من ابرز عناصر تاريخ شمال افريقيا ، تلك التيارات المستمرة العتيقة الدائمة العنيفة الرامية لتوحيد البلاد من اقصاها الى اقصاها اى " من السلوم الى الدار البيضاء " هذا الواقع اتفق فى الاعتراف به الجغرافيون والاقتصاديون والسياسيون ولم يبق من بين المفكرين النزهاء من يتردد فى الاعتراف بفوائده الحيوية للشعوب الافريقية خاصة ولسكان ضفاف البحر الابيض المتوسط بصفة اعم غير ان هذه الامنية التى طالما اختلجت في افئدة ابناء هذه الاقطار ليست اليوم فى حيز الوجود ولم يسجل التاريخ انجازها لا في القرن الماضى ولا في القرون السالفة بصفة مستقرة بالرغم من عنف غريزة الوحدة التى كانت ولم تزل تخامر جميع سكان الاقطار الاربعة الشقيقة .
هذا الامر الخطير يجعلنا نتساءل عن اسباب هذا التناقض بين آمالنا والواقع التاريخي وبالاحرى عن اسباب فشل جميع محاولات توحيد هذا المغرب العربي الكبير
ويمكننا تقسم هذه الاسباب الى قسمين : قسم داخلى نتعرض فيه الى العراقيل الداخلية وقسم خارجى نذكر فيه العوارض الاجنبية التى اقيمت لتحطيم المجهودات المبذولة فى هذا الشان
فى القرن السابع الهجرى اى الرابع عشر الميلادي ظهرت في هذا الشمال الافريقي حركة توحيدية عنيفة عامة انبعثت من تونس ومن فاس ومن طرابلس وتلمسان . واعتزت لهذه الحركة جميع القرائح من صميم الشعب ومن حواشي الامراء والسلاطين ، والسبب الأكبر في هذه الحركة الخطر الداهم من اروبة
التى اصبحت من جديد تستأسد على هذه الاقطار ) ١ ( وتفسخ المعاهدات التى ابرمت بينها وبين دولة المغرب العربى ) ٢ ( وتستعد لاحتلال كل نقطة من الساحل يظهر فيها ضعف السلطات المحلية .
لهذا اراد السلطان ابو بكر الحفصى ان يقى رعيته غائلة الفتنة والشقاق ومذلة الغزو الاجنبى من بعده فعين سنة ٧٤٢ هجرية ) الموافقة لعام ١٣٤٢ م ( ابنه ابا العباس احمد ليخلفه على العرش وبادر باعلام حليفه الكبير السلطان ابي الحسن المرينى بهذا القرار طالبا منه ان يكون شاهدا على ذلك فارسل الى المغرب حاجبه ابا القاسم بن عتوا واصحبه كتاب العهد . فوقف عليه السلطان ابو الحسن وكتب على حاشيته بخطه موافقا عليه
وبعد حين توفي ابو بكر ولم تحل الاحتياطات التى اتخذها دون نشوب حوادث دامية من بعده اذ تعدد الراغبون فى العرش واصبحت بلاد افريقيا مطمعا للعدوان الاوروبى ، وكان الظرف دقيقا جدا بالنسبة لابى الحسن . لانه شاهد على ولاية العرش الحفصى ولكنه انتظر نداء الشعب التونسى قبل الشروع فى اى عمل .
