الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

حول ترجمة القران المجيد

Share

الحمد لله الذى انزل القرآن تبيانا لكل شىء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين قرآنا عربيا غير ذى عوج والصلاة والسلام على نبينا سيدنا محمد وعلى اله واصحابه والتابعين لهم باحسان

اما بعد فقد ثارت فى هذه الايام مشكلة كبرى حول ترجمة القرآن الشريف من راديو طهران ، ترجمة امرأة امريكية ، الامر الذى تنفر منه أفئدة المؤمنين وتقشعر منه جلود المتقين ولكن للقرآن ربا ، ورب القرآن يحميه ، قال الله تعالى ( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ) وكم حاول اعداء المسلمين ترجمة القرآن كما حاول ذلك الجهلاء من المسلمين فرجعوا بخفى حنين ، وبقى القرآن الكريم على عربيته واعجازه آية خالدة ومعجزة تالدة ، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ( تنزيل من حكيم حميد ) وقد اردنا بيان حكم الترجمة وما قاله العلماء فى هذا المقام فأقول :

ان الترجمة لغة النقل ، وعرفا قسمان : ترجمة معنوية تفسيرية , وهي عبارة عن بيان معنى الكلام وشرحه بلغة اخرى من غير تقييد بحرفية النظم ومراعاة أسلوب الاصل وترتيبه ، وترجمة حرفية وهي ابدال ألفاظ الاصل بالفاظ اخرى مرادفة لها من لغة اخرى ، فليس فيها تصرف فى

المعنى الاصلى ، وانما التصرف فى نظمه بمحاولة ابدال لغته بلغة اخرى فهو خلع ثوب وابداله بثوب آخر مع كون اللابس واحدا ، فترجمة القرآن ترجمة حرفية بالمثل غير معقولة ولا مقدورة ، والعلماء متفقون على عدم امكانها فضلا عن وقوعها ، وانما موضع الخلاف هي الترجمة الحرفية بدون المثل بأن تكون باعتبار ما يدل عليه النظم من المعاني الاولية والخصائص البلاغية التى تدخل تحت مقدور اللغة المترجم اليها والمترجم نفسه وذلك متفاوت قطعا ، وهذا النوع ممتنع ايضا لما فيه من الركاكة والتبديل لنظم الكتاب ، والتعدد والاختلاف في مدلولاته و انك اذا نظرت الى المترجمين حينما يحاولون ترجمة كتاب من وضع البشر يمكن الوصول الى قراره ومعرفة اسراره ، تجد تراجمهم مختلفة فى الالفاظ والاساليب وتحديد غرض المؤلف . . والاحاطة بمراده حتى انك لتكاد تحكم أنها لم تصدر عن مورد واحد ، وذلك كله يرجع لاسباب ، منها قصور الفهم ومنها فقد اللغة المترجم اليها خصائص اللغة المترجم منها ، ومنها قصور الترجمة لحيانة المترجم او نحوه واذا كان هذا فى ترجمة كتاب البشر فكيف فى ترجمة كلام واهب القوى والقدر ؟ ومن حقق النظر في آية الوصية وهي قوله تعالى ( فمن بدله بعد ما سمعه فانما اائمه على الذين يبدلونه ) علم انها تجر بذيلها على المتعرضين لترجمة

القرآن جرا أوليا لان الوصية فى المال دون الوصية في الدين وقوام اساسه المتين ، وقد اوصانا الله بحفظ كتابه وصيانته من التغيير والتبديل وذم علماء الكتاب المحرفين فقال تعالى ( وان منهم لفريقا يلوون السنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب ) فهذه الآية لا يبعد ان تسحب حكمها على لى الالسن بترجمة القرآن ترجمة حرفية لان ذلك مظنة لعبث الايدى به والاستغناء عنه بغيره وذريعة لتقلص ظله وانتهاك حرمته فهي ضرب من التغيير والتبديل فيما تولى الله ورسوله حفظه وأمرنا بالمحافظة عليه فلو وقع ذلك اشتغل الناس عنه وانكبوا على تراجمه ، وان لنا فى قصة الفاروق رضي الله عنه لعبرة وذكرى حينما امتنع عن كتابة السنن خشية ان تلتبس بالقرآن فقال " اني ذكرت أقواما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فانكبوا عليها وتركوا كتاب الله " فانظر الى جهة سد الذريعة فى هذه النازلة من انها دون نازلة الترجمة فيما لها من المساس بكتاب الله تعالى وقرآنه المجيد على ان علماء تحليل اللغات اتفقوا على ان المقومات والعناصر في اللغة العربية أتم واكمل من أى لغة أخرى ذلك لانها غنية بوفرة مفرداتها وتفوق أساليبها وصلاحيتها لكل ما يراد منها من دين ودنيا واخلاق وأدب واجتماع مع فصاحة فى الفاظها وتفنن في تأدية المعنى الواحد لذا لم تتحمل أى لغة كانت من اللغات بلاغة القرآن المجيد الا هذه اللغة الشريفة ، فترجمة القرآن العربي ترجمة حرفية لا تقع صحيحة وافية ولا تكون عن الاصل كافية بل هي عند التأمل منافية ولا يظن الجاهل ان الترجمة الحرفية

