لا يكاد التاريخ يعرف أمة من الأمر عنيت بكتاب ربها كما عرف ذلك للامة الأسلامية فمن يوم ان نزل القرآن غضا طريا على قلب النبى ﷺ والأمة فى عناية به ، فمن حفظ في الصدور الى كتابة فى السطور الى فهم لمعناه واستكناه له وكشف عن أسراره وغوص على درره وعجائبه التى لا تنقضي .
ولم يكن هم سلف الأمة من القرآن الكريم حفظ لفظه فحسب بل كانت غايتهم العظمى تدبره والعمل بكل ما جاء به فقد كانوا ينظرون الى القرآن على انه كتاب هداية وارشاد يطهر القلوب ويزكى النفوس ويثقف العقول وبهدى للتي هي اقوم فلا هداية تدانى هدايته ولا صلاح للبشرية بدون الأخذ باحكامه وآدابه . قال ابو عبد الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبدالله بن مسعود وغيرهما انهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل ، قالوا : فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا .
وبهذا امكن لسلف هذه الأمة ان يكونوا مدنية فاضلة لا يزال ذكراها شذى يتضوع ، وان يسودوا العالم فى امل من قرن ، وبديهي أن العمل بالقرآن والاهتداء بهديه فى العقائد الصحيحة والاحكام السامية والأداب العالية لن يكون إلا بعد فهمه والوقوف على ما حوى من نصح ورشد وهذا لا يكون إلا بعد الكشف والبيان لما تدل عليه الفاظه وهذا الكشف والبيان هو ما بصرف بعلم (( تفسير القرآن )) .
واذا كان الصحابة على ما كانوا عليه من سليقة عربية سليمة وما رزقوا من مواهب عقلية وانوارقلبية وما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم ورأوا قد احتاجوا اليه فى تفسير كثير من آيات القران ومعرفة المراد منها فما احوج المسلمين من بعدهم الى معرفة التفسير ولا سيما فى العصور التى فسدت فيها ملكة البيان العربي وتلاشت فيها خصائص العروبة وقد قيض الله سبحانه لكتابه من الصحابة والتابعين علماء اجلاء وائمة فضلاء تركوا لنا في تفسيره ثروة قيمة مم رووه عن صاحب الرسالة وما استنبطوه بعقولهم الصائبة وأذواقهم المرهفة ثم حمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين فكان من ذلك تراث لا يحصى من نتاج العقلية الاسلامية لا تزال تفاخر به على كرالدهور
. وقد نوه أنمه الدين بفضل هذا العلم وشرفه قال السيوطى ما خلاصته : " وقد اجمع العلماء ان التفسير من فروض الكفايات وأجل العلوم الشرعية " وقال الاصبهانى : اشرف صناعة يتعاطاها الانسان تفسير القرآن وذلك أن شرف الصناعة أما بشرف موضوعها وأما بشرف غرضها وأما بشدة الحاجة وصناعة التفسير قد حازت الشرف من جميع الجهات اما من جهة الموضوع فلأن موضوعه كلام الله الذي هو ينبوع كل حكمة ومعدن كل فضيلة فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم لا يخلق على كثرة الرد ولا تفنى عجائبه واما من جهة الغرض فلأن الغرض منه هو الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول الى السعادة الحقيقية التى لا تفنى ، وأما من جهة شدة الحاجة اليه فلأن كل كمال ديني ودنيوي عاجل أو آجل مفتقر الى العلوم الشرعية وهى متوقفة على العلم بكتاب الله " ( ١)
مدارس التفسير :
كان من اثر العناية بالقرآن الكريم والاشتغال به ان تكونت فى الامصار المختلفة مدارس للتفسير فهنا مدرسة مكة وهناك مدرسة المدينة ومدرسة العراق ومدرسة مصر ومدرسة الشام ، ولكل مدرسة من هذه المدارس علماؤها ولها خصائصها ومميزاتها وآساتذ هذه المدارس من الصحابة الذين مهروا فى التفسير وبلغوا فيه شأوا بعيدا وتلاميذها من اجلة التابعين وأئمتهم وهذه المدارس هي اللبنة الأولى فى بناء علم التفسير الذى صار فيما بعد قصرا شامخ الذرى ثابت الاركان ويحسبى الآن ان اذكر شيئا عن المدرسة المكية واعلامها بما تتسع له صفحات (( المنهل الغراء )) .
