الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

حول تاريخ مدينة منزل تميم

Share

" فى أعماق كل واحد منا ترقد قرية "

(1) مقدمة

لقد كان أول من تعرض لهذا الموضوع حسب علمنا هو الاستاذ الهادى بن فضل مدير المعهد الثانوى بمنزل تميم وقد قمت بتلخيص محاضرته التى ألقاها منذ سنوات ونشرتها بنشرية تميم ، وقد كتب السيد عبد الرحمان عبد اللطيف ردا على ذلك نشر بنشرية تميم ( 1 ) وفيه اظهر عنايته بتاريخ الوطن القبلى ، هذا التاريخ الطويل الموغل فى القدم والذى لم نجد من يهتم به الا القليل النادر من الناس رغم أهميته ورغم ثرائه ورغم اتصاله بحاضرنا وامكانية تفسير مظاهر كثيرة ومتنوعة من حياتنا اليومية الحالية بذلك التاريخ .

والسيد عبد الرحمان بن عبد اللطيف من الذين تخصصوا في كتابة تاريخ المنطقة بكتابه المخطوط : تاريخ قليبية والذى نشر منه بعض المقالات ( 2 ) .

والملاحظة الاولى التى أبدأ بها دراستى ستكون حول المراجع التى يمكن الاعتماد عليها لكتابة تاريخ منطقة من مناطق الجمهورية التونسية

ونحن لنا مراجع مكتوبة عديدة قد تكون ذات قيمة كبيرة جدا ولو أنها قد تكون أغلب الاحيان صامتة كل الصمت عن ذكر مكان معين أو جزئية عن تلك القرية بالذات أو عن القرية الاخرى ولكننا نستعملها مع ذلك مع بعض الاستنتاجات المنطقية مخصصين مكانا ما أو قرية ما أو قبيلة ما بما ورد ذكره فى كتاب ما عن منطقة بأكملها او عن فترة زمنية بأسرها مطبقين القاعدة المعروفة : يصح على الجزء ما يصح على الكل او ما صح على العام يصح على الخاص .

ولكن بجانب المراجع المكتوبة " كتب تاريخ أو أدب ، كتب رحالة ، عقود عقارية ، وصف معارك ، مقالات صحفية ، مذكرات أو مفكرات شخصية ، محاضرات ، أبحاث وثائق سينمائية أو تلفزية الخ هناك ميدان آخر فسيح أعني به كل ما تحفظه الذاكرة الشعبية من أدب وشعر وخرافات واعتقادات وطرائف وأمثال وقصص تكون حديث سمار الليالي في القرى والارياف ، يحفظها أب عن جد بالتواتر أغلب الاحيان ، يغار عليها الابناء كغيرتهم على أعز ما يملكون ، تمثل للمؤرخ ثورة لا تقل قيمة وثائقية عن الدين وعن الفن المعمارى وعن الوثائق المكتوبة وعن مظاهر الحضارة الاخرى .

ولكن مع هذا يجب على المؤرخ ان يحتاط كثيرا وان يتقبل بعين فاحصه نقدية كل تلك الموروثات المروية لأننا نعلم ان التغيير المقصود عن حسن نية سريع الوقوع فيما يروى مشافهة . وكلنا يتذكر قصة الغراب الاسود او الغربان السود التى تقيأها مريض ما بأحد المستشفيات وكان الواقع ان ما قاءه مريضنا كان أسود كالغراب لا أكثر ولا أقل . ولكن ممرضات المستشفى قد أضفن أشياء من خيالهن مؤكدات تلك الحقيقة العلمية ان الراوى حسب ميوله وخياله ومؤهلاته وحسب استعدادات تلقيه للأخبار وحسب الظروف التى هو فيها يمكن أن يضيف أشياء أو ينقص أشياء لما سمع عند روايته لها جاعلا الرواية تبعد بقدر ما عن الامانة العلمية التى يفترض فيها عدم التغيير فى ما يروى ولو قيد أنملة ... ولكن أني ذلك وللراوى نفسه وصوته وحركات يديه وتعابير وجهه وطبعه مما يجعل كل رواية شفهية عملية خلق حر بأتم معنى الكلمة .

كل هذا أقوله حتى أؤكد ان هناك تقاطعا غريبا وصدفة تستحق الوقوف بين ما اكده الاخ عبد الرحمان عبد اللطيف (3) من انتساب منزل تميم " الى

بعض بطون قبائل بني هلال التى اجتاحت البلاد التونسية بأكملها منذ سنة 1051 م في موجات متتالية وسكنت بعض تلك القبائل منطقتى منزل تميم وقليبية بكثرة كاثرة جدا " وبين ما يرويه شيوخ منزل تميم تواترا عن ابائهم من أن منزل تميم يرجع بعثها للوجود منذ ثمانمائة عام تقريبا ، أى الى القرن الحادي عشر مسيحى ، أى الى تلك الفترة المضطربة التى رأت الارضية السكانية بالبلاد التونسية تغييرا جذريا قوامه زحف بني هلال وبني سليم وانتشارهم فى كل مكان واضطراب السلطة المركزية لدولة بني صنهاجة بالمهدية وخروج المناطق الواحدة تلو الاخرى من أيديها .