وعندما وصل اليه ابو محمد بن تافراجين وهو من اكبر دعاة وحدة المغرب العربي ، واستمع السلطان ابو الحسن ما رواه عليه من مآسى تونس " فتح ديوان العطاء ونادى في الناس بالمسير الى افريقية وازاح عللهم وعسكر بظاهر تلمسان ثم نهض في صفر من سنة ثمان واربعين وسبعمائة يجر الدنيا بما حملت بعد ان عقد على ابنه الامير ابى عنان على المغرب الاوسط وعهد اليه بالنظر في اموره ، كافة وجعل اليه جبايته . وقدمت عليه فى طريقه اعراب افريقية وولاة قابس وبلاد الجريد واطاعته طرابلس والزاب وبجاية وصاحبها يومئذ ابو عبد الله محمد بن ابى زكريا . ولما وصل الى قسنطينة خرج اليه ابناء الامير ابى عبد الله بن ابى بكر فبايعوه فاقبل عليهم وصرفهم الى المغرب وانزلهم بوجده واقطعهم جبايتها وانزل بقسنطينة خلفاءه وعماله وقد كان صرف ابا عبد الله صاحب بجاية الى ندرومة فانزله بها واقطعه الكفاية من جبايتها " ) ٣ ( وعندما وصل تونس " نزل بظاهرها يوم الاربعاء الثامن من جمادى الآخرة من سنه ثمان واربعين وسبعمائة وتلقاه وفد تونس وشيوخها من اهل الفتيا وارباب الشورى ، فاتوه طاعتهم وانقلبوا مسرورين بولايته مغتبطين بملكته .
وكانت تونس يومئذ مشحونة بالاعلام الاكابر منهم ابن عبد السلام وابن عرفة وابن عبد الرفيع وابن راشد القفصى وابن هارون واعلام اخرون ، ثم عبا السلطان ابو الحسن يوم السبت مواكبه لدخول الحضرة . فصف جنوده سماطين من معسكره بسيجوم الى باب البلد نحو اربعة اميال وركبت بنومرين من مراكزهم من جموعهم وتحت راياتهم " وركب السلطان من فسطاطه وعن يمينه وليه عريف ابن يحيى كبير سويد ويليه ابو محمد عبد الله بن تافراجين وعن يساره الامير ابو عبد الله محمد بن ابى زكريا وهو اخو السلطان ابى بكر ويليه الامير ابو عبد الله ابن اخيه خالد فكانوا طراز ذلك الموكب فيمن لا يحصى من اعياص بنى مرين وكبرائهم . وهدرت طبوله وخفقت راياته وكانت يومئذ نحو المائة ، وجاء السلطان والمواكب تجتمع عليه صفا صفا الى ان وصل الى البلد وقد ماجت الارض بالجيوش " ( ٤ )
في تلك الفترة الحاسمة من تاريخ المغرب العربى كان ابن خلدون في السابعة عشر من عمره ، ورغم صغر سنه اخذ لنا صورة مدققة لهذا الحدث العظيم خصوصا من الناحية الثقافية
" وكان قدم علينا فى جملة السلطان ابى الحسن جماعة من اهل العلم كان يلزمهم شهود مجلسه ويتجمل بمكانهم فيه " ) ٥ ( فمنهم شيخ الفتيا بالمغرب وامام مذهب مالك ابو عبد الله محمد بن سليمان السطى...ومنهم كاتب السلطان ابى الحسن وصاحب علامته التى توضع اسافل مكتوباته . . ابو محمد بن عبد المهيمن الحضرمي والشيخ ابو العباس احمد الزواوى امام المقرئين بالمغرب وشيخ العلوم العقلية ابو عبد الله محمد بن ابراهيم الايلى وأبوقاسم عبدالله بن يوسف بن رضوان المالقي والفقيه ابو عبد الله محمد بن محمد بن الصباغ ومنهم القاضى ابو عبد الله محمد من عبد النور وابو عبد الله محمد بن النجار وابو العباس احمد بن شعيب والخطيب ابو عبد الله محمد بن احمد بن مرزوق التلمساني ،
