أغتنم (*) هذه الفرصة الاولى التى اجتمع فيها معكم فى نطاق لجنة الموسوعة الفلسطينية لاشكركم شكرا جزيلا على الشرف الذى نالنى بتفضلكم بتعينى كعضو فى تلك اللجنة . وكنت اتوقع ان اجد مكانى فى طرف هذه المائدة باعتبارى من أحدث الاعضاء ، نظرا الى ما تقتضيه استقبالة التعيين من الاولويه . لكن حرمنى من هذا الشرف - شرف العضوية البسيطة المسندة إلى العضو العامل - شرف المهنة التى تثقل كاهلى فى الميدان السياسى فى النطاق القطرى . واذ لا ادرى هل اخاطبكم بصفتى عضوا بسيطا او بوصفى مسؤولا سياسيا ؟ فقد اخترت أن اخاطبكم بما يتلاءم مع ما تفضلتم بوصفى من انى الصديق . نعم صديق الاكثرية منكم اذ تشرفت بالتعرف اليها ومعاشرتها خير معاشرة ، فخطابى اذن ، خطاب الصديق الى الصديق ، يصدر بكل عفويه وبساطة عن شعورى العميق بالاعتزاز والارتياح لهذه الصدفة السعيدة التى اتيحت لى لكى اتقابل معكم فى تونس ، واساهم ولو من بعيد , فى اداء هذا الواجب العظيم ، وارحب بكم في وطنكم الثاني وارحو مخلصا أن تكون هذه الدورة الثالثة ، دورة خصبة تمكنكم من احتياز مرحلة حاسمة على درب الانجاز . وأشكر الدكتور محى الدين صابر ، المدير العام لمنظمتنا ، المنظمه العربية للتربية والثقافة والعلوم ، على كلمته اللطيفة ، واجدد له التعبير بهذه المناسبة عن اكبارى وتقدير لمجهوداته المتواصلة الحثيثة لخدمة الفكر العربى والسير بمنظمتنا قدما الى الامام . واشكر كذلك الاخ الدكتور احمد مرعشلى المسؤول الاول عن الموسوعة الفلسطينية ، وارجو له مطرد النجاح والتوفيق حتى يحقق الامال التى وضعناها جميعا على عاتتقه وهى ابراز هذا المشروع الحيوى للوجود .
واذ جئت مؤخرا لهذه اللجنة فلربما اضطر الى تكرار كلام سبق ان قيل فى دورات سابقة . ولكن من القول ما لا بأس فيه من التأكيد ، ولعل فى الاعادة افادة .
ان هذه الموسوعة من الاعمال التى تثبت فى اعتقادى الكيان الفلسطيني وتفرضه فرضا رغم المحاولات العنيفة المتواصلة الرامية الى طمس معالم فلسطين واحتوائها وتجاوز قضيتها . وما ذلك الا لسبب بسيط وهو ان فى أول الأمور كانت الثقافة ، وما الفكر والسياسة الا عمل دؤوب بالطرق الملائمة المتطورة بحسب الواقع ، لتحقيق التصور الثقافي او المشروع الثقافي . ففي الاول الثقافة اما السياسة فانما هي خادمة للثقافة . ذلك ما كنا نقوله فى المغرب العربي الكبير ايام الكفاح . فاننا لم نتعاط السياسة بمجرد استقلال البلاد ، بل الذى دفعنا الى السياسة هو تحقيق استقلال وطن له مقومات ثقافية . لهذا كنا ولا نزال نقول : الثقافة اولا والسياسة ثانيا . دخلنا معمعة الكفاح لنثبت كياننا لانه اذا ثبت الكيان وبرزت المقومات الوطنية فالاستقلال مسألة زمن ومسألة امكانيات ، وهذا ما يؤكده الاستعمال بالحجة المقلوبة . ذلك ان الاستعمار الفرنسى سعى منذ عشرات السنين الى القضاء على مقوماتنا الوطنية ، على عروبتنا ، على اسلامنا ، على تقاليدنا الشعبية ، على كافة معالم شخصيتنا ايمانا منه بانه لو نجح فى ذلك لسهل عليه ابتلاع شعوب شمال افريقيا ، وهذا ما يفعل الآن الاستعمار الصهيونى.
ان قضية تحرير فلسطين هى مثيلة قضية تحرير الشعوب المكافحة من اجل بلوغ الاستقلال ، هى قضية ثقافة ، قضية وجود ثقافى . فما دامت قضية فلسطين قضية شعب له مقوماته وله شخصيته وله اصالته ، وما دام هذا الشعب واعيا بهذه المقومات فلن تنجح الصهيونية ، وستفشل كما فشل الاستعمار الفرنسي التوطينى ، وكما فشل الاستعمار الايطالى التوطينى ، وكما فشل الاستعمار الانجليزى - ولو ان الاستعمار الانجليزى استعمار اقتصادى سياسى اكثر مما هو توطينى .