وقد ثبت تاريخيا أن تميم بن المعز الصنهاجى قد حاول ان يسترجع قلعة اقليبية التى خرجت من حكمه كغيرها من القلاع والمدن فى تلك الفترة المضطربة ، ولكن تميما قد عجز عن استرجاعها وقد يكون نزل فعلا بعسكره بمكان ما قرب قليبية ، وقد يكون منزله " منزل تميم " ! . على ان يحيى بن تـميم بن المعز سينجح بعد ذلك فى استرجاع قليبية . يقول ابن ابي الضياف : " ولما تمهد أمره ، عدل فى الرعية وجرد العساكر الى قلعة إقليبية ففتحها ، وقد عجز عنها أبوه . " ( 4 )

وقلعة قليبية ستبقى على تلك الحالة من خضوع أمرها للسلطة المركزية حينا ومن استقلالها حينا آخر على أيدى العرب زمنا طويلا ، وستصمد بعد ذلك فى وجه احتلال صاحب صقلية المسيحى من دون القلاع والمدن : " ولم يقدر عليها لتجمع أكثر العرب بها " ( 5 ) .

ويمكننا ان نستنتج ان قلعة قليبية وهي مسرح حروب ومحط مطامع داخلية وخارجية قد استوجبت انشاء تجمع سكنى غير بعيد عنها يكون بمثابة مركز مراقبة متقدم ومحطة استراحة وتمويل للجيوش القادمة من العاصمة المهدية .

ولعل تلك الفترة - وهى فترة حكم المرابطين بالمغرب الاقصى وبالاندلس وقد طار صيتهم واشتهروا بدفاعهم عن الاسلام - قد خلقت حركة أو جددتها - لانها ما انقطعت ابدا فى الامة الاسلامية - للدفاع عن الديار الاسلامية المهددة فى بقائها من طرف قوى النصرانية تحت راية الكنيسة .

وفعلا فان تهديدات النصارى كانت مباشرة ومتواصلة فقد قدم اسطول من جنوة سنة 1087 م يحمل 30.000 مقاتل فاستولوا على المهدية ثم انصرفوا على مال أخذوه . وقد قصد أهل رومة كذلك تميم بن المعز فى أسطول " وهزمهم وقتل كثيرا منهم " وبعث يحيى بن تميم " أسطولا الى بلاد الروم فغنم وسبى" .

ولعل الربى المحيطة بمنزل تميم قد استعملت في ذلك الوقت كنقط مراقبة نظرا لاطلالها على البحر ونظرا لموقعها الستراتيجى وهى تقع قبالة جزيرة بنتلارية " جزيرة قوصرة ، ذلك الحارس المسيحي المتقدم " ولا تبعد منزل تميم عن قليبية الا على مدى مرمى البصر ...  ولا شك ان ظاهرة المرابطة الدينية العسكرية بمنطقة منزل تميم قد ظهرت أو تأكد دورها في تلك الفترة الحساسة من تاريخ تصادم قوى الاسلام مع القوى النصرانية وهذا ما تؤكده كل الروايات الشفوية بمنزل تميم ...

ونحن وان كنا نعتقد انه لا يجب ان نبالغ في أهمية الماضي الذي يمكن أن نستنتجه من الروايات الشفوية كما يحلو لعلماء الاجناس الغربيين القيام به ، فاننا نعتقد أن تلك الروايات يمكن أن تكون منبعا لا يجف من المعلومات بالنسبة للبحاثين ( 6 ) ودليلا تاريخيا مهما " لأنها ترتبط بحاضر الراوى والسامع بقدر ما ترتبط بالماضى الذى يمثل ظاهريا محورها الرئيسى " ( 7 ) ومن الخطا ان نجلب تاريخا من مصادر ككتب الرحلات والاثار المعمارية والوتائق التاريخية والسجلات العقارية بدون أن نبحث عن تكملة لذلك تتكون من مساهمة التراث الشفوى الذى يلقى بدوره أضواء كشافة على التاريخ ويمكن من المقارنة ومن كتابة تاريخ موحد ، ولكن هذه العملية يحب

أن تتم مع كامل الانتباه الى طبيعة المعلومات التاريخية التى تضمنتها لان : "المأثورات الشفوية لا تزودنا " بحقائق " تاريخية ولكنها تعبر عن الذاكرة الجماعية للقرية ورؤيتها لسير الحوادث " مما قد يسمح لنا بتفسير أصح لمعلومات مستقاة من مصادر أخرى .