وكان لهذه المقابلة او بصفة ادق لهذا المؤتمر العلمى المغربى اثر شديد الاهمية فى تاريخ شمال افريقية فى الثقافة العربية خاصة والبشرية عامة . ولا نبالغ اذا قلنا ان عبقرية ابن خلدون من نتائج هذه الوحدة العلمية . اما فى الميدان السياسي فماذا فعل السلطان المرينى ابو الحسن في تلك الآونة ؟ " انزل يحيى بن سليمان بقصبة تونس فى عسكر لحمايتها ثم ارتحل من
الغد الى القيروان . . فجال فى نواحيها ووقف على آثار الاولين ومصانع الاقدمين . . ثم سار الى سوسة ثم الى المهدية ووقف على ساحل البحر منها وتطوف فى معالمها ونظر فى عاقبة الذين كانوا اشد قوة واثارا فى الارض واعتبر باحوالهم ومر فى طريقه بقصر الاجم ورباط المنستير وانكفأ راجعا الى تونس " وسجل التاريخ هذا الحدث العظيم وحد شمال افريقية " ما بين مسراتة الى السوس الاقصى ) ٧ ( ودخل المغرب باسره تحت حكم واحد وراية واحدة واصبح ابو الحسن بارادة الشعب اعظم ملك عرفه العالم فى ذلك القرن ) ٨ ( ولكن هذه الوحدة التى طالما كافح من اجلها سكان افريقية لم تستقر ولو عاما واحدا وذهبت عاجلا ادراج الرياح
وبعد الحفاوة السامية التى ادت ابن خلدون الى التصريح بانه لم ير مثلها ) ٩ ( واندفاع الافارقة من كل فج عميق للترحيب بقدومه رجع السلطان ابو الحسن فارا من تونس على طرق البحر لانه لم يجد للوصول الى مسقط رأسه سبيلا من شدة غضب سكان البلدان التى لم يحسن ادارتها وحتى المغرب الاقصى اغلق ابواب الحكم في وجهه وابدله بغيره على العرش ) ١٠ ( ومات وحيدا .
فما السبب يا ترى فى هذا التقاب الذى لم يكن ينتظره احد ؟ لقد شيد هذا العمل الجبار على اسس غير متينة . وكان يحمل منذ نشأته عنصرا خطيرا كان السبب الاصلي للانهيار أى اهمال السلطان ابي الحسن لحقيقة أساسية أهميتها عظمى وهى وجود ذاتية ليبية وذاتية تونسية وذاتية جزائرية وذاتية مغربية خلفت كل واحدة منها منذ قرون ونمت وترعرعت متدفقة تريد الحياة كان يتحتم عليه التأمل فى شأنها وإقامة الدليل فى جميع انجازاته على احترامه لكل واحدة منها على حدة احتراما خصوصيا . وكان السلطان ابو الحسن يجهل ان هذه الشعوب كانت ترغب فى الوحدة بنفس الاندفاع وبقدر ما كانت تكره التنازل عن التباين النسبى في وجهات نظرها وآرائها فى المشاكل التى تهم كل واحدة منها . ومن السهل ان نستعرض جميع العوامل التى ادت الى هذا الانهيار ولكننا نختار عاملين اثنين هما : ١ ( لم يكترث ابو الحسن بالرأى العام عند اختيار ولاته واولى الامر من
ممثليه وبالخصوص برغبات سكان المناطق التى يهمها الامر كما ذكره الناصرى بدون التعليق عليه .
٢ ( شرع بدون روية فى تطبيق القوانين التى جربت بالمغرب على الاقطار الثلاثة الاخرى بالرغم عن انها لم تكتس الا القالب المحلى ولم يتعود بها الا اهل المغرب الاقصى .