ضرورية لتبليغ الدعوة الاسلامية لانها لو كانت كذلك لنص القرآن على طلبها أو بينت بقية الادلة الشرعية طلبها حتما او قام بها العلماء في الصدر الاول حينما كان الاسلام غضا طريا والدعوة اليه والى احكامه نافذة فى جميع الجهات بل بلغ المسلمون من عصر النبوة الى الآن والاسلام ينمو ويتسع بدون حاجة الى الترجمة المذكورة ، كان المسلمون فيما سلف يقتحمون للسيادة كل وعر ويركبون لاظهار دين الله كل خطر ويلبسون من برود البطولة والعدل وكرم الاخلاق ما يملأ عيون مخالفيهم مهابة واكبارا وكانت اللغة العربية تجر رداءها أينما رفعوا رايتهم وينتشر فى كل واد وطأة اقدامهم فلم يشعروا فى دعوتهم الى الاسلام بالحجة الى نقل معانى القرآن الى اللغات الاجنبية ، وربما كان عدم نقلها الى غير العربية وهم فى تلك العزة والسلطان من اسباب اقبال غير العرب على معرفة لسان العرب حتى صارت اوطان اعجمية تفيض نطقا بالعربية . . ذلك الامر الذى جعل اللغة العربية تتقلب فى البلاد والقرآن يدرس باللسان الذي نزل به فى كل واد قد سكنت منذ حين ريحه وتقطعت أسبابه ، غشيت المسلمين فتن وناموا عن واجب الدعوة الى سبيل ربهم . . فخسروا مظاهر عزهم وفقدوا الوسائل التى تسعد اللغة العربية فتنطلق بها ألسنة المخالفين ويدخلون منها الى الاطلاع على ما فى القرآن من بلاغة وحكمة ، ولا ادرى من أى ناحية يريدون ترجمة كتابنا العزيز . . أمن ناحية أسلوبه وعباراته ؟ أم من ناحية دلالته واشارته ؟ ام من ناحية مجمله

وظاهره ؟ ام من ناحية مشكله ومتشابهه ؟ (فليأتوا بحديث مثله ان كانوا صادقين ) والاصول البارع يعلم ان قاعدة درء المفاسد تقضى بمنع الترجمة منعا باتا اذ لا تفيد أهلها ولا تحفظ شكلها بل تبعد الاعاجم عن اعتقاد روعة القرآن وجلاله المهيب ، حيث يرون معانيه محضرة فى ثوب لغتهم الاعجمية وقد جمع سيدنا عثمان رضى الله عنه الناس فى القرآن على وجه واحد خشية التفرق والتنازع الناشئ من التعدد فكيف بالترجمة المتعددة المسببة للاختلاف فى المدلولات . . فالعجيب من مسلم يؤيد موضوع الترجمة الحرفية وهو يعلم ان ذلك يؤدى الى انتهاك حرمة هذا الحمى ، والتطاول على الكتاب العزيز ، ان ذلك ليس من النصيحة لكتاب الله تعالى فى شئ لان القرآن عربى فى جميع اوضاعه ومراتب وجوده فقد اظهره الله فى اللوح المحفوظ عربيا وعلى السنة الملائكة الكرام عربيا ، وعلى لسان نبينا صلى الله عليه وسلم عربيا ، وأجمع المسلمون على كتابته وقراءته بالعربية ونوه بعربيته فى كثير من الآيات فقال ( انا انزلناه قرآنا عربيا ) وقال  (أأعجمي وعربى ) فمن أراد ترجمته بالحرف فانما اراد تغيير اعجازه وتبديل مقاصده وتحويل قبلته وهدم عربيته وحل الرابطة الاسلامية العربية وتفكيك الوحدة الشاملة واذا كان جل العلماء كرهوا كتابته بالرسم الاملائى وحثوا على كتابته بالرسم العثمانى فترجمته الحرفية التى فيها التعدد رسما ولغة ومدلولا أحق بالمنع واجدر وقد اخرج الثلاثة وابو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن الى ارض العدو واستثنوا من ذلك نحو الآية والأيتين ، وفي كتب المالكية : " وحرم ارسال مصحف أو جزئه ما عدا آية او آيتين لكافر خشية اهانته واصابته بنجاسة له او نحو ذلك " فالخير الآن كله فى الانصراف عن ترجمته الى ترجمة احكامه الشرعية مع التعظيم للكتاب والتوقير للسنة ، اما الترجمة التفسيرية المعنوية لاحكامه فجائزة اتفاقا بشرط التثبت فى النقل والتحرى لاقوال الصحابة والتابعين ، وعلماء السنة فيكون تفسيرا موجزا صحيحا كافيا على قدر المستطاع ويعتبر بيانا لاقرآنا وتبليغا لاحكامه لا معجزا وتبيانا ، وينبغى ان يكون ذلك مقرونا ببيان حكم التشريع ومقاصده حتى تتجلى للاعجمي محاسن الدين الحنيف واسرار الشرع الحنيف وبذلك تتم حاجته وتتمكن دعوته فاذا عرف المحسن سمت نفسه يتعلم لغة القرآن ليتعبد بتلاوته ، هذا هو السبيل المشروع في الدعوة الى الاسلام والصراط المستقيم لمن يبتغى الوصول لدار السلام وان اصدق الحديث كتاب الله وخبر الهدى هدى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وشر الامور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ، اما ما نسب للامام ابي حنيفة رضى الله عنه من جواز القراءة بالفارسية للعاجز عن العربية فى الصلاة فقد ثبت عن ابي بكر الرازي وجماعة من الاصحاب رجوع الامام عن ذلك الى قول الصاحبين وعليه الاعتماد ، والمجتهد اذا رجع عن قول لا يعد ذلك القول المرجوع عنه قولا له لانه لم يرجع عنه الا بعد ان