وهكذا يمكن أن نتفق على المفهوم الافضل للتاريخ ، فحتى "اذا كانت حكاية المؤرخ بعيدة الى حد ما عن الحقيقة التاريخية فانه من الخطا الوقوع في نسبوية مفرطة لانه من الممكن - حتى وان كانت الحقيقة الصافية تصعب معرفتها على نحو مؤكد - أن نثبت وجود روايات كثر صدقا من غيرها " ( 8 ) .

فهدفنا هو مقارنة المنقولات التاريخية المتباينة ، والشىء الهام هو الانتباه الى ان جميع المرويات تشتمل على حصتها من الذاتية والتداخل وهذا الامر ان هو لم يؤد الى الموضوعية فانه يعتبر نوعا من التقدم وفيما يلى سنستعرض مجموعة من الحقائق ومن الروايات .

(2) منزل تميم فى عهد ما قبل التاريخ إن منطقة منزل تميم كانت آهلة بالسكان منذ عهد ما قبل التاريخ ، فوجود قبور بكل من منطقة سيدى جمال الدين ( 9 )  وبالخربة (حي الازدهار الآن ) فى طريق الشاطىء أين عثر على مصابيح ، رأيت أحدها عن بعضهم ... وقد وقع العثور على أشياء أخرى ... ووجود خلاوى ( مغارات ) بربوة سيدى سالم ما بين الشاطىء ومدينة منزل تميم لدليل قاطع على ذلك ، رغم أن بعض المؤرخين يرى أن تلك الخلاوى انما هى من زمن "المرابطين" استعملت كمحلات سكنى وكمخازن للسلاح والمؤونة ولكن قدم ذلك الخلاوى لم يعد محل شك بعدما كتب عن ذلك ف . بونيار ( 10 ) وغيره .

لقد كان شمال افريقيا مسكونا منذ الفترات الغابرة أى منذ الخطوات المتعثرة الاولى للانسان البدائى اى منذ العصر الحجرى الاول اى منذ ما يزيد عن 30 ألف سنة . رغم ان التاريخ الاول المحقق لوجود هيكل بشرى بشمال افريقيا يرجع الى ما بين 9 و 11 ألف سنة (11)

لقد وصلت مجموعات بشرية أولى الى الشمال الافريقي من الشرق الاوسط وهى تشبه من حيث التطور الحضارى مجموعة مماثلة وصلت الجنوب الاوربى من نفس المنبع ، أى الشرق الاوسط ( هومو سابيانس ، انسان كرو - مانيون ) .

وقد ظهرت حضارة أولى متطورة ، حجرية فى الالف السابعة قبل الميلاد فى الصحراء وفي المناطق المتاخمة لها بالشمال الافريقي دون ان تمس السواحل فى الشمال الافريقي ، فقد بقيت هذه الاماكن التى ستنشأ فيها قرطاج على معزل من هذه التيارات الحضارية . ولم تصلها مبادئ التطور من افريقيا او من أوربا الا فى فترة متأخرة . وبقيت منطقتنا هذه بما فيها الوطن القبلى فى تأخر كبير اذا ما قارناها بغيرها من المناطق مثل الجنوب التونسي أو اوربا ، وستبقى هكذا الى زمن وصول الفينيقيين فى تأخر نسبى كبير .

فقد نشأت فى الجنوب التونسي حضارة افريقية فى منطقة قفصة تسمى الحضارة الكبسية وذلك قبل الالف السابعة قبل الميلاد . واصحاب هذه الحضارة هم الأجداد المباشرون للبربر . ولم تمس هذه الحضارة السواحل التونسية الشمالية وهذه الحضارة متطورة جدا بالنسبة لحضارة البدائيين الفاطنين بالسواحل الشمالية .

ونصل الى العصر الحجرى الجديد الذي وصل السواحل التونسية بصفة متأخرة نسبيا ، فقد ظهر بالشرق فى الالف الثامنة قبل الميلاد وظهر العصر الحجرى الجديد فى حوض البحر الابيض المتوسط قبل الالف الخامسة قبل الميلاد ولم يصل السواحل التونسية الا بعد ذلك بكثير . وبقيت معه مظاهر عتيقة من الحضارة البدائية التى سبقته . فقد كان الناس يسكنون في تلك

الفترة الكهوف او سفوح الجبال . لم تظهر بعد القرى والتجمعات السكنية الريفية الصغيرة مثل بلدان الشرق فى نفس الفترة ، ولم تبرز بعد الفلاحة والتي لا تظهر لنا جليا الا عند قدوم الفينيقيين . لقد ظهرت في مناطقنا تربية الماعز والخرفان والحصان وقد وقع جلبها من الشرق عن طريق البر . وان كان الخروف أول ما ربي .