وقد رأى مثلا " من اعتزاز العرب بتونس على الدولة وكثرة اقطاعاتهم من الضواحي والامصار وما تجاوز الحد المعتاد عنده فانكر ذلك وضرب على ايديهم وعوضهم عنه باعطيات فرضها لهم فى الديوان من جملة الجند واستكثر جبايتهم فنقصهم الكثير منها " ) ١١ ( لانه اراد ان يكون حال عرب افريقية نفس حل عرب المغرب الاقصى
وكل المحاولات الرامية الى توحيد المغرب العربى التى سبقت او عقبت محاولة ابي الحسن المريني فشلت لنفس الاسباب الداخلية ان لم تكن للاسباب الخارجية التى سنستعرضها فيما يلي : منذ خمسة وعشرين قرنا يعيش شمال افريقية تحت التهديد الاوروبى . ولم يمر ولو قرن واحد بدون ان يدنس من طرف التوسع الغربى بعملية غزو او احتلال منطقة من مناطقه . وبما اننا جددنا موضوعنا سنضع على بساط الدرس ما قامت به دول اروبا فرنسا خاصة - لمنع توحيد شمال افريقيا باستعمال جميع الاساليب من الحديد والنار الى الدسائس المعسولة والجوسة والمغامرات الجهنمية المحكمة التنسيق وسنقتصر على حوادث العهد العصرى
فى القرن الثامن عشر تحت ضغط التوسع والعدوان المتكرر ضد كيانها اتفقت حكومات الشمال الافريقي اى طرابلس وتونس والجزائر والمغرب على توحيد راتتها ) ١٢ ( بالخصوص فوق سفنها التجارية والحربية ؛ بعد ذلك القرار الخطير تهاطلت من اوروبة الاحتجاجات في شانه ، واولها من طرف كاتب الدولة الفرنسية للبحرية الكونت دى بونشر تران "Lecomte de pontchartrain بعثه فى ١٦ نوفمبر ١٧٠١ الى مصطفى داى بالجزائر ) ١٣ ( لكن ثابرت حكومات المغرب العربي على نفس السلوك وثابرت فرنسا على احتجاجاتها ، وفي ١٧ اكتوبر ١٧٦٣ ارسل كاتب الدولة الفرنسية للبحرية الدوق دى برا الان "le Due dePraslin
في نفس الموضوع مصرحا بالصعوبات الجسيمة التى تلقاها الاساطيل الفرنسية عند مطاردة السفن المغربية اذ لا تجد بينها وبين سفن الجزائر ما يميزها لا فى الشكل ولا فى الراية ) ١٤ ( .
وبفضل سياسة السلطان العلوى ، سيدى محمد بن عبد الله ، ابرمت معاهدة سنة ١٧٦٣ بين تونس والمغرب الاقصى اصبحت بمقتضاها المراسى والمياه الاقليمية التونسية مفتوحة امام جميع المراكب المغربية خصوصا عند ما تجد نفسها تحت رحمة القراصنة الاوروبين ) ١٥ ( .
وقد اثار هذا الامر الخطير انفعال قنصل فرنسا بتونس حينذاك الذي قام بمحاولات عديدة ومتكررة ولكن بدون جدوى لتحطيم هذا الميثاق ) ١٦ ( وتلك الفترة من التاريخ كانت حافلة بتبادل البعثات الديبلوماسية والتجارية والثقافية والدينية بين الدول الاربعة الشقيقة ) ١٧ ( .
بفضل تلك السياسة الرشيدة حصلت الاقطار المغربية الاربعة على احترام الغرب وبالخصوص على صيانة التراب الشمالي الافريقى وبقيت كل دولة محافظة على كيانها وادارة شؤونها الداخلية حسبما تشاء ولكن التزمت بجعل نشاطها الدولى منسجما مع نشاط الدول الشقيقة الاخرى . وبهذه الطريقة المستوحاة من غريزة التحفظ التى كانت تخامرها امام مطامع الاستعمار امكنها التعايش مع اوروبة السنين الطوال وتمكنا من الحصول على سيادة الحوض الغربي للبحر الابيض المتوسط الذي اصبح