فى تونس بدأت معركتنا بمقاومة التجنيس قبل معركة الاستقلال . بدأنا بمقاومة التجنيس لان الحكومة الفرنسية كانت تمنح التونسى المسلم العربى إذا اعتنق الجنسية الفرنسية زيادة فى المرتب قدرها ثلث مرتبه قبل التجنس ، نظير ما كان يتقاضاه الفرنسى عندما يقطع البحر الابيض المتوسط ويأتى الى بلادنا ليعمل بها كموظف . وقد كان من بعض التونسيين ، وبعض الجزائر بين والمغاربة ان استدرجوا فى هذا الاتجاه وتجنسوا وقد قاوم
الزعيم الحبيب بورقيبة وزعماء المغرب العربي بصفة عامة سياسة التجنيس وانا شخصيا ، حضرت معركة دامية فى هذا الشأن - اقول دامية بأتم معنى الكلمة - كان ذلك يوم 8 اوت 1933 ، وكان عمرى سبع سنين . كنت مارا بأحد الانهج فى مدينة المنستير . وصادف ان شاهدت معركة بين جنود الاستعمار الفرنسى والمواطنين العزل . لماذا ؟ لان الرئيس الحبيب بورقيبة - كان قد أصدر تعليمات - قبل تأسيس الحزب الدستورى الجديد ، فقد أسس الحزب فى 2 مارس 1934 ونحن فى 8 اوت 1933 - يمنع بمقتضاها دفن المتجنس فى مقبرة المسلمين . فدفن رغم ذلك متجنس او ابن متجنس فى المقبرة الاسلامية وظل الجنود الفرنسيون يحمون المقبرة نهارا وليلا خوفا من ان ينبش المواطنون القبر ويلقوا بالجثة ، تظاهر التونسبون فأطلق الفرنسيون عليهم الرصاص فقتل شاب تونسى اسمه شعبان البحورى وقبره معروف حتى الآن ونحن نزوره لنترحم عليه ونقرأ الفاتحة .. كانت تلك أول معركة .. وقد قامت دليلا على قيمة الثقافة وقيمة المقومات الفكرية .
وعندما هزمت روما اثينا عسكريا انتصرت أثينا لسبب بسيط وهو ان فكر اثينا كان أقوى وابعد اشعاعا واعمق جذورا مما يمكن ان نسميه الفكر الرومانى بحيث ان الشعوب تنتصر وتبقى بالفكر . وعندما كانت الامة العربيه الاسلامية فى اوجها فان كل من يستقرىء تاريخها يتيقن ان الفكر العربى الاسلامى كان مشعا اكثر من اشعاع الخلفاء المسلمين والجيوش الاسلامية والعكس بالعكس . فعندما جمد الفكر واغلق باب الاجتهاد وتحجر القوم ضعف المسلمون وتقلص سلطانهم وامتدت على حسابهم شعوب اخرى بجحافلها وباقتصادها وبتجارتها وبجيوشها بحيث ان فى البدء كانت الكلمة وكانت الثقافة وهذا له قيمته بالنسبة الى مشروعنا لاننا إذا ما استحلينا واوضحنا وركزنا وتعمقنا وذكرنا بمقوماتنا وبمقومات شخصية الشعب الفلسطينى كشعب عربى وله تاريخه وله تضاريسية لا التضاريس الطبيعية فقط بل ايضا تضاريسه التاريخية والذهنية وحساسيته فهيهات ان تقضى عليه اسرائيل مهما بلغت عنجهيتها ومهما بلغت قوتها المادية .