ان ساكن السواحل التونسية والوطن القبلى فى ذلك الوقت يبرز لنا كخليط من الانسان الكبسى والانسان البحرى البدائى وهو على كل حال قريب جدا من الانسان البربري الذي ستعرفه البلاد بعد ذلك وحضارته حضارة حجرية متخلفة ولكنه اى ساكن المغارات هذا - يحسن صقل الاحجار وصنع أواني فخارية وهو يعيش بأكل الحلزون وببوش المياه العذبة بجانب الصيد .

ولكن ميزة حضارة الشواطىء هذه بما فيها الوطن القبلي ليست فيما تقدم ذكره وانما فى ظهور حجارة مصقولة من اصل بركانى ، فهذه الحجارة غريبة الوجود فى هذه الاصقاع ولا يمكن أن يكون اصلها الا من جزيرة بنتلارية ( قوصرة ) قبالة منزل تميم او من جزر أخرى من أحواز صقلية . وقد استوطن الانسان جزيرة قوصرة فى هذا العصر بالذات اى فى العصر الحجرى الجديد . ونجد نفس الحجارة بكل من جزر صقلية وسردانيا . فالثابت اذن ان الانسان قد اجتاز فى تلك الفترة مضيق صقلية وقد لعبت الشواطئ التونسية دورها اذن فى تواصل الانسان بين افريقيا وجزر البحر الابيض المتوسط ، كرسيكا ومالطة .. الخ .

فميزة هذه الشواطئ الكبرى هي فى مد قناطر الاتصال بين افريقيا واوربا .

ونصل هكذا الى الفترة التى تسبق التاريخ مباشرة أى الى الالف الثالثة والثانية قبل الميلاد وهي فترة حاسمة جدا فى تاريخ البشرية للتغييرات الكبيرة التى شهدتها ، فقد غزا فيها الانسان الكبسى كل الشمال الافريقي ولكن الانسان الكبسى قد تطور هو نفسه وظهر البرابرة ويظهر عند البربر تأثيرات أوربية وان كان أصلها ينبع من الشرق ، فقد ثبت الآن أن مضيق جبل طارق ومضيق صقلية قد اجتازهما الانسان فى تلك الفترة وقد سكن الانسان كل جزر الساحل الافريقي التى ترى بالعين المجردة .

فنحن نجد فى الشواطئ التونسية كل ما نجد فى الجنوب الايطالي وبصقلية وبسردانيا فى العصر البرنزى وفى أول العصر الحديدى . فقد كانت هذه المناطق من جنوب أوربا همزة وصل للعادات الشرقية مثل تزويق الفخار ومثل بناء القبور الصخرية أو نحتها فى الصخر كالحوانيت والتي سبقت قدوم الفينيقيين ونحن نجد هذه الحوانيت بسردانيا ومالطة وجزيرة جالطة وجربة وبالسواحل التونسية (جبال خمير " الدبابسة " ومنطقة الساحل الخ ) .

وهذه القبور تفترض وجود تنظيم اجتماعي ووجود حياة مستقرة فى شكل قرى ظهرت بعد العصر الحجرى الجديد ولكن قبل قدوم الفينيقين اى فى النصف الثاني للالف الثانية قبل الميلاد لقد صارت الشواطى التونسية ولأول مرة بعد ماض افريقي طويل ، تنظر نحو الشواطئ الشمالية للبحر الابيض المتوسط ونحو شواطئ صقلية . وقد حاول انسان الشواطىء التونسية رغم التأثيرات الحضارية الخارجية المحافظة على عاداته القديمة وبالخصوص عادات الدفن وهى التى تدوم اكثر من غيرها . فهو يدفن الميت فى وضع جانبي وانطواء على النفس مع استعمال اللون الاحمر علامة الموت ، ويترك الميت فى الخلاء حتى يذوب لحمه ثم يدفن نهائيا .

وقد كان تأسيس قرطاج يمثل قفزة تاريخية حضارية عملاقة تقدر بآلاف الاعوام بالمقارنة مع ما حملته من تقدم لقوم متأخرين حضاريا . وحصل هذا عند انطفاء الحضارة الكبسية التى تمثل مفخرة من مفاخر افريقيا وستصبح تونس ملتقى طرق البحر المتوسط ، الطريق الاول شمال جنوب وهو الذى فك عزلة البلاد وذلك بالاتصال المبكر بأوربا والثاني شرقي غربى وسيلعب الفينيقيون فيه دورا اساسيا لمدة قرون .

اشترك في نشرتنا البريدية