لو التمسنا تعريفا للحديث النبوى يجمع بين الدقة والشمول لقلنا أن الحديث هو " ما ورد عن رسول الله من قول او فعل او تقرير " ، وبعد عصر الرسول ضم الى الحديث ما ورد عن الصحابة ، فالصحابة كانوا يعاشرون النبى ويسمعون قوله ويشاهدون عمله ، ويحدثون بما رأوا وما سمعوا ، وجاء التابعون فعاشروا الصحابة وسمعوا منهم ورأوا ما فعلوا ، فكان من الاخبار عن رسول الله وصحابته " الحديث " .
للحديث قيمة كبرى فى الدين تلى رتبة القرآن ، فكثير من آيات القرآن مجملة او مطلقة او عامة فجاء قول الرسول او عمله فبينها او قيدها او خصصها . كذلك كانت تعرض للرسول حوادث يقضى فيها ، وأسئلة يجيب عنها ، ومبادلة أخذ وعطاء ، وتصرف فى الشؤون السلمية والحربية . كل هذه كانت احيانا ينزل فيها قرآن ، وأحيانا لا ينزل ، وهذا النوع الثانى كالاول مرجع للمشرعين فاقتضى ذلك جميعه العناية بالحديث " ( 1 )
أضف الى ذلك عاملا آخر هو تأثير شخصية النبى الفذة فى نفوس صحابته خاصة وفى نفوس سائر المؤمنين وما يكنونه من اعجاب ومحبة وإجلال له مما يجعلهم يحرصون على تعرف تفاصيل حياته العامة والخاصة رغبة منهم فى الاقتداء بسلوكه ( أى سنته ) وليزدادوا نفاذا الى أسرار نفسيته .
من هنا كان للحديث قيمة وثائقية كبرى . فهو مرآة تعبر عن حياة الرسول ومكارم أخلاقه ، وعن كفاحه الدائب من اجل بناء مجتمع يقوم على الحق والخير وهو ايضا مرآة صادقة لعصر النبى لانه يزخر بالاخبار التى تصور لنا بكامل الدقة والوضوح - حتى لكأننا نشهدها - جوانب عديدة من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية فى ذلك العصر .
لقد حرص الرسول ، كما هو معلوم ، على توحيد صفوف المسلمين والتأليفـــ بين قلوبهم وتوثيق عرى الامة الفتية التى بعثها الى الوجود حتى تكون - على حد قوله - كالبناء المرصوص يشد بعضه بعضا .
انظر الى قوله المشهور عليه السلام : " المؤمنين فى تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد اذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى " ( 2 ) .
وتأمل فى هذا المثل البليغ الرائع : " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم اسفلها فكان الذين فى اسفلها اذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا : لو أنا خرقنا فى نصبينا خرقا ولم نؤذ من فوقنا ؛ فان يتركوهم وما ارادوا هلكوا جميعا وان اخذوا على ايديهم نجوا ونجوا جميعا " ( 3 ) .
فهذا الحديث يبرز ارتباط شؤون افراد المجتمع وتداخل مصالحهم بحيث لا سلامة ولا نجاة للفرد بغير سلامة الجميع . نحن ابناء الامة الواحدة ، بل والبشر جميعا - ( وهنا صلاحية هذا الحديث لكل زمان لانه يعبر عن حقيقة انسانية خالدة ) - قلت نحن ابناء الامة الواحدة كتلة فى سفينة تشق عباب البحر فان تغاضى فريق منا عما يفعله الفريق الآخر من سوء هلك الجميع .
ان مصير المجتمع كله موقوف على يقظة أهل الخير وقوة شعورهم بالمسؤولية الاجتماعية وقيامهم بواجب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر قولا وعملا .
