء والمنشئين ، أى بين (( مستويات اللغة )) المتفاوتة ، هو هذا اللجوء الى القوانين (( الأسلوبية )) التى ضبطها عبد القاهر والسكاكى والقزوينى فى علم المعانى . ونجد فى كتاب الجرجانى (( دلائل الاعجاز )) ملاحظات نفيسة لا جمود فيها ولا تحجر ، تبين التصاريف الدقيقة اللطيفة لهذه الأداة العجيبة التى نسميها لغة . وقد أشرنا سلفا الى باب التقديم والتأخير ، ونذكر أيضا على سبيل المثال الامكانيات الواسعة التى تنجر عن حسن استخدام حروف المعانى ، أو حرية التصرف فى الاستفهام الذى صار يعنى جميع المقاصد تقريبا زيادة على الاستفهام الحقيقى . فهذا باب لا تقل أهميته عن أهمية النحو العادى ودلالة الألفاظ ، ولا سيما إذا أضفنا اليه أنواع التشبيه والمجاز ، ودرسه متأكد لأنه هو وحده الكفيل بأن ينظم صناعة النقد عندنا ، فلا يكتفى فيها بالاعتماد على الذوق والفطرة فانهما فوضويان يحسنان القبيح ويستهجنان الجميل الطريف . وان الذى يعلمنا ان البصاق فى الحافلة او المخاط الشديد فى قاعة المسرح قبيحان ليس (( الفطرة )) و (( الذوق السليم )) وانما الأستاذون والمربون ، ان لم تكن الأوامر المعلقة . وكذلك فى تقييم الجمال الأدبى ، فانه يتعلم عند عبد القاهر وأضرابه من القدماء والمحدثين . فان وعينا تلك القوانين ، فلا يمنعنا شئ بعد ذلك من ابتكار أنواع من الجمال لم تخطر ببال القدماء ، كما لم يخطر ببال بيتهوفن ان الموسيقى ستصبح يوما الكترونية ، ولا عند ليوناردو أن الرسم يصير (( لا شكليا مجردا )) .
على ان المرء قد يتساءل عن أيهما أبقى فى ضمير البشرية ، من سمفونيات بتهوفن أو من تجارب (( ستوكهوزن وبولاز )) ، (( Stockhausen P. Boulez)) ومن لوحات ليوناردو أو (( تغديرات )) (( كلى وماطيو ))، (( Matthieu-klee)) ومن مسرحيات شكسبير وروايات بلزاك أو محاولات (( روب قرييى )) Robbe-Grillet)) و(( ساروت )) و(( بانتار )) ((H. Pinter)) ((N. Sarraute))
ويتساءل المرء التونسى عن أصالته أين يقصد القوم بها ، وعن روحه وذاتيته كيف تثبتان وتتميزان فى هذا الخلط الغريب الذى صار يعتبر (( رقصة القلة )) أصالة ، وارتداء الملية والجبة أمام السواح تراثا ، والكتابة بلهجة الجريد او السواسى انعاشا للضمير القومى .