واحب ما دمنا فى نطاق الثقافة والفكر ان ابدى ملاحظة ثانية تحت مسؤوليتى الشخصية دائما وهى تعنى جوابى عمن يتساءل لماذا نخصص الشعب الفلسطيني عندما نتحدث عن فكره العربي وعن ثقافته العربية وما هو الا جزء من كل ، باعتبار ان الثقافة العربية وحدة لا تتجزأ ؟
فانا أرى ان الفكر العربي والثقافة العربية لا أقول : انهما نتيجة جمع ، بل هما نتيجة تفاعل وتكامل بين ثقافات وخصوصيات منبثقة من الشعوب التى تتكون منها الامة العربية . وحتى يكون كلامي اوضح ، اعطيكم مثالا قطريا مستمدا سواء من تونس او العراق او سوريا او الجزائر او المغرب . ففيما يخص تونس مثلا التى نعرفها اكثر من سواها فان ما يمكن ان نسميه ثقافة الشعب التونسى لا يتنافى بل بالعكس هو يتلاءم مع تشجيع وتركيب خصوصيات كل منطقة لان فى كل منطقة وكل قرية خصوصيات فى لباسها , فى افراحها ، فى اتراحها ، فى نوع مأكولاتها ، فى لهجاتها بل انزل اكثر فأقول ان الاسرة التى هى الخلية الاساسية للمجتمع ليست قوتها فى ان يكون كل افرادها نسخة مطابقة للاصل ، بل في ان للاب شخصيته والام شخصيتها والابناء شخصيتهم بحيث ان تكامل اذواق وألوان وحساسيات وتصرفات وخصوصيات افراد الاسرة يعطيها قيمة ويميزها عن سواها وبذلك تسهم تلك الاسرة فى اثراء الحي او القرية وتعطى للمنطقة شخصيتها ولونها ، والمناطق تصب كالروافد في نهر الشعب العارم . فاذا ما كان لكل شعب عربي شخصيته التى هى نتيجة تاريخ ونتيجة تضاريس ، ونتيجة الطقس والمناخ ايضا ، فانه يتعذر علينا ان نقول ان الوضع فى اليمن وفى تونس هو نفس الوضع ، او هو نفس الوضع فى الكويت او فى غيره . فهذا لا يمكن تصوره . فاذا كان صحيحا ان الشاعر العربى يتأثر بما حوله كما تأثر الشاعر ابو القاسم الشابي بواحات الجريد التى نشأ فى ظلالها فان تأثره مغاير لما يشعر به من نشأ فى السباسب أو فى مرتفعات سيدى ابى سعيد او على ساحل البحر بالمرسى او فى صنعاء اليوم او على مقربة من ارم ذات العماد .
وفي خصوص الثقافة يجب ان يكون كلامنا واضحا بخلاف الديبلماسية والسياسية التى لا تخلو من التباسات ومن تزويق وهذا الوضوح هو فضل اضافي للثقافة على السياسة . اذ الثقافة العربية الاسلامية ليست تعنى كل الصيد في جوف الفراغ كلا ، بل هي جماع خصوصيات عديدة ونتيجة تفاعل واثراء متبادل . بحيث ان الموسوعة والأعمال الثقافية الاخرى التى ارى اخواننا في فلسطين مصممين على مواصلتها انما فائدتها الاولى ان تبقى الذاكرة الجماعية حية لا تطمس معالمها . فذاكرة الشعب الفلسطيني شىء حى له جذوره وجذع واوراق باسقة واغصان . الذاكرة تعين على رؤية الحاضر الامر الذى يعيننا على استشفاف المستقبل والتطلع اليه . فمن لا حاضر له فهو اعمى عن رؤية الواقع ، وهو اعجز عن ان يتجه الى المستقبل
ولان الماضى هو البوصلة التى بها نتجه نحو المستقبل ونحو تقرير المصير . فثمة اذن مقاومة قوامها الذاكرة الجماعية والكيان وهي ليست اقل من المقاومة بالحديد والنار . والموسوعة عمل يوازي ويدعم ويتكامل مع البندقية والرشاش ، ومع صمود اخواننا فى الجبهة ، ومع صمودهم فى الجبهة الدبلماسية والسياسية . ثم هى مساهمة كريمة من الشعب الفلسطيني في اثراء الثقافة العربية الاسلامية ثم ان الثقافة العربية الاسلامية التى اثريت على هذا المنوال هى نفسها من شأنها ان تسهم فى الثقافة الانسانية . فنحن ننتسب الى قرية او الى قطر او الى امة ، ونحن كذلك بشر نسهم فى اثراء الثقافة البشرية . ولئن اقتصرت على هذه الملاحظات الاولية حتى لا آخذ كثيرا من وقتكم فانى اعتقد ان هذا العمل لا اقول انه عمل جليل فحسب بل هو عمل ضرورى لانه به يكتب للشعب الفلسطيني ثم للعروبة المناعة والصمود والبقاء .
هذا العمل هو الذي يهب للحياة الدوام الذى يثقب الرخام وهو شرط من شروط الديمومة فى التاريخ . فلهذا كله يستحق منا بذل الجهد ، والعمل والتضحية وكل من يساهم فيه بالدعم او بالمساهمة الايجابية او بالاشراف او بالرعاية يستحق التقدير من الامة العربية ومن الفكر الانسانى ومن كل انسان حر شريف فى الدنيا يمشى معنا في هذا الاتجاه مهما كان لون فلسفته فى الحياة . وهذا عمل يستحق التنويه والشكر ، ويستحق منا ان نباركه وان نرعاه .