فهل أبلغ من هذا الحديث لتقوية الروح الاجتماعية ، هذا الروح الذى عبر عنه النبى بطريقة أبسط فى قوله " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الامام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع فى أهله ومسؤول عن رعيته . . " ( 4 )
فالدين الاسلامى أساسا دين اجتماعى قد ادرج أفراد الامة فى شبكة قوية منتظمة من العلاقات الاجتماعية المتعددة المتنوعة المضبوطة ضبطا محكما دقيقا . هذه الظاهرة تلحظ فى جل اركان الدين الاسلامى وخاصة فى الصلاة ( لنذكر
تأكيد الاسلام لفضل صلاة الجماعة . ولننظر فى اصل كلمة " جامع " ( ونلحظ هذه الظاهرة ايضا فى الزكاة والحج .
الا انه ( اعنى الدين الاسلامى ) وان الح غاية الالحاح على الوحدة الاجتماعية ( يد الله مع الجماعة ) فهو لم يأل جهدا فى توفية الفرد حقوقه المشروعة نخص منها احترام حريته وصيانة كرامته وضمان سلامته .
جاء فى الحديث عن على بن ابى طالب قال : " بعث النبى صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل رجلا من الانصار وامرهم ان يطيعوه فغضب فقال : أليس أمركم النبى صلى الله عليه وسلم ان تطيعونى قالوا : بلى قال : فاجمعوا حطبا . فجمعوا . فقال : اوقدوا نارا . فاوقدوها . فقال : ادخلوها فهموا وجعل بعضهم يمسك بعضا ويقولون فررنا الى النبى صلى الله عليه وسلم من النار . فما زالوا حتى خمدت النار فسكن غضبه فبلغ النبى صلى الله عليه وسلم فقال : لو دخلوها ما خرجوا منها الى يوم القيامة ، الطاعة فى المعروف " (5) .
نلاحظ هنا نهيا عن الطاعة المطلقة فلا طاعة - كما يقال - لمخلوق مهما عظم شأنه فى معصية الخالق ، كما نجد استنكارا للجبرت والطغيان . فكل مرؤوس وخاصة الجندى مطالب بالطاعة والامتثال لأوامر رئيسه وتعليماته ، فى حدود وحسب شروط ، منها أن لا يكون ذلك مخلا بكراما أو ملقيا به الى التهلكة عبثا .
نجد معنى قريبا من هذا فى الحديث الآتى : " عن ابن عمر قال النبى صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الاحزاب لا يصلين احد العصر الا فى بنى قريظة فأدرك بعضهم العصر فى الطريق فقال بعضهم لا نصلى حتى نأتيها وقال بعضهم بل نصلى لم يرد منا ذلك فذكر ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم " (6) .
مثال آخر طريف يرمى الى نفس المغزى وان كان يختلف عن الحديث السابق موضوعا :
" عن ابن العباس ان زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث كأنى أنظر اليه يطوف خلفها يبكى ودموعه تسيل على لحيته فقال النبى صلى الله عليه وسلم للعباس : يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا فقال النبى صلى
الله عليه وسلم : لو راجعته . فقالت : يا رسول الله أتأمرنى ؟ . قال : انما أشفع . قالت : فلا حاجة لى فيه . " (7)
يكفى ان نقول ، تعليقا على هذا الخبر ، ان الاسلام يرى ان فى حياة الفرد جانبا خاصا ، حمى مقدسا . . منطقة حراما لا يجوز لغيره التصرف فيها .
رأينا كيف جهد الاسلام فى التوفيق بين الفرد والجماعة وتوفير الانسجام بينهما .
لنصرف انظارنا الى مظاهر ومجالات أخرى من الحياة الاجتماعية .
اليك صورة من طريقة التعليم فى عصر النبى ولا يخفى ان تعليم النبى لانصاره وتأديبه لهم كان الاداة الاولى لنشر الدعوة ومن اهم عوامل نجاحها . سأسوق حديثين يدلان على درجتين مختلفتين فى مستوى التعليم :
" حدث أبو هريرة قال ان النبى دخل المسجد فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبى صلى الله عليه وسلم فرد النبى صلى الله عليه وسلم عليه السلام فقال ارجع فصل فانك لم تصل فصلى ثم جاء فسلم على النبى صلى الله عليه وسلم فقال ارجع فصل فانك لم تصل ثلاثا فقال والذى بعثك بالحق نبيا ما احسن غيره فعلنى فقال اذا قمت الى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم . . " (8) .