بحرا مغربيا حسب سجل التاريخ وما جاء فى تصريح افضى به عبد الرحمان البديرى سفير طرابلس بلندن مخاطبا به سفير الولايات المتحدة هنا سنة ١٧٨٦)١٨ ( وتلك الوحدة كان كل واحد من سكان الشمال الافريقى يحرص عليها ويبرهن بكل ما لديه من قوة ومن جاه لاخلاصه لها . وكانت المقابلات تقع تلو المقابلات لصيانة الناموس الذى حصلت عليه البلاد والاعانات المتبادلة عند الكوارث الطبيعية لم تكن اقل اهمية مما كان يمن به كل واحد من أقطار المغرب العربى على شقيقه عند الكوارث الاستعمارية ) ١٩ ( وحتى جبروت نابليون احجم هوا ايضا عن التعدى على حرمة البلاد بالرغم من اعانتنا لمن كانوا من بين الثائرين على طغيانه . . ) ٢٠ ( وعندما شعرت الحكومة الفرنسية بصعوبة احتلالها وحدها للمغرب العربى
نزعمت بعد شن الدعايات المهولة حركة ترمى الى تحرير الرقيق الاوروبى طبعا . وبعد مؤتمر ايكس لا - شبيل Aise La Chapelleالمنعقد سنة ١٨١٨ هو جعت الاساطيل المغربية بعنف وشدة لم يسبق لها مثيل وحطمت بالحديد والنار مقومات ناموس افريقية الشمالية وبقيت الدول الاستعمارية تنتظر ما يمكن اتخاده كسبب لتقسيم واحتلال المغرب العربى قاطبة ) ٢١ ( وكان القنصل الفرنسى دوفال يريد يوم العيد امام بقية زملائه ورجال الدولة والدين استفزاز عواطف الداى بالجزائر باى اسلوب حتى بالشتم ليعطى لحكومة فرنسا " الذريعة الضرورية " للهجوم على افريقية ) ٢٣ ( وفى الاشهر التالية قامت الحكومة الفرنسية بتحضير قواتها واعداد العدة لرد الثار والمغرب العربى يتاهب لرد العدوان الداهم واصبحت تونس بفضل مركزها الجغرافى قلب تلك الحركة الجليلة .
فبعد حين بعثت فرانسا لتونس كفنصل لها ما تيودى ليستبس ، Mathieude Lesseps ليعكر الجو بين الاشقاء ويحطم ما هم في صدد ايجازه . ولما رات فشل نشاطه الهدام وتيقنت بانه اقيم مؤتمر سرى فى اكتوبر ١٨٢٨ بين كافة دول المغرب العربى الكبير وشعرت ان شعب شمال افريقية سيصبح نتيجة لذلك كالبنيان المرصوص بادرت بارسال جاسوسها الشهير دوبينيوسك D.Aubignor لبث التفرقة بين الاشقاء المتحالفين ) ٢٤ ( ونجح دوبينيوسك في اعماله بعد ايام قليلة وانقلب كل واحد من المؤتمرين الى عدو للوحدة وعزل حسين الثاني باى تونس وزيره الذي تراس المؤتمر واتقسم المغرب العربي الكبير . . وبلغ الاستعمار امنيته .
وبعد ذاك هجم على الجزائر واحتل عاصمتها يوم ٥ جويلية سنة ١٨٣٠ . وباى تونس يهتز فرحا . وباشا طرابلس لم يحرك ساكنة والمغرب الاقصى لم يشعر بان عملية انزال الجيوش الفرنسية كادت تقع في ضواحي مرسى سبتة ، ولكن بعد احتلال عاصمة الجزائر بشهر واحد وقفت الاساطيل الفرنسية امام تونس مهددة بالدمار . وامضى الباى على معاهدة قبر بها ما بقى من الناموس التونسي . واتخذت فرنسا من التراب التونسى رقعة صارت الى الابد ملكا لها ) ٢٥ ( وبعد ايام اجبرت الحكومة الطرابلسية على الامضاء على معاهدة مماثلة