ظهر له انه ليس بصواب .

وخلاصة البحث ان الخلاف فى القراءة فى الصلاة بغير العربية يرجع الى مذهبين أولهما أن ذلك محظور , والصلاة بهذه القراءة غير صحيحة وهو مذهب الجمهور من أئمة الدين . وثانيهما جواز القراءة بالاعجمية عند العجز عن النطق بالعربية وهو مذهب الامامين أبى يوسف ومحمد بن الحسن رحمهما الله تعالى ولا يعد  بجانب هذين الامامين ما يعزي للامام ابي حنيفة من صحة القراءة بالفارسية ولو للقادر على العربية لما عرفت من صحة رجوع الامام عنه ، حكى هذا الرجوع عبد العزيز فى شرح البزدوى ، قال صاحب البحر المحيط : والذين لم يطلعوا على الرجوع من اصحابه قالوا اراد به عند الضرورة والعجز عن القرآن فاذا لم يكن كذلك علماؤنا هذا يخالف قول ابى حنيفة ممن قدر أن يقرأ في الصلاة بالعربية فعدل عنها الى الاعجمية ببعيد . . قال القاضى ابو بكر بن العربى وهو من فقهاء المالكية فى تفسير قوله تعالى ( ولو جعناه قرانا اعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربى ) قال علماؤنا : هذا يخالف قول ابى حنيفة رضى الله عنه ان ترجمة القرآن بابدال اللغة العربية بالفارسية جائز لان الله سبحانه وتعالى قال ( ولو جعلناه قرآنا اعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربى ) نفى أن يكون للعجمة اليه طريق فكيف يصرف إلى ما نفي الله عنه . ثم قال ان التبيان والاعجاز انما يكون بلغة العرب فلو قلب الى غير هذا لما كان قرآنا ولا بيانا ولا واقتضى اعجازا ,

وقال الحافظ ابن حجر فى فتح

البارى : ان كان القارىء قادرا على تلاوته باللسان العربى فلا يجوز له العدول عنه ولا تجزى صلاته . . أى بقراءة ترجمته وان كان عاجزا . . فان الشارع قد جعل للعاجز عن القراءة بالعربية بدلا وهو الذكر وقال الشيخ ابن تيمية وهو من فقهاء الحنابلة فى الرسالة الملقبة بالسبعينية : واما الاتيان بلفظ يبين المعنى كبيان لفظ القرآن فهذا غير ممكن اصلا وعلى هذا كان أئمة الدين على انه لا يجوز أن يقرأ بغير العربية لا مع القدرة عليها ولا مع العجز عنها لان ذلك يخرجه عن ان يكون هو القرآن المنزل اهـ ، اما ترجمة الحديث النبوى فمسألة من فروع روايته بالمعنى فما اتفق على منع روايته بالمعنى المشكل والمشترك والمجمل والمتشابه وجوامع الكلم او المصنفات المسموعة كما نص على ذلك النووى فى شرح مسلم فيمتنع ترجمته وما عدا ذلك فالاصح جواز روايته بالمعنى بمالا يحيل المعانى فتصبح ترجمته بناء على ذلك

وانما أطلنا الكلام فى هذا المقام لانه ظهرت في هذه الازمان الاخيرة فتنة عمياء ومصيبة دهياء اصابت المسلمين فى صميم الدين . وذلك بالدعوة الى ترجمة الكتاب المبين فكان ذلك مقدمة لرفعه المذكور فى الاخبار فمن مصوب جاهل ومن ناقد فاضل ومن ساكت متساهل والأمر لله منزل الكتاب . . وللشاطبي في الموافقات فى هذا المقام كلام . . فراجعه ان شئت ، وفقنا الله لحفظ كتابه العزيز . . ورزقنا تلاوته على الوجه الذى به عنا يرضى وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

اشترك في نشرتنا البريدية