المدرسة المكية :
أما استاذ هذه المدرسة فعبد الله بن العباس رضى الله عنهما ابن عم النبي ﷺ وعمدة المفسرين غير مدافع ، وقد دعى له النبي بقوله : (( اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل )) وكثرت ملازمته الرسول ﷺ فى حياته كما لازم كبار الصحابة بعد وفاته فتعرف منهم تاريخ التشريع واسباب النزول والناسخ والمنسوخ الى غير ذلك . فلا عجب ان كان بحرا فى التفسير لا ينزف وقد شهد له النبى الكريم بالتبريز فقال - فيما رواه ابو نعيم - (( نعم ترجمان القرآن انت )) وقد اعانه على بلوغ هذه المنزلة فى التفسير - عدا ما تقدم - قريحة وقادة وذكاء نادر وقلب عامر بالايمان ومعرفة باللغة العربية واسرارها وخصائصها وحافظ : لاقطة فقد كان يحفظ الكثير من أيام العرب واشعارهم وكثيرا ما كان يستشهد بالشعر على بيان معانى القرآن وكان يقول : (( الشعر ديوان العرب فاذا خفى علينا الحرف من القران الذي انزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه )) . وفي مسائل نافع بن الازرق واجاباته عنها اكبر شاهد على ذلك ( ١ )
هذه الخصائص كان لها اكبر الاثر فى تكوين ابن عباس رضي الله عنه العالم المفسر وبالتالي اثرت في تكوين رجال المدرسة المكية الذين اتصلوا به وتضلعوا من منهله المذب ومعينه الصافى وارتشفوا من رضابه الحلو الشهى فكانوا فى الرعيل الأول حينما يذكر علماء التفسير وفي القمة اذا وزنوا بالقسطاس المستقيم قال الامام تقى الدين احمد بن تيمية " وأما التفسير فان أعلم الناس به أهل مكة لأنهم اصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء ابن ابى رباح وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم من أصحاب ابن أبى رباح وعكرمة وغيرهم من اصحاب ابن عباس كطاووس وأبى الشعثاء وسعيد بن جبير وأمثالهم " ( ١ ) وسأذكر تراجم قصيرة عن اعلام هذه المدرسة حتى يتبين لنا جلال ومعرفتهم بالتفسير
مجاهد بن جبر . كان آية من آيات الله فى التفسير وقد روى عنه أنه قال " عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها فيم انزلت وكيف كانت ؟ " وهو من اوثق الرواه عن ابن عباس وقد عرف له الأئمة هذه المنزلة قال الثورى "اذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك " ولذا يعتمد على تفسيره الأمامان الشافعى والبخارى وكذلك الأمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير يعتمد على مجاهد اكثر من غيره وقصارى القول أنه فارس هذه الحلبه " عطاء بن أبى رباح وسعيد بن جبير " كان كل منهما ثقة صادقا وليسا مكثرين من الرواية عن ابن عباس مما يدل على شدة تحريهما ولذا قال سفيان الثورى " خذوا التفسير عن أربعة " "عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك " وقال قتادة - وهو من اعلام المدرسة العراقية - " أعلم التابعين أربعة كان عطاء ابن أبى رباح أعلمهم بالمناسك, كان سعيد بن جبير اعلمهم بالتفسير وكان عكرمة أعلمهم بالسير وكان الحسن أى البصرى ، أعلمهم . بالحلال والحرام " وقد اثنى على عطاء شيخه ابن عباس فقال وقد سئل عن شئ يا أهل مكة تجتمعون على وعندكم عطاء " كما اثنى عليه الامام أبو حنيفة فقال ما لقيت أحدا أفضل من عطاء ، وأن الدارس لكتب التفسير يجد مصداق أقوال هؤلاء الأئمة ظاهرا واضحا .
" عكرمة مولى ابن عباس " كان أعلم التابعين بالسير كما سمعت انها وكان الأمام البخارى يعتمد عليه ويوثقه وروى له وكان بعض العلماء لا يروى عنه لأ كثاره من الرواية عن ابن عباس ولكن هذا ليس بمطعن لأنه مولاه وقد خالطه كثيرا وسمع منه ما لم يسمع من غيره فمن الطبيعى أن يروى عنه اكثر من غيره ولا يعد هذا اجتراء على العلم ولا افتياتا على الرواية وليست كثرة الرواية عند توفر أسبابها من المطاعن أنما المطاعن خلاف ذلك وقد حدث عن نفسه أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يجعل فى رجليه الكبل (١) ويعلمه القران والسنة مما يدل على حرص سيده على تثقيفه وتهذيبه وقال " كل شئ احدثكم عنه فى القران فهو عن ابن عباس " وحسبه شاهدا على منزلته فى التفسير قول الشعبى فيه " ما بقى أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة وبحسبنا هؤلاء الاعلام فى التنويه بشأن هذه المدرسة .
كلمة حق ولايفوتني : انيه على ان ما ورد عن هؤلاء الأئمة فى التفسير ينبغى التاكد من صحته قبل الأخذ به ان بعض الوضاعين قد دس بعض الروايات واختلقها عليهم وبخاصة على شيخهم ابن عباس فاختلط الصحيح السقيم كما ينبغى التميز بين ما حملوه محمله أصل أسلامي وبين ما حملوه مما أصله اسرائيليات رويت عن أهل الكتاب الذين أسلموا ككعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهما وقد أخدوه عنهم بحسن نية وكانت هذه الاسرائيليات سبب بلاء على الأسلام والمسلمين ولكى تكون على بينة من الأمر أقرأ بعض ما ورد فى قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مما يتنافى مع العصمة وبجل عنهم مقامهم وعسى أن تكون لى عودة لمعالجة هذا الموضوع الخطير .
وفى الحق ان جهابذه الحديث قد نقدوا هذه المرويات وبينوا صحيحها من زائفها والأحاطة بما قالوه يحتاج آلى درس وتحصيل وصبر وأناه كما يبنوا اصح الطرق وأوهي الطرق فقالوا - مثلا - أن أصح الطرق عن ابن عباس طريق على ابن ابى طلحة الهاشمى عنه قال الأمام أحمد رحمه الله " أن بمصر .
صحيفة يروبها على بن ابى طلحة عن ابن عباس لو رحل رجل فيها الى مصر قاصدا ما كان كثيرا عليه " وهذه الصحيفة مما أخذها ابن ابى طلحة عن مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس كما قالوا أوهى الطرق طريق الكلبى عن ابن عباس فاذا انضم اليها رواية محمد بن مروان السدى فهى سلسلة الكذب وهكذا فعلوا مع معظم من اشتغل بالرواية (١)
وبعد فاولا تعود المدارس الاسلامية فى الأمصار المختلفة جذعة كما كانت يؤمها أئمة العلم ويقصدها طلاب المعرفة والحقيقة من كل فج عميق وتتجاوب أصداؤها فيكون من وراء ذلك الغنم للعلم والدين ، وهلا يعود للمدرسة المكية مجدها كما بدا فتسترد زعامتها السالفة ذلك ما نرجو وما ذلك على الله بعزيز