أرأيت هذا الاسلوب البارع الذى سلكه النبى فى ارشاد هذا الرجل ؟ أليس هذا هو الاسلوب المنهجى المثالى فى التعليم الذى يقتضى أن يسعى التلميذ - بنفسه - فى الاهتداء الى الصواب ولا يسعفه المعلم الا عند الضرورة القصوى اى حالة العجز ! ؟
أما الحديث الثانى فهو يشير الى مستوى من التعليم ارفع فكأنه يخاطب طبقة أرقى من طبقة هذا الرجل الانف الذكر او كأنه قيل فى مرحلة بلغ فيها الذهن الاسلامى شيئا من النضج :
" عن عمر رضى الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله ذات يوم اذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه اثر السفر ، ولا يعرفه منا احد ، حتى جلس الى النبى صلى الله عليه وسلم فاسند ر كبتبه الى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه وقال : يا محمد أخبرنى عن الاسلام ! فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : الاسلام ان تشهد أن لا اله الا الله ، وان محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة ، وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت اليه سيلا . قال صدقت . فعجبنا له يسأله ويصدقه . قال : فأخبرنى عن الايمان ! قال : ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره . قال : صدقت . قال : فأخبرنى عن الاحسان ! قال : ان تعبد الله كأنك تراه ، فان لم تكن تراه فانه يراك . قال : فأخبرنى عن الساعة . قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل . قال : ... " ثم انطلق . فلبثت مليا ثم قال : يا عمر أتدرى من السائل ؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال : فانه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " (9)
النقطة الهامة فى هذا الحديث وهى بمثابة المفتاح له قوله " انه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " .
فالمقصود هنا تعليم الدين حسن السؤال عنه ( ما الاسلام ؟ ما الايمان ؟ ما الاحسان ؟ معان متقاربة ولكنها متمايزة ) فمما لا شك فيه ان مستوى التدريس وقف على مدى انتباه التلاميذ الى المعانى الدقيقة فى العلم وحسن اثارتهم للمسائل الخفية القيمة .
أمثلة اخرى تندرج فى باب التربية الاجتماعية وتهذيب السلوك وما يريده النبى للمؤمنين من أدب ولياقة وحلم وتسامح إزاء كافة الناس لافضل فى ذلك لرئيس على مرؤوس وللمسلم على غير المسلم : " عن أنس قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى دارنا هذه فاستقى فحلبنا له شاة لنا ثم شبته من ماء بئرنا هذه فأعطيته وأبو بكر عن يساره وعمر تجاهه واعرابى عن يمينه . فلما فرغ قال عمر : هذا أبو بكر . فاعطى الاعرابى فضله ، ثم قال : الأيمنون الأيمنون الا فيمنوا قال انس : فهى سنة ثلاثا " (10) .
عن ابى هريرة قال : استب رجلان ، رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال المسلم : والذى اصطفى محمدا عن العالمين . فقال اليهودى : والذى اصطفى موسى على العالمين . فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودى فذهب اليهودى الى النبى صلى الله عليه وسلم فاخبره بما كان من امره وامر المسلم . فدعا النبى صلى الله عليه وسلم المسلم فسأله عن ذلك فاخبره فقال النبى صلى الله عليه وسلم : لا تخيرونى على موسى ، فان الناس يصعقون يوم القيامة
فاصعق معهم فاكون اول من يفيق فاذا موسى باطش جانب العرش فلا ادرى اكان فيمن صعق فأفاق قبلى ، او كان ممن استثنى الله " (11)
وهذا نموذج جيد ، قصة مؤثرة فيها تصوير دقيق قوى الايحاء لما كان يقع من صراع بين النزعات الوثنية والمثل الجديدة فى تلك الفترة الانتقالية التى عاشها المسلمون قبل ان " يكمل الله لهم دينهم ويتم عليهم نعمته " وهى ترينا كيف يعالج النبى بحزم وتؤدة رواسب الجاهلية :