جعلتها لا تقدر على اى عمل دولى الا الاختيار بين الاستعمارين العثماني او الاوروبى ) ٢٦ ( وبعد اشهر ادى الضغط الدبلوماسى حكومة المغرب الى الالتزام بعدم التدخل فى الحرب الجزائرية - الفرنسية . وهذه المعاهدة المبرمة سنة 1832 جددت سنة ١٨٣٦)٢٧ ( بعد هذه المأساة كلها وبعد الضغط الشديد الذى قام به الشعب - ولكن بعدما احتلت القوات العثمانية طرابلس - استيقظت الحكومة المغربية ومدت للامير عبد القادر يد المساعدة ودخلت للحرب بجانبه وجعلت بالرغم من نص المعاهدات من ارضها ملجأ له وتكبدت لاجل عملها هذا المشرف تدمير مراسيها بالقنابل الفرنسية ) ٢٨ (
وقام الشعب التونسى باستقبال اللاجئين الجزائريين ) ٢٩ ( ومد المجاهدين بالاسلحة والمعونة . ومما لا شك فيه هو اهمية هذه المعونة لان فرنسا لما اجبرت الحكومة التونسية على الامضاء على " معاهدة الصداقة وحسن الجوار " جعلت من بين فصولها بندا خاصا بقطع الحركة التى كانت تستمد بفضلها الجزائر الاسلحة عن طريق جربة والجنوب التونسى والاوراس وكانت سنة ١٨٨١ آخر سنة تقوم فيها ثورة تحريرية عنيفة وهى ثورة اولاد سيدى الشيخ الى ما بعد الحرب الثانية الكبرى وحصول تونس على الوعد بالاستقلال الداخلى ) ٣٠ ( ولكن ظهر ضعف الاقطار الاربعة امام جبروت الاستعمار بسبب تشتت مواقفهم فى الظروف الحاسمة وسقطوا الواحد تلو الاخر تحت نير التوسع الاوروبى لان حكوماتهم استمعت بدون تبصر الى وساوس المفرقين كدوبينيوسك ودي ليسبس وليون روش وامثلهم واتباعهم من المفسدين تلك هى العوامل الخارجية التى تسببت فى تحطيم محاولات توحيد المغرب العربي والتي لم تزل قائمة اليوم امامنا .
الم يقل لنا الرئيس الحبيب بورقيبة في خطابه الاسبوعى ليوم ٦ مارس ١٩٥٨ : " اتضح ان عمل فرنسا . . يرمي الى التفريق ويعمل بقاعدة ) فرق تسد ( ويبث الحزازات بين السلطان وبورقيبة ويثير الحماس ويعمد الى
زرع بذور المخاوف وعدم الانسجام وتكوين حالات استفزازية يستمدها من التعليق على النظام الجمهورى او المفاضلة " . والتاريخ يشهد ان هذه الاعمال يثابر عليها الاستعمار منذ قرون فعلينا ان تثابر فى الانتصار عليها .
وسعيا في سبيل ايجاد خاتمة توفق بين رغبات شعب المغرب العربي الكبير وآراء النزهاء من الجغرافيين والاقتصاديين والسياسيين من جهة ومغزى التاريخ من جهة اخرى اهتدينا الى كتاب للاستاذ لوسيان دى سانت لوريت Lucien de Sainte-Lorette عنوانه " فكرة الاتحاد الفيدير الى الاوروبي " فوجدنا من بين صفحاته دعوة متحمسة لتوحيد اوروبه بعد الاشارة الى عاقبة المدن اليونانية التى قضت نحبها لانها لم تتحد . ثم استخلاص الضرورة الحيوية التى من شانها تؤدي الى توحيد اوروبه بالرغم من الفروق السياسية واللغوية والدينية والاقتصادية والدستورية . اما فيما يخصنا فالامر سهل جدا . وقد وحدنا الدين واللغة والاقتصاد والكابوس الاجنبي . فوحدة المغرب العربى ممكنة مع احترام ذاتية الشعوب ومما هو جدير بالذكر ما اخذه الاستاذ دى سانت لوريت عن المفكر منتسكيو وهو احسن ما يمكن ان يكون خاتمة لحديثنا : ان النظام الفيديرالي يسمح بالجمع بين مزايا الدول الكبيرة والصغيرة وبين عظمة الملكية ومحاسن الجمهورية وبين النظام والحرية " ) ٣١ (