جاء فى الحديث : ان عليا قال : كانت لى شارف من نصيبى من المغنم يوم بدر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطانى شارفا من الخمس يومئذ فلما اردت ان ابتنى بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم واعدت رجلا صواغا من بنى قينقاع يرتحل معى فنأتى باذخر أردت ان أبيعه من الصواغين فاستعين به فى وليمة عرسى فبينا أنا اجمع لشارفى متاعا من الاقتاب والغرائر والحبال وشارفاى مناختان الى جنب حجرة رجل من الانصار وجمعت حين جمعت ما جمعت فاذا شارفاى قد اجتبت اسنتهما وبقرت خواصهما واخذ من اكبادهما فلم أملك عينى حين رأيت ذلك المنظر منهما قلت من فعل هذا ؟ قالوا : فعله حمزة بن عبد المطلب وهو فى هذا البيت فى شرب من الانصار غنته قينة واصحابه فقالت فى غنائها : ألا يا حمز للشرف النواء . . فقام حمزة بالسيف فاجتب اسنمتهما وبقر خواصهما فاخذ من اكبادهما فقال على : فانطلقت حتى ادخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده زيد بن حارثه قال فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فى وجهى الذى لقيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لك ؟ قلت : يا رسول الله والله ما رأيت كاليوم قط عدا حمزة على ناقتى فاجتب اسنمتهما وبقر خواصرهما وها هو ذا فى بيت معه شرب قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بردائه فارتداه ثم انطلق يمشى واتبعته انا وزيد بن حارثه حتى جاء الباب الذى فيه حمرة فاستأذن فأذنوا له فاذا هم شرب فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوم حمزة فيما فعل فاذا حمزة محمرة عيناه فنظر حمزة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صعد النظر الى ركبتيه ثم صعد النظر فنظر الى سرته ثم صعد النظر فنظر الى وجهه فقال حمزة : وهل انتم الا عبيد لأبى ؟ ! فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثمل فنكص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقبيه القهقرى وخرج وخرجنا معه " (12)
لقد كان النبى مثال الجد والرصانة ولكنه كان يسيغ الدعابة بل كان يتفكه ويمزح احيانا :
" كان نعيمان بن عمرو أشهر الانصار بالدعابة ، لا يقيل منها أحدا ولا يراه النبى فيتمالك أن يبتسم . وربما قصد النبى ببعض هذه الدعابات لطمعه فى حلمه وعلمه بموقع الفكاهة من نفسه : جاء اعرابى الى رسول الله فدخل المسجد واناخ راحلته بفنائه فقال بعض الصحابة لنعيمان: " لو نحرتها فأكلناها ؟ فانا قد قرمنا الى اللحم ويغرم النبى صلى الله عليه وسلم حقها " فنحرها نعيمان . وخرج الاعرابى فرأى راحلته فصاح : " واعقراه يا محمد ! " فخرج النبى يسأل : " من فعل هذا ؟ " قالوا : " نعيمان " فاتبعه النبى حتى وجده بدار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب قد اختفى فى خندق وجعل عليه الجريد . فأشار اليه رجل ورفع صوته : " ما رأيته يا رسول الله " وهو يشير باصبعه الى حيث هو فأخرجه رسول الله وقد تعفر وجهه بالتراب فقال : " ما حملك على ما صنعت ؟ " قال : " الذين دلوك على يا رسول الله هم الذين أمرونى ! " فجعل رسول الله يمسح عن وجهه التراب ويضحك . ثم غرم ثمن الراحلة . " (13) وهذا خبر آخر يؤكد القول بتفتح نفسية النبى وبراءته من الغلظة والزماتة : عن أبى هريرة . . ان النبى كان يوما يحدث وعنده رجل من أهل البادية : أن رجلا من اهل الجنة استأذن ربه فى الزرع فقال له : ألست فيما شئت ؟ قال : بل ولكنى أحب أن أزرع . قال : فبذر فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده فكان امثال الجبال فيقول الله تعالى : دونك يا ابن آدم فانه لا يشبعك شئ . فقال الاعرابى : والله لا يجده الا قرشيا او انصاريا فانهم اصحاب زرع وأما نحن فلسنا باصحاب زرع . فضحك النبى صلى الله عليه وسلم " (14)
ولنختم جولتنا عبر قصص الحديث النبوى بهذه الاخبار التى تصور لنا محمدا فى حياته الخاصة بين اهله وذويه تصويرا بارعا حتى كأننا نراه رأى العين : " عن عائشة قالت كان يوم عيد عندى يلعب السودان بالدرق والحراب فاما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم واما قال : " تشتهين ان تنظرى ؟ " فقلت : نعم . فأقامنى وراءه خدى على خده ويقول : دونكم يا بنى أرفدة ! حتى اذا مللت
قال : " حسبك ؟ " قلت . نعم . قال : فاذهبى " (15) .
وجاء فى الحديث عن أسامة بن زيد قال : أرسلت ابنة النبى صلى الله عليه وسلم اليه ان ابنا لى قبض فأتنا فأرسل يقرئ السلام ويقول : ان لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شئ عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب فارسلت اليه تقسم عليه ليأتينها فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن حبل وأبى بن كعب وزيد بن ثابت ورجال فرفع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبى ونفسه تتقعقع قال : حسبت انه قال كانها شن ففاضت عيناه فقال سعد يا رسول الله ما هذا ؟ قال : هذه رحمة جعلها الله فى قلوب عباده وانما يرحم الله من عباده الرحماء " (16) .
فهده الاحاديث التى تبرز لنا الجانب البشرى " الارضى " من نفسية الرسول ليست أقل دلالة من الاحاديث السابقة على سر شخصيته وحقيقة مروءته وعظمته .
هذا قليل من كثير وهو مع ذلك يدل دلالة واضحة على ما فى قصص الحديث من واقعية خصبة غنية بالتفاصيل الدقيقة والاشارات الدالة الموجية ( سواء فى ذلك ما اتصل بالاطار المادى للقصص او بالاشخاص حتى لكأنها لوحات ناصعة الالوان تزخر بالانوار والظلال . وهنا الفرق بين التصوير فى الحديث والتصوير فى القرآن لغلبة أسلوب الرمز والتجريد ( Stylistion ) على قصصه فالاشخاص فى القرآن أقرب الى النماذج ( Types ) لبشرية والرموز وليست أشخاصا من لحم ودم كما هو الشأن فى القصص النبوى ) (17)
وقد تبلغ هذه الواقعية أحيانا منتهى الصراحة والجرأة ( انى اشير هنا خاصة الى تلك الاخبار والقصص التى سبق فيها الحديث النبوى الى ما يسمى اليوم بالتربية الجنسية ويظنه الناس من مبتكرات العصر الحديث . " فالجنس " فى الدين الاسلامى - خلافا لما هو الشأن فى المسيحية - موضوع عناية وتقدير لانه من صميم الدين يضعه فى اطار اجتماعى سليم ويرسم له حدودا لا يتعداها فكما انه لا رهبانية فى الاسلام فكذلك لا اباحية فيه . . )
قلت قد تبلغ هذه الواقعية احيانا منتهى الصراحة والجراة حتى ليتحرج منها المتزمتون ويظنها بعضهم من الادب المكشوف الذى يغالى فى تسمية الاشياء باسمائها وفى كشف ما ينبغى ستره من الاحوال والمواقف . وهذا خطأ فى الحكم فالعبرة ليست بمادة القصص بل بالغرض الذى يهيمن على تأليف القصة وعلى الاخص بطريقة الاداء .
ومن الانصاف ان نقول ان القصص النبوى كثيرا ما يعتمد عل اللمحة الدالة فى المواطن الدقيقة المحرجة وهو لا يلجأ الى الصراحة حبا فى الصراحة وتملقا للأحاسيس والغرائز وانما يعمد الى الصراحة ان كان من ورائها فائدة وحكمة .
وصفوة القول ان المتصفح للحديث يلمح - لو دقق النظر من خلال اخباره - شواهد عدة تشير الى حركة دائبة متدرجة نحو حضارة حق ، وسعى جاد الى انسانية اصيلة . ان الحديث النبوى لهو حقا صورة للمرحلة الاولى من مسيرة الاسلام الكبرى وملحمته الخالدة